حين يفشل البعض في دحض الحقائق التي يتهمهم بها الآخرون يبدؤون بالصراخ في جميع الاتجاهات لتحويل الانظار عن الحقائق , ويتسخدمون انصاف الحقائق لتزييف الواقع, املا في ان يتحول الآخرون الى موقف المدافع عن النفس, ويفقدون القدرة على الاستمرار في الادانة, خاصة اذا كان لديهم المال والوسائل لاستخدام علماء معروفين في تزييف الوقائع التي تدينهم, هذا هو بالضبط ما تفعله الآن قوى غربية تحاول تشويه (روجوبرتا منتشو) الفتاة الهندية الفقيرة شبه (الأمية) التي لا تكاد تجيد القراءة والكتابة, والتي تحولت الى اسطورة حية لشجاعتها وقدرتها على المواجهة وكشفت الزيف بكتاب بريء في شكله مرعب في مضمونه, ويكشف الى اي مدى استطاعت قوى الشر ان تتحالف مع الدكتاتوريات المتلاحقة في جواتيمالا لتدمر حضارة شعب (هندي اصيل) وان تحاول ازالته من ارضه لتورثها لاجانب غرباء كل مايميزهم هو لون بشرتهم الابيض. لكن تلك القوى وقعت في مأزق بسبب جهلها المطبق بالحضارات الهندية القديمة لامم مثل (المايا) و (الكيتشه) , التي يبدو ان تلك القوى لم تحسب حساب ارثها الحضاري, الذي يزرع فيها روحا خلاقة, لم تعتقد تلك القوى المتغطرسة ان تستطيع تلك الهندية التي تنتمي الى (شعب على طريق الانقراض) ان تزلزل كل الاساسيات التي سارت عليها السياسات العنصرية التي لاترى في الهنود الحمر بشرا, بل اشباه بشر يجب محوهم. من خلال كتاب يبدو عاديا في شكله, لكن مضمونه مرعب تحت عنوان (انا روجوبرتا منتشو) , استطاعت تلك الفتاة بمساعدة كاتبة فنزويلية متعاطفة مع قضايا تلك الشعوب التي تسير على طريق الانقراض, ان تقص مايحدث في جواتيمالا التي تعتبر في الوقت نفسه نموذجا لعمليات التخلص من الهنود الحمر في كل امريكا اللاتينية, والتي تمت خلال قرون طويلة بدأت تحديدا بعد وصول كولومبس قبل خمسة قرون, واستمرت حتى يومنا هذا, تحولت فيها الدكتاتوريات العسكرية الى الذراع المنفذ للسياسات الاستعمارية التي يتم التخطيط لها في بورصات الدول الكبرى. بما ان قوى الظلام الاستعماري لاتؤمن كثيرا بقدرة الكلمة لم تنتبه الى مضمون الكتاب الذي يقدم تلك الفتاة واسرتها كنموذج لما يحدث يوميا على ايدي جيش مدرب ومسلح باحدث الاسلحة, لا ليحمي الوطن بل ليزرع فيه الموت والرعب لحساب من يدربه ويقدم له السلاح, في حرب صامتة استمرت الى اكثر من ست وثلاثين عاما, وكان نتاجها مرعبا: 100 الف قتيل, و 40 الفا من المختفين واكثر من 200 الف يتيم, و 110 آلاف ارملة. نجح الكتاب في لفت الأنظار إلى الصراع الدموي الدائر في أمريكا اللاتينية, ووصلت قوة تأثيره الى حد تبني العديد من المثقفين المتعاطفين تلك القضية, واستطاع الكتاب أن يصل الى شعوب العالم من خلال ترجمته الى عدة لغات, وبسببه حصلت (روجوبرتا منتشو) على جائزة نوبل للسلام عام ,1992 وهو العام الذي كانت أوروبا تحتفل فيه بمرور خمسة قرون بالضبط على الغزو الاسباني لأمريكا اللاتينية, فيما سمي باكتشاف العالم الجديد تلك الجائزة التي لا تقيم لها تلك الفتاة الهندية وزنا, لكنها كانت تعرف أن حصولها عليها كان كافيا لأن تتحرك مؤسسات دولية للتحقيق في الجرائم التي يتعرض لها شعبها. بعد جائزة نوبل للسلام تحركت الأمم المتحدة تحت ضغوط الرأي العام والإعلام لتجري تحقيقات رسمية في جرائم الجيش في جواتيمالا, وأجبرت السلطات هناك على احترام حقوق الشعوب الأصلية, التي تحولت بفعل عمليات التصفية إلى أقلية مغلوبة على أمرها في طريقها نحو الانقراض, كما لم تعد حقوق ملكية الأرض التي فقدتها تلك الأقليات بالخداع والتخويف. لكن تلك القوى التي خسرت المعركة في مواجهة الفتاة الهندية روجوبرتا منتشو قررت أن تتحرك وتحرك قدراتها اللا محدودة من المال والسلطة في حركة فجائية لتشويه تلك السيرة الشخصية التي تجسد فيها كفاح شعب بأكمله, فقد وعت تلك القوى الدرس وقررت أن تحاربها بسلاحها, أي تحاربها بكتاب في مواجهة كتاب, إضافة الى تجنيد الإعلام (المرتزق) التابع لها, وللأسف سقطت في مصيدة المواجهة بين روجوبرتا منتشو وتلك القوى الاستعمارية صحف (عربية) تفتقر الى متخصصين في شؤون أمريكا اللاتينية, فسارت على نهج (النيويورك تايمز) بل ونقلت عنها الأكاذيب دون أن تحاول البحث عن الحقيقة وإعلانها. في الوقت الذي تحولت فيه الهندية روجوبرتا منتشو الى اسطورة ظهر في الأسواق الأمريكية كتاب (منتشو وجميع فقراء جواتيمالا) للباحث الأنثروبولوجي الأمريكي ديفيد ستول, وعرضته (النيويورك تايمز) بشكل مثير حاول خلاله الكاتب تشويه صورة المعارضة الجواتيمالية مستخدما انصاف الحقائق, ومعتمدا على جهل القراء بالكتاب الحقيقي وما يتضمنه من حقائق, إضافة الى استخدام شهادات مزيفة تحاول أن تثبت ان الحياة الشخصية لروجوبرتا منتشو لم تكن كما قصتها, وأنها زيفتها لتحصل على البطولة المطلقة وتحقق لنفسها ما ليس من حقها, بل طالبها بأن تعيد جائزة نوبل للسلام التي حصلت عليها. لكن من قرأ كتاب روجوبرتا منتشو وطالع ما نشره هذا الباحث يكتشف الى أي مدى يستخدم هذا الكاتب المعلومات الحقيقية بطريقة ملتوية, تبدو من الوهلة الأولى تكذيبا, لكن القراء المتأملين, وهم قلة اليوم في ظل إعلام متوحش, يمكنهم الوصول الى حقائق عكسية لما يحاول هذا الباحث الوصول إليه. يشكك الباحث الأمريكي في أن يكون شقيقها (باتروثينيو) قد مات حرقا أمام عيني أمه على أيدي قوات الجيش كما تذكر روجوبرتا في كتابها, لكن الباحث من ناحية أخرى يؤكد ان المعلومات التي حصل عليها تؤكد موته على أيدي قوات الجيش, ودفنه في مقبرة جماعية, كما هي العادة عندما يقوم العسكريون الجواتيماليون بارتكاب عمليات القتل الجماعي ضد الفلاحين والهنود الحمر (؟!), الباحث الأمريكي يفرق بين موت انسان بريء زهقت قوات الجيش روحه, ويرى انه اذا كانت أداة القتل مختلفة فإن المناضلة تكذب, معتمدا على ان قراءه من الأمريكيين أمثاله يرون ان هناك فارقا بين عملية قتل وأخرى, تماما كتفريقهم بين ممارسة الجنس الفعلي أو ممارسة الجنس الشفاهي, الذي كان يمارسه رئيسهم المبجل (كلينتون) مع متدربة البيت الأبيض (مونيكا) . عملية التشويه التي تعرضت لها روجوبرتا منتشو على أيدي ديفيد ستول و(النيويورك تايمز) ذهبت الى حدود لا معقولة بمناقشتها أوضاع المناضلة الثقافية, فقد ذكر الباحث ان المناضلة قالت في كتابها إنها لم تحصل تعليما مدرسيا منتظما في أية مدرسة, لأن الفقراء مثلها ليس لديهم الحق في هذا في جواتيمالا, ويشير الباحث الى ان معلوماته تؤكد انها كانت في مدرسة تابعة لراهبات بجليكيات, ويتوقف عن ذكر نصف الحقيقة الآخر, لأن روجوبرتا تؤكد انها كانت بالفعل في هذه المدرسة, ولكن ليس كتلميذة, بل كخادمة تحصل على راتب شهري قدره 11 دولارا فقط, من المؤكد انه أقل من أجر الباحث عن كتابته لكلمة واحدة في الصحيفة التي استخدمته في تشويه حياة تلك المناضلة. على هذا المنوال من ذكر انصاف الحقائق, أو التمييز ما بين قتل وقتل بسبب اختلاف الأداة التي تمت بها عملية القتل, يستمر الباحث الأمريكي في محاولاته تشويه المناضلة التي استطاعت ان تلقي الضوء على المأساة التي يعيشها شعبها, وأن تجبر النظام الحاكم في بلادها على الجلوس أمام فقراء الوطن على مائدة واحدة للبحث عن حل يضمن لهم فقط الاستمرار على قيد الحياة, وممارسة حقوقهم على أرضهم التي ورثوها عن أجدادهم, وهو أمر في حد ذاته يستحق الإكبار والتقدير, حتى لو كانت كل المعلومات التي تذكرها السيرة الذاتية لتلك الهندية الفقيرة شبه الأمية كاذبة أو مختلفة, أليس فيما حققته لشعبها من خلال مذكراتها ما يغفر لها بعض رواياتها للتفاصيل الدقيقة لأحداث وقعت بالفعل, ولا يقلل من هولها كيف أمكن روايتها وبأية طريقة. على الرغم من محاولات التشويه فإن تاريخ جواتيمالا وعذابات السكان الأصليين من أحفاد المايا والكيتشة لا يمكن محوها من ذاكرة الذين عاشوها, الا انه المثير للحزن حقا ان تشارك (صحف عربية) من المفترض انها معادية للاستعمار بكل أشكاله, في تشويه نضال شعب يحاول ان يحافظ على وجوده وأرضه وهويته. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*