وليست الديمقراطية مجرد حرية في ابداء الرأي, او القبول بالرأي الآخر وحسب. انها ايضا القدرة على ممارسة النقد الذاتي والاعتراف بالخطأ وهو ما يكسب الممارسة الديمقراطية أبعادها الاخلاقية ويرتفع بها الى مراقي الامانة مع النفس هكذا احتارت الصحافة واحتار دليها ايضا: بين ان تكتب وتذيع وتنشر فيصدقها الناس وقد تعودوا على ان يؤكدوا الخبر الذي يتداولونه حين يقولون: (انه مكتوب ــ بمعنى منشور في الجرنان) ــ وبين ان تكتب الصحافة وتذيع وتنشر فلا يصدقها أحد بل تجد من يشكك في المادة المنشورة تحت طائلة الشعار الشهير (هذا كلام جرايد) . والناس في بلادنا يشككون في الصحف المنشورة او المطبوعة بصورة أعم واعمق من تشكيكهم فيما يذيعه الراديو او التلفاز, لا لانهم يولون مزيدا من الثقة في الميديا الالكترونية مسموعة كانت او مرئية ولا لكون الجرائد والمجلات في تصورهم ادنى درجة من حيث الموثوقية او المصداقية, ولكن لانهم درجوا ــ في بلادنا كما قد نكرر ــ على ان تكون الجرائد والمجلات تابعة بصورة او بأخرى للقطاع الخاص او متبعة بصورة او باخرى أساليب القطاع الخاص في حين ان الاذاعة والتلفاز هما شأن احتكاري مقصور على الدولة وتابع بالضرورة لصاحبة العصمة الحكومة التي درج الناس ــ منذ ايام العثمانلي ــ على الانصياع لارادتها والثقة او التصديق لما تقول ــ كيف لا وهي التي تمنح المرتبات وتعطي العلاوات وتنشيء الدرجات؟ وهي ايضا القادرة على حبس هذه الاعطيات كلها عن المواطن, بل على حبسه هو شخصيا اذا ما دعت الضرورة, وللضرورة دائما في رأيها أحكام... والأحكام بدورها مشتقة من نفس مادة الحكومة في فنون اللغة (متى يصدقون الصحافة) ولن يعمد الناس الى تصديق الصحافة, بمعناها الاوسع وهو معنى الميديا المكتوبة والمسموعة والمرئية الا اذا اثبتت هذه الصحافة او الميديا ــ انها قادرة على تحمل المسؤولية الاجتماعية التي ينبغي ان تصدر عنها وتعمل في خدمتها وبديهي ان مدرسة المسؤولية الاجتماعية هي ارقى منطلقات العمل الصحفي ــ الاعلامي وهو ما ينبغي ان نتطلع اليه باستمرار في الوطن العربي. وبديهي ايضا ان العالم شهد في الماضي, وما زال يشهد حاليا في هذا الموقع او ذاك استمرار, وربما ازدهار مدارس الصحافة الثلاث الاخرى وهي المدرسة السلطوية والمدرسة الليبرالية والمدرسة الشمولية (السوفييتية سابقا) وبديهي كذلك ان مدرسة السلطة هي توأم مدرسة الشمولية حيث الجرائد نسخ متشابهة, وحيث موجات الاثير وقنوات التلفاز منشورات اقرب الى دفاتر الاحوال تارة, او اشبه بقصائد الشعراء الدرجة الثالثة في مدح القابضين على الصولجان تارة اخرى. من ناحية اخرى فقد تولدت مدرسة المسؤولية الاجتماعية عن سابقتها أو جدتها الاعلى, وهي المدرسة الليبرالية التي سادت معظم سنوات القرن التاسع عشر على نحو مايوضحه البروفيسور (فرد سيبرت) وقامت على اساس ان الانسان كائن عاقل رشيد, وان الناس ولدوا احرارا متساوين وان لا وصاية من احد على احد, وان السيادة ينبغي ان تكون دوما للعقل على نحو ما اكده المفكر الانجليزي (هارولد لاسكي) في دراسته الشهيرة عن (نشأة التحررية الاوروبية) . الناس في القرن العشرين ولأن القرن العشرين هو زمن الجماهير, الناس, الجموع بامتياز وجلاء, فقد تطورت مدرسة الليبرالية الى حيث تجاوزت انتقائية القرن الماضي ونخبوية التيارات الليبرالية كي تحتضن ظاهرة صعود الجماهير الى مسارح الاحداث ودخولها ضمن بؤرة الاهتمام ومن ثم كانت الدعوة الى ان يصدر العمل الاعلامي عن الاحساس العميق بالمسؤولية الاجتماعية. وفي هذا السياق يشير البروفيسور (ثيودور بيترسون) وهو من كبار اساتذة الصحافة والاعلام في امريكا الى ست مهام اساسية بات على الصحافة ان تنهض بها في هذا العصر وهي: (1) خدمة النظام السياسي من خلال طرح المعلومات وتهيئة المناقشات حول الشؤون العامة. (2) توعية وتنوير الجمهور إلى الحد الذي يتيح لهذا الجمهور ان يتولى حكم نفسه بنفسه (في اطار الحكومات والمجالس المحلية مثلا). (3) حماية حقوق الفرد من خلال دور الصحافة والإعلام الذي يراقب اقرار هذه الحقوق في وجه أي تعديات من جانب دوائر الحكم. (4) خدمة النظام الاقتصادي عن طريق نشر الاعلانات التي تجمع على صعيدها الموحد كل أطراف عملية التجارة وخاصة في مجالات الانتاج والبيع والشراء للسلع والخدمات. (5) تهيئة سبل الترفيه والترويح والتسلية. (6) الحفاظ على الاكتفاء الذاتي الذي لابد وان تكفله هذه الوسائل الاعلامية (الميديا) لنفسها في مجال التمويل بالذات بحيث تكون متحررة في هذا المضمار من ضغوط المصالح الخاصة (في هذا السياق أحلنا بالذات إلى الكتاب الموجز والهام الذي يعاد طبعه باستمرار وعنوانه (أربع نظريات للصحافة) وهو من تأليف ثلاثة من أعلام هذا الباب هم: فيرد سيبرت وثيودور بيترسون وثالثهم ولبرشرام). ضرورة النقد الذاتي وإذا كان للصحافة المعاصرة ان تواصل النهوض بمسؤوليتها الاجتماعية, فهي لابد وان تفعل ذلك من منطلق ايمانها بالديمقراطية, وليست الديمقراطية مجرد حرية في ابداء الرأي أو قبول بالرأي الآخر وحسب, انها أيضا القدرة على ممارسة النقد الذاتي والاعتراف بالخطأ وهو ما يكسب الممارسة الديمقراطية أبعادها الأخلاقية, ويرتفع بها إلى مراقي الأمانة مع النفس ومحاسبة الذات والاعتراف بالخطأ الذي هو فضيلة في التحليل الأخير. وفي هذا الخصوص لا تخشى الصحافة الديمقراطية, أو ميديا المسؤولية الاجتماعية من الاعتراف بأخطائها وخاصة فيما يتعلق بالأغلاط المهنية التي كثيرا ما وقعت فيها الصحافة, وأوقعت بها من ثم جموع القارئين على امتداد سنوات القرن العشرين. لهذا حرصت فصلية الصحافة الصادرة عن جامعة كولومبيا الامريكية (عدد يناير فبراير 1999) على تخصيص مساحة واسعة من العدد المذكور لتقصي عثرات الصحافة واستعراض مواقف ومشاهد الخداع أو الغفلة أو حتى التدليس الذي وقعت فيه الصحافة وأيضا الزملاء الصحفيون, وتلك عثرات واغلاط يرجع بعضها إلى الكسل المهني, أو إلى الحماقة المهنية, أو إلى الانسياق المحموم الخائب في بعض الأحيان, لوجه المنافسة, الحمقاء بدورها, وطبعها على حساب التحقق من الأخبار وحسن فرزها والإمعان في تمحيصها, فيما يرجع بعضها الآخر إلى غرور الصحفي نفسه, وهو غرور يعميه عن رؤية الحقيقة الساطعة مثل نور الشمس في بعض الأحيان, ناهيك ان يرجع جانب أخير منها إلى ان يكون الصحفي ذاته محتالا ومدلسا ويستحق ان تطاله يد القانون. والزملاء الأمريكان يطلقون على الأغلاط اسما خاصا هو (بلوبرز) وهو مصطلح تعرفه جماهير مشاهدي التلفاز وتشغف به بوصفه مادة ظريفة مشوقة وهو أقرب إلى ما قد تقدمه في الميديا العربية أحيانا تحت عناوين من قبيل (على هامش الحدث) أو (وراء الكواليس) أو من غير مونتاج وتقصد به عرض الأخطاء التي يرتكبها الممثلون أثناء انجاز وتصوير مسرحية أو برنامج أو مشهد تمثيلي, ممثل نسي دوره أو ممثلة انتابتها هستيريا الضحك أثناء البروفات أو فنان نفذ تعليمات المخرج ففتح الباب فإذا بالديكور ينهار فوق رأسه.. إلخ. وإذا كانت (البلوبرز) في التلفاز مثلا تضحك الناس, فإن البلوبرز في الصحافة المطبوعة بالذات يمكن ان تؤدي إلى كوارث مهنية, بعضها صار من الأخطاء الكلاسيكية التي تعلمها معاهد الميديا للدارسين فيها لزوم التجنب والعبرة والحذر والاحتياط ولقد تبدأ هذه الأغلاط الصحفية بذلك المانشيت الذي نشرته أخبار اليوم القاهرية في الستينات عن مقتل مجرم روع الآمنين كان اسمه محمود أمين على يد الشرطة. وأرادت الجريدة ـ علم الله ـ ان تبرز عنوانا آخر حول زيارة الرئيس ناصر إلى باكستان فإذا بالمانشيت يقول في سطره الأول: مقتل السفاح, ويتابع السطر الثاني ليضيف في رعونة: عبد الناصر في باكستان, فإذا بالسطرين يجسدان عنوانا خرافيا غاية في الجلافة والسخافة هو (مقتل السفاح عبد الناصر في باكستان) . بلوبرز تاريخية وكانت غلطة في مجافاة الذوق السليم لكنها قد تهون ازاء الأغلاط التاريخية التي وقعت فيها صحافة أمريكا بجلالة قدرها ومنها مثلا: مانشيت الصحف الصباحية الذي طالع القراء في أواخر الأربعينات يقول: ديوي يفوز على ترومان (برئاسة الجمهورية) وقبل ان يبلع القراء ريقهم كان الخبر الحقيقي هو ان ترومان هو الذي أصبح رئيسا لأمريكا وان غريمه في الانتخابات لا فاز ولا يحزنون. قبلها أعلنت وكالة (يو بي) وهي الأب الشرعي لوكالة يونايتد برس الحالية بشطارة منقطعة النظير ان الحرب العالمية الأولى قد انتهت. وذاع الخبر على كل أسلاك البرق في أنحاء الدنيا نقلا عن الوكالة السباقة الشاطرة, ولم يكن الخبر صحيحا بل ظلت الحرب الأولى مشتعلة بعده بفترة ليست بالقصيرة. وفي زماننا الراهن بادرت مؤسسة تايم وارنر إلى اعلان الحكم الصادر على لاعب الكرة الأمريكي الشهير أو. جي. سبمسون وذكرت ان الحكم هو (مذنب) . وكان الخبر الحقيقي في نفس اليوم هو ان أعلن فيه المحلفون ان المتهم (غير مذنب) . أما خيبة الصحافة المعاصرة, وكانت خيبة ثقيلة حقا فقد وقعت خلال ملابسات كارثة الباخرة تيتانيك في 15 ابريل عام 1912. يوم نشرت جريدة (ايفننج صن) الأمريكية المانشيت العريض يقول في اطمئنان بالغ: جميع ركاب تيتانيك سالمون وقد تم نقلهم في قوارب النجاة. ويومها أيضا سألوا مسؤولي الجريدة: هل أنتم متأكدون من الخبر؟ إلى حد ما.. فلماذا تجازفون بالنشر؟ لان قراءنا ظلوا يشتكون اننا لا ننشر أخبارا سارة, وكل أخبارنا كئيبة. وبناء على غلطة الجريدة الأولى توالت الأخطاء المهنية في خبر (تيتانيك) مثل توابع الزلزال: نشرت (وول ستريت جورنال) تهنئة لأصحاب السفينة لانها تحدت الكارثة ونجا جميع ركابها, وانحت (نيويورك ايفننج) باللائمة على (عواجيز الفرح) الذين أشاعوا ان الباخرة الفارهة قد غاصت في قاع المحيط. وفي الخمسينات دأبت جريدة كبرى مثل نيويورك تايمز على ان تنشر رسائل من مراسلها.. (والتر ديوراتني) في موسكو في عهد ستالين السوفييتي, وكلها رهان على عظمة ستالين وسعادة الروس تحت حكمه وأخلاقية هذا الحكم الرشيد. وأي كلام خلاف هذه الأحكام كان المراسل الهمام يصفه على صفحات نيويورك تايمز بأنه دعاية مغرضة ومعادية للحاكم الطيب جوزيف ستالين. ولقد بلغ أمر (ديورانتي) الحد الذي جعل زميلا له هو الكاتب البريطاني مالكولم مجرديدج يصفه بأنه: أكبر صحفي كذاب رآه في حياته ومع ذلك فقد نال (ديورانتي) هذا جائزة (بوليتزر الصحفية الرفيعة) . ثم هناك حكاية المذكرات المزيفة التي انطلت على كبريات المؤسسات الصحفية العالمية, وخدعت بها جماهير قرائها. منها مثلا مذكرات المليونير, الممثل, الطيار الأمريكي هوارد هيوز التي باعها توم من أمهر المحتالين إلى مؤسسة (ماكبروهل) الأمريكية للنشر وتقاضى عنها مليون دولار وهو مبلغ رهيب بأسعار تلك الفترة ــ ,1971 وكان عنوانها هو (سيرة حياتي) وقبل أن يتم النشر, وصلت إلى المؤسسة المعنية رسالة تقول: ليس هناك شيء اسمه قصة حياتي ولا مذكرات كتبها قلم هيوز من قريب أو بعيد. ان الرجل ما زال على قيد الحياة, وهو لم يكتب شيئا ولست أملي على أحد أي مذكرات وكان التوقيع هو (هوارد هيوز) شخصيا! ولم يقتصر هذا التدليس على الصحافة الأمريكية فها هي الصحافة الألمانية تقع في نفس المطب ولكن بصورة أوسع وأشد خطرا.. كيف لا. وقد زفت مجلة (شتيرن) الألمانية الذائعة الصيت خبر حصولها على حق النشر لمذكرات الزعيم النازي ادولف هتلر. وأوضحت ان هذه المذكرات أو اليوميات التي كتبها هتلر بخط يده, كانت قد استخرجت من حطام طائرة شحن قبل انتحار هتلر بتسعة أيام في عام 1945 ثم وصفت (شتيرن) اكتشاف هذه المذكرات ذات الأهمية البالغة بأنه أعظم كشف صحفي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. كان ذلك في عام 1983. وكان قد أكد مصداقية المذكرات المؤرخان البريطانيان (ديفيد ارفنج وهيو نزيفور روبر) . وبعدها سارعت إلى شراء حق النشر كبريات الصحف العالمية وكلها كانت تجري في ركاب (شتيرن) وأصحابها الألمان المعروفون بدقتهم وانضباطهم. وفي مقدمة تلك الصحف كانت (صنداي تايمز) في لندن و(باري ماتش) في باريس و(بانوراما) في ايطاليا. ولم يكن الأمر بعيدا بطبيعة الحال, عن اهتمامات مجلة أمريكية في حجم (نيوزويك) التي همت بالمشاركة في مهرجان نشر المذكرات ولكنها أخضعتها لمزيد من التدارس والتمحيص وما لبث (نيوزويك) ان رفضت النشر, بل وصدرت غلاف عددها المنشور في الثاني من مايو 1983 بقصة غلاف تشكك في أصالة ومصداقية مذكرات هتلر وان لم تقطع على نفسها خط الرجعة خوفاً من الكسوف أمام القراء فحملت قصة الغلاف عنوانا تاريخيا يقول عن المذكرات: (حقيقية أو زائفة.. لكنها لم تعد تهم أحدا في نهاية المطاف) . سقوط المذكرات وبهذا فتحت نيوزويك باب الظن, ولم يكن في هذا الظن إثم من حيث التحقيق العلمي.. بل سارع المؤرخان البريطانيان ايرفنج وروبر إلى سحب تأييدهما لمصداقية المذكرات وأعادا إلى الأذهان ما سبق وذكره مؤرخو الحقبة النازية بأن الزعماء أيامها لم يؤثر عنهم تدوين أي مذكرات أو يوميات.. ومنهم من أكد ان هتلر كان يفضل دوما أن يملي ما يريد على أفراد السكرتارية. ومنهم من دقق الأمر مستغربا تواصل التدوين المنسوب إلى هتلر في الأيام التي كان معروفا انه كان مصابا فيها بجروح تعيق الكتابة. وجاءت جحافل خبراء الخطوط لتؤكد ان الخط المستخدم أبعد ما يكون عن كتابة هتلر, ومعهم خبراء القرطاسية الذين أفادوا بأن التجليد يستخدم خيوط البوليستر التي لم يعرفها العالم إلا بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية, دع عنك المظهر الخارجي الشامل للمذكرات الهتلرية المزعومة 62 مجلدا قيل انها مدونة عبر 13 سنة ولكنها تتبع نفس التنسيق وعلى نفس نوعية الورق بغير بقعة هنا ولا ثغرة هناك. هكذا انكشف الملعوب وكان قد انطلى, لا على صحف ريفية ولا على صحفيين غلابة في أدغال افريقيا أو أحراش آسيا, بل على أكبر مؤسسات صحفية وعلى دهاقنة المهنة الاعلامية في كبرى دول العالم. وما زال أهل المهنة يتندرون فيما بينهم بتلك الأحداث المغلوطة.. يسخرون من خبر تيتانيك العائمة فوق أديم المحيط, أو بتسلم المرشح الجمهوري ديوي رئاسة الجمهورية في أمريكا, أو بالسيرة الذاتية التي كتبها المليونير روبرت هيوز أو بالمذكرات الجبارة التي دونها زعيم المانيا ادولف هتلر.. وكلها كانت أخبارا مكذوبة ومعلومات مغلوطة.. أذاعتها الميديا وما لبثت أن بلغت كبرياءها فاعتذرت عنها.. ونقدت نفسها ولا بأس من النقد الذاتي بين حين وحين.