يتمتع الملك حسين بشجاعة نادرة في مواجهة المرض, عادة أغلب الناس لا يستطيعون مواجهته, خاصة اذا كان من الأمراض المميتة والقاهرة كالسرطان, فيكون انهيار المقاومة النفسية أمامه طريقاً سريعاً لانهيار المناعة والمقاومة الجسدية والخطوة الأولى نحو انتصار المرض وهزيمة المريض . ويمكن للانسان مواجهة أخطار كثيرة كالحروب والكوارث والمشكلات السياسية الطاحنة والأعباء العائلية والمحن الاجتماعية وغير ذلك مما يمكن ان يدخل في مفهوم الأخطار التي تحتاج الى رباطة جأش وشجاعة وصبر وحكمة في مواجهتها والتعامل معها, وهي التي ميزت حكم الملك حسين على مدى 50 عاماً, أثبتت جميعها أنه يتحلى بصفة الشجاعة فعلاً, حتى مع اختلاف البعض في تقدير موقف الملك منها وتقييمه لهذا الموقف, إلا أن مواجهة المرض تبقى مسألة أخرى, لأن المحنة تكون شخصية هذه المرة, والمعركة تكون داخل الجسد, والخطر يكون مهدداً لحياة الانسان مباشرة, ما يجعل الشجاعة أمراً نادراً مع مثل هذه المحنة فيحل محلها الضعف واليأس. وبما أن الملك اختار مواجهة المرض بالشجاعة التي واجه فيها بقية المحن السياسية في حياته, فقد قرر من البداية مصارحة شعبه والعالم بحقيقة مرضه يوماً بيوم, وقرر الظهور العلني كلما أمكن لممارسة حياته الطبيعية ودوره السياسي, كان آخرها قطع علاجه وعودته الى بلده لاجراء تغييرات سياسية جذرية لصالح مستقبل الاردن. وهكذا فان المرض لم يُخفِ الملك عن الأنظار, حيث من العادة أن يختفي المسؤولون ويتوارون عن الناس كلما أصيبوا بمرض أو ألمَّ بهم داء, وهكذا رأيناه مثلاً يطل بين حين وآخر على شاشة التلفزيون ليوجه كلمة الى شعبه أو ليلتقي مسؤولا او ليشارك في مؤتمر, كمشاركته المشهودة بمؤتمر (واي بلانتيشن) وهو تحت العلاج الكيماوي. وربما أن هذه الشجاعة نفسها تفسر صحة التقارير التي تقول أن الملك لم يَشفَ تماماً من مرضه حين عاد الى بلاده, على الرغم من الاعلان عن ذلك على سبيل التمويه, لكي يجري التعديلات المطلوبة باتخاذه قرار تعيين ابنه عبدالله ولياً للعهد محل شقيقه حسن, فيكون في عودته تحت المرض واتخاذ أصعب القرارات منتهى ما يمكن أن يكون عليه رجل من صفات الشجاعة والمسؤولية النادرة. هذه الصفات نفسها أو ما يشابهها في المسؤولية والشجاعة والرجولة ربما نجدها في المواقف السياسية لشقيقه الأمير حسن المعزول عن ولاية العهد, الذي تقبّل بروح عالية من التقدير والولاء والوفاء قرار عزله بعد أكثر من 30 عاما في المشاركة في الحكم كولي للعهد, وتقبّل مع القرار النقد والتقريع وهو يضع نفسه تحت تصرف الملك, من دون أدنى شعور بالضغينة أو المهانة, أو بقدر كبير من كظم أية مشاعر لا تخدم المصلحة العليا. ومن مواقف الملك نفسه في مواجهته لمحنة المرض والقدر والمشيئة الإلهية بنفس راضية وبالشجاعة والمسؤولية الى مواقف شقيقه المعزول المسؤولة والمعبّرة عن أخلاق عالية وعن محبة أكبر, نستخلص درسا لبعض أبرز الساسة العرب والزعماء, وتحديداً الذين يدعون الثورية والتغيير, ممن لا يتحمل أحدهم نقداً أو عزلاً الا بالدم, فلا تنتقل سلطة الى غيرهم من دون كوارث وطنية وسياسية تلم ببلدانهم وممن لا يجرؤون على مواجهة أمراضهم وعقدهم الأيديولوجية والسياسية وغيرها بروح من المسؤولية كحالة النظام العراقي مثلاً, فنعرف ان أساس الحكم من بعد العدل, الرجولة بمعناها الأخلاقي لا بمعناها العنتري, فقد رأينا نتائج العنتريات وبالاً على الشعوب وكوارث ومحناً من كل صنف ووزن.