في خطوة (لافتة) , اعلن (عبدالواحد راضي) رئيس مجلس النواب المغربي ان بلاده لن تسقط الجنسية المغربية عن اليهود الذين هاجروا الى اسرائيل ومضى المسؤول المغربي الى ما هو اهم حين قال (ان المغرب لا يمانع في عودة اليهود المغاربة من اسرائيل للاستقرار في المغرب اذا ما رغبوا في ذلك, لأن القوانين المغربية تتسم بالعصرية والتسامح .. . يثير هذا الموقف قضية مصير اكثر من نصف سكان الكيان الصهيوني ذوي الاصول الحضارية العربية الاسلامية, الذين يسميهم (جدع جلادي) في مؤلفه (اسرائيل نحو الانفجار من الداخل) بيهود الاسلام, فالمسؤول المغربي يجيب عن تساؤل يلقيه كثير من المنشغلين بالتصدي لفكرة تفكيك المشروع الاستيطاني الصهيوني, وهو: الى اين يذهب اولئك المستوطنون في حال فشل الحل الصهيوني لما يسمى بالمشكلة اليهودية لسبب او آخر؟ اننا اذا تصورنا طرحاً عربياً اسلامياً يحاكي هذه الفكرة المغربية, التي تتعلق الآن بنحو عشر سكان اسرائيل, فان النتيجة المتوقعة هي تحقيق اختراق فارق على طريق تسوية سلمية حقيقية للصراع الصهيوني العربي, تسوية جوهرها نبذ الحل الصهيوني العنصري وعودة اليهود من اصول مشرقية الى بلادهم الأم من جهة, وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم الأم من جهة اخرى. والمتوقع بداهة ان ينكشف بالتداعي البعد الغربي الاستعماري للحل الصهيوني اذ أن تفريغ الكيان الصهيوني من حشوه السكاني المشرقي, سيبرز الى أي حد اعتمدت نخبة الحكم ذات الاصول الغربية (الاشكنازية) على جموع (يهود الدول الاسلامية) في خوض جولاتها الحربية التوسعية العدوانية لمصلحة عالم الغرب الاستعماري, وكيف استخدمت هذه النخبة جموع اليهود المشرقيين كوقود لهذه الجولات بحسب تعبير جلادي. تصور المصادر التاريخية حياة يهود المغرب الأقصى قبل هبوب الرياح الصهيونية المسمومة عليهم, بشكل يثير حنين معظم الذين رحلوا منهم الى اسرائيل ففي عام 1947 كان قوام هذه المجموعة 8.203 الاف نسمة بنسبة 5.2 في المئة من جملة المغاربة, وكانوا سكان مدن بالأساس, كدأب التجمعات اليهودية في كل مكان .. عاشوا في الدار البيضاء ومراكش وفاس ومكناس ووجدة والرباط وأغادير, وذلك في احياء تدعى الملاحات ومارسوا اعمال التجارة والصيرفة والصناعة بلا قيود. وقد بلغت نسبة التعليم العام والصناعي المهني بينهم نحو 85 في المئة للذكور و65 في المئة للإناث, وهي معدلات فاقت المعدل الموازي لعموم المغاربة, ولم تكن الموجبات الدستورية والقانونية تدعوهم الى الرحيل ففي العهود القديمة نسبياً, يذكر الرحالة الأوروبيون ان (.. سلاطين المغرب الأقصى انصفوا اليهود وحموهم ورعوا فيهم الذمة وتواصوا بهم خيراً) . ويتحدث مؤرخو عهد الحماية الفرنسية (1912 ــ 1956) عن ان سواد يهود المغرب الأقصى لم يرضوا التجنس بالفرنسية او غيرها خارج اراضي المغرب وقد وفر لهم الملك (محمد الخامس) الحماية من اضطهاد النازي, باعتبارهم مواطنين عرب. وحين اعلنت الدولة الصهيونية, تحسب الملك من اشتعال الفتنة في البلاد, فأصدر توجيهاً في 23/5/1948 حذر فيه اليهود المغاربة من القيام بأي عمل صهيوني, وطلب من العرب احترام الأمن العام, وحين اعتدى البعض على حارات يهودية, بفعل العواطف التي أثارتها حرب فلسطين, تصدت لهم السلطات وحاكمتهم وبلغ الامر حد اعدام اثنين منهم في يونيو 1948, والملاحظ ان جهود الحركة الصهيونية وادعاءاتها لم تفلح حتى قيام الدولة اليهودية في تحريض يهود المغرب على المغادرة بقصد الاستيطان في فلسطين وحتى 1948 لم تتجاوز نسبة المغادرين اكثر من 7% غير ان هذه النسبة ارتفعت الى اكثر من 50% في غضون السنوات العشرين التالية وثبت ان ثلثا المهاجرين اتجهوا الى دول غربية فيما استوطن الثلث فقط في فلسطين. ويبدو ان المرحلة التي تلت قيام اسرائيل شهدت تركيزا صهيونيا على اجتذاب يهود المغرب الاوسط والاقصى وفي الوقت نفسه, وصولا الى العام 1967 حرصت السياسة المغربية في عهد الاستقلال على استمرار نهج التسامح مع يهود البلاد ففي حكومة الاستقلال الاولى اسندت لعنصاصر يهودية مراكز مرموقة كوزارة البريد فضلا عن الوظائف الكبيرة في دواوين الوزارات والادارات والمجالس البلدية ودوائر المالية والتخطيط والاقتصاد والمحكمة العليا. لقد جرى تدافع واضح بين دعوة الاستمرار في المواطنة المغربية وتيار الاندماج وبين اتجاه الانعزال والتصهين وتبنى هذا الاتجاه الاخير كافة الوسائل المغرضة لاثارة المخاوف والتحريض على الهجرة للدولة اليهودية الناشئة باعتبارها ستوفر الامن المطلق التاريخي ليهود المغرب ضمن سعيها لتأمين اليهودية العالمية, وذهبت المصادر الصهيونية الى تصوير وضع يهود المغرب على انه جحيم لايطاق وفي ذلك الحين رد رئيس الطائفة هناك بأن في ذلك افتراء على الحقيقة وان 15% من المناصب الادارية العليا يشغلها يهود وانهم مواطنون متساوون مع ابناء المغرب دون تمييز. نستطيع الان ان نناقش مليا الاسباب التي ادت الى هجرة يهود العالميين العربي والاسلامي ومنهم يهود المغرب الى اسرائيل الامر الذي زودها بمعين سكاني كبير وفي حالة كهذه سنضع يدنا على مزيج من الاخطاء العربية التاريخية فضلا عن سوء تقدير من ابناء اليهود العرب انفسهم لطبيعة الكيان الصهيوني ويكفي في هذا الاطار الاشارة الى ان تطلع هؤلاء الى الانسحاب من اطارهم الحضاري, بذريعة الحفاظ على الامن المطلق والتطور الحضاري المستقل افضى بهم الى خيبة ثقيلة. يصور جلادي في مؤلفه الضخم هذا الاحباط ونضيف اليه اما اصبح معروفا على اوسع نطاق من ان اسرائيل هي المكان الاقل امنا بالنسبة لليهود مقارنة بكل الاماكن التي يعيشون بين ظهرانيها في الجهات الاربع. ولكي يكون التحلل واقعيا علنيا ان نعترف بأن عقود المشاركة في سلوكيات الكيان الصهيوني ومثله العنصرية تجاه المحيط الحضاري العربي والفلسطيني منه بخاصة ليست بلا مغزى بالنسبة ليهود الدول الاسلامية ومنهم يهود المغرب فلاشك ان ارثا من التربص والعداء تراكم في هذه المرحلة ومع ذلك فان دعوة السياسة المغربية تعبر عن رؤية تسامحية متطورة ازاء هذه الشريحة لاسيما ان كانت تستهدف ان لايضع هؤلاء رجلا في اسرائيل واخرى في المغرب. ولمن يستفهم عن امكانيات عودة يهود المغرب او غيرهم من يهود الدول العربية والاسلامية بعد عقود من القطيعة وكذا عودة ابناء فلسطين الى وطنهم يحق الرد بأن المرحلة المنقضية على غياب هؤلاء وهؤلاء عن الوطن الام لاتتوازى اطلاقا مع ماتدعيه الصهيونية عن امكانية عودة يهود العالم الى (ارض اسرائيل) بعد غياب طال لالفي عام. ومهما يكن من امر ربما يصح وضع هذه القضية على بساط البحث المعمق غير ان مواربة الباب امام هذا الحل افضل حتى اشعار اخر من اغلاقه فهذه العملية تقول بأن لمستوطني الكيان الصهيوني شأن اي اصحاب مشروع استيطان آخر بلاد اصل, بوسعهم الرجوع اليها ونفض ايديهم من خطأ تاريخي اوقعتهم فيه قوى شريرة في لحظة تاريخية معينة. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة*