لم تكن تلك الجولة للنفس فحسب بل للذهن ايضا. وكانت نقطة ابتدائها عملية اختطاف مارسها نظام الحكم الذي كان قائما حينذاك في اليمن, الحكم الذي أحال البلدة الطيبة الى قفر ذي أكل خمطٍ وشيء من سدر قليل . والجولة هي جولة في الرواية التي خطها قلم الاديب (زيد مطيع دماج) , واطلق عليها اسم (الرهينة) وانها لرواية ان افتقدت, كما ارى, مكنة الصياغة والدربة على سلسلة انسياب العبارات. فإنها لم تفتقد جودة التصوير وعمق النفاذ الى جوهر الموضوعات. تجسد الرواية في مستهلها اختطاف (العكفة) , حرس الامام الخاص, ذلك الصبي من احضان والدته ومن بين سواعد افراد اسرته ليتحول الى (دويدار) ينفرد بحضور البديهة ويحسن خدمة الامراء والحكام في قصورهم وبيوتاتهم. وهو في واقع امره رهينة. اعتقل اولا في (قلعة القاهرة) معقل الرهائن, ثم نقلوه الى منزل نائب الامام وعامله على المدينة. وتتصاعد مأساة الصبي في ذلك المنزل حدة حين تقع في حبه احدى (شريفاته) واخيرا يتمكن من الفرار قبل ان يكبل بالقيود الحديد مدى ما تبقى له من حياة! وهكذا يظهر الاختطاف فصلا لا يمكن فصله عن تاريخ اليمن. فهناك اختطاف تمارسه القبائل, ضربا من ضروب الشطارة واسماع الصوت, ومنازلة الخصم, والحصول على بعض المكاسب, وهو اختطاف متميز في خصيصته وتعامله. فهو وإن جرى تحت ظلال البنادق والسيوف والخناجر المشرعة لا ينطوي على اراقة دم, وليس في النية ان تكون هذه الاراقة. ولقد تعرض سائحون اجانب لعملية اختطاف, واطلق سراحهم ليعودوا يقصون طريف القصص عن كرم الضيافة وادب المعاملة. ولقد تحولت حكايات الاختطاف الى ما يشبه الاساطير ذات الجاذبية, واصبحت اليمن مغرية لذلك السائح الذي يحب المغامرة, وتراوده هواجس الاختطاف والحلم بعودته الى اهله وبطانته ليروي ما يروي من احداث ونوادر. ثم مدت السياسة يدها, لتقرب الاختطاف في اليمن من ذلك النمط الذي مارسته عصابات الارهاب في المانيا وايطاليا ولبنان وفي اكثر من مكان آخر. انه النمط الدموي الذي يستبدل الرؤوس بالاموال والاموال بالرؤوس, ويثير الهلع وتتسلط عليه اضواء التلفزة وتتناقله وكالات الانباء, النمط الذي يريد الوصول الى مغنم سياسي وفرض نفوذ, وكثيرا ما فشل في مسعاه! قد يطول طوافي بك, ولعل أفضل النهايات هذا المطاف. لقد شغلت اليمن الناس وانشغلت حين سالت دماء سائحين في دوامة معركة انقاذهم من الاسر والارتهان ــ وانه لشأن مر ومرير. واني لأعلم انك رأيت وسمعت وقرأت الكثير عنه. واظن ان الذي يعنيك ويعنيني هو ان الاختطاف اليمني في طابعه الاصلي القبلي لا يشكل انسلاخا عن الاعراف, او خروجا عن المألوف من التقاليد. وهو يقترب من ذلك النمط الذي تعرفه بعض القبائل في بعض بقاع العرب, ويندرج في عاداتها واعرافها. وذلك حين يخطف الفتى الفتاة التي يريدها شريكة حياته, ويذهب بها بعيدا ليتزوجا واضعين عشيرته وعشيرتها امام الامر الواقع. كما اظن انه يعنيك ويعنيني ان يظل الاختطاف بعيدا عن ايدي الدولة وحراسها ووكلاء امنها. ان الدولة حين تتدخل مدججة بالسلاح, يتحول الاختطاف الى ممارسة عنف. ومن جانب آخر, فان انتفاء تدخلها لا يمنع من تدخل العصب السياسية والتجمعات المتعطشة للدماء. ويتحول الاختطاف من تقليد اجتماعي الى حرفة اجرام ترسخ محفزات الاعتداء, والاقرار بالعنف كوسيلة اساسية من وسائل السيطرة مع شيوع الاعتقاد بفعاليتها. ان النظام الاجتماعي ليصبح عرضة للاهتزاز حين تقف عصابات الاختطاف الدموي وبالاخص اليمنية المتطرفة منها, ضد الدولة. ان هذه العصابات, ومن اجل ممارسة عملياتها بفعالية, تقف وقفة المعارض من الحكومة المركزية وادواتها التي تستخدمها للضبط والسيرة اجهزة امن ومحاكم, بل تقف وقفة المعارض من النظام المالي, والتعليم العصري ومؤسساته مع محاولات لتعطيل الخدمات العامة واجهزة العون الطبي, والتضامن الاجتماعي. وكما يقع في اطار فعاليتها تنظيم حملات اشاعة ضد جدوى المستجدات التقدمية من فكر ومعلومات وتنكولوجيا. ان أهم ما يمكن ان تواجه به عمليات الاختطاف, بما تحمل من نزعة غير انسانية وبشكلها القبلي والدموي هو سحب التعاطف الشعبي مع ابطالها ومخططيها, والكشف عن طابعها اللاحضاري. وتلك مسؤولية يتحملها كل عشاق حضارة سبأ وتاريخها العريق. واذا كانت لغة الصراع السياسي تشغل على الدوام بأسئلة من يأخذ ماذا, ومتى, وكيف؟ فإن السؤال النبيل الذي يطرح نفسه هو لماذا؟ لماذ الاختطاف؟ يختتم زيد مطيع دماج روايته (الرهينة) بوصف هروب الغلام (الدويدار) يطارده صوت (الشريفة) التي شغفها حبا وقالت له هيت لك, انه يهرب قائلا مع نفسه (وانا اتوقع صوتها او حجرا مقذوفا منها سيقع على ظهري... لكني كنت قد قطعت مسافة كافية في طريق جديد مؤد الى المستقبل) . ولابد من صنعا وان طال السفر خبير اعلامي عربي