اعتقد بأن الكثيرين منا قد أولعوا في فترة مبكرة من حياتهم بمؤلفات الامريكي (دايل كارنيغي) في العلاقات الانسانية , وفن التواصل مع الآخرين, تلك المؤلفات التي صدرت في الولايات المتحدة الامريكية في الثلاثينات والاربعينات من هذا القرن, مثل كتابه ذائع الصيت: (دع القلق وابدأ الحياة) و(كيف تكسب الاصدقاء) و(كيف تتعامل مع الناس) و ... الخ وقد يتساءل الانسان احيانا عن مدى فاعلية هذه النوعية من الكتب وهل بامكان الشخص ان يتعلم من خلال قراءة كتاب معين كيفية اكتساب الاصدقاء, اذا كان عاجزا عن تحقيق هذا المكتسب من خلال قدراته الذاتية ومؤشراته الخاصة؟ وهل باستطاعة انسان عدواني مثلا, او مليء بمركبات النقص ان يكسب ثقة الناس, ويؤثر فيهم من خلال كتاب يمتلىء بنصائح جيدة في هذا الاتجاه؟ ان هذه النوعية من الكتب جاءت نتيجة تجارب شخصية خاضها اصحابها وقادتهم فعلا الى خلاصات ونتائج جيدة, اختلطت بواقع ذي وتائر مختلفة, وبثقافة معينة, ومعارف وعلوم عديدة, والكثير من المؤثرات التي قادت بعض الشخصيات في التاريخ من امثال (دايل كارنيغي) الى تأسيس حركة انسانية او علم معين, او نشر مبادىء في غاية الجمال والانسانية. ان الذي يقرأ مؤلفات (دايل كارنيغي) في تعليم مبادىء العلاقات الانسانية السليمة يعرف بانها جاءت ثمرة تجربة شخصية كان خلالها هذا الذي اصبح علما في نشر هذه المبادىء, مجرد صبي يرزح تحت عقدة الشعور بالنقص في بيئة فقيرة وظروف معيشية وتعليمية قاسية جدا, لكن الظروف المساعدة قامت بدورها في تحويله الى شخصية فاعلة ومؤثرة وبشكل انساني عظيم. كما ان الذي يقرأ هذه الكتب يعرف ان قراءة كتاب ايا كان مؤلفه لا يمكن ان تحول الانسان الى مليونير كما في كتاب (فكر تصبح مليونيرا !) او تحوله الى آسر لقلوب الملايين كما في كتاب ( كيف تكسب الثقة وتؤثر في الناس) حيث القضية اكبر واخطر من ذلك. ان اغلب هذه الكتب جاءت ثمرة لقاءات انسانية بين مجموعات انتظمت في فصول دراسية وتشاركت في مناسبات اجتماعية, واثارت فيما بينها الكثير من المناقشات والجدل, ومارست ــ وهذا هو المهم ـ الحياة المشتركة والعمل الجماعي الذي اوصلها ــ بعد جهد وزمن طويل ــ الى آفاق التلامس الانساني والتناغم مع الآخرين. ليس عيبا ان يفتقر الانسان موهبة تلمس قدراته التفاعلية مع الآخرين, فقد يكون لدينا الكثير من الطاقات الخلاقة, والجماليات الرائعة, ولكننا بحاجة الى المساعدة لاكتشافها واستيعابها, واستخدامها بشكل انساني مؤثر, انما العيب في قتل الجمال الانساني في دواخلنا, ومحاولة وأده بكافة الوسائل اعتقادا بأن ممارسة الانسانية بود وحب مع الآخرين نوع من الضعف والسذاجة. المشكلة حين نتعدى وأد انسانيتنا لنئد انسانية الآخرين, بافتعال ازمات تافهة وصراعات بلا داع, وان نزج بهم في خانات ضيقة لم تخلق لهم, وربما أودت بهم لانهم لايمكن ان يتنفسوا من خلالها, نحن نقتل الآخرين بوحشية وبقصد احيانا حين نلجئهم الى تحمل اوزار الاحقاد والضغائن والكره والصراعات التي نختلقها لهم بلا مبرر!! سوى تلك العقد التي تمتلىء بها نفوس البعض.