لا تتحدد الممارسة الاعلامية في مجرد التبليغ والاعلام والاخبار وانما هي قبل كل شىء مسؤولية ورسالة نبيلة وشريفة تحكمها قيم واخلاق ومبادىء, والمعضلة في عصرنا الحالى- عصر الاقمار الصناعية والانترنت وتكنولوجيا الاتصال - ان الممارسة الاعلامية والمؤسسة التى تصنع الاخبار وتشرف على صياغتها وتبليغها للجمهور اصبحت محطة انظار العديد من القوى السياسية والاقتصادية والتجارية التى تحاول ان تطوع وتستغل العملية الاعلامية لتحقيق رغباتها واهدافها و مصالحها عادة بطرق ملتوية, غير شريفة وبعيدة كل البعد عن الاخلاق ومبادىء المهنة. وهكذا ومع التطور السريع للاتصال اصبحت المؤسسات الاعلامية تتشابك وتتقاطع مع مؤسسات صناعية وتجارية وسياسية وعسكرية وغيرها حيث تقاطع المصالح والاهداف والنوايا. مبادرة مباركة من دول مجلس التعاون في اعتماد ميثاق الشرف الاعلامي في دورتهم التاسعة عشرة والتى انعقدت بمدينة ابوظبي في ديسمبر من السنة الماضية. الميثاق جاء ليعبر عن اهتمام دول مجلس التعاون بقطاع هام واستراتيجي, قطاع يتعامل يوميا مع مئات الاخبار وملايين الكلمات والصور, قطاع يعبر عن موقف دول مجلس التعاون من قضايا ومشاكل تحدث باستمرار و على مدار الساعة. ركز الميثاق على ان تمارس العملية الاعلامية في دول مجلس التعاون في اطار ميثاق المجلس ونظامه الاساسي وبقناعة ورضى اعلام الدول الاعضاء, كما ان نص الميثاق على انه لا يهدف بأي حال من الاحوال المساس بحرية الصحافة او الرأي او الفكر او التعبير وانما يصر على ان تكون كل هذه الامور في اطار منظم يؤمن بالقيم والسلوكيات والاخلاقيات التى يقرها الدين الاسلامي الحنيف والمعمول بها في دول مجلس التعاون. اهتم الميثاق من ناحية اخرى بالقيم الاسلامية ومبادىء الدين الاسلامي الحنيف ومبدأ التعاون بين دول المجلس وكذلك تدعيم المواثيق والقوانين والانظمة التى تعتمدها المؤسسات الاعلامية في دول المجلس. اما في باب السلوكيات فجاء التركيز على تماسك واستقرار المجتمع الخليجي والعمل على التصدي لكل ما من شأنه ان يمس أو يخل بهذا التماسك خاصة من قبل تلك الاخطار الخارجية التى تتربص بالمنطقة. كما اكد الميثاق على اهمية حرية الحوار والمناقشة والدقة والموضوعية وانه ليس مجموعة مواد ونصوص جاءت لتضع القيود على المهنة والقائمين علىها في تأدية مهامهم. من جهة اخرى وفي باب السلوكيات ركز الميثاق على عدم الاساءة لدول المجلس والعمل على المحافظة على الروابط القائمة وتنميتها بما يعزز الوفاق والتآلف وتفادي كل ما من شأنه ان يفرق او يشتت النفوس وهنا نرى تأكيد الميثاق على ضرورة الممارسة الاعلامية المسؤولة والهادفة والغائبة و التي تبني اكثر مما تهدم وتنتقد من اجل البناء والتشييد والتطور نحو الاحسن. وهذا يعنى انه لا يجوز استغلال بعض الخلافات الثنائية التى قد تنشأ من حين لاخر لزعزعة مجلس التعاون وتوظيف مثل هذه الخلافات التى قد تحدث لاغراض ابراز العضلات والاستعراضات الاعلامية التى قد تهدم اكثر مما تبنى. كما ركز الميثاق على اهمية بناء الفرد وتوعيته وتهيئته للتعامل والتفاعل مع تطورات العصر, وهنا يجب التركيز على الاحترافية وعلى جودة الاداء والسرعة في معالجة المعلومات والاخبار و توفيرها للجمهور والتركيز على الثقة والمصداقية وهما شرطان رئيسيان لنجاح كل عملية اعلامية, كما ركز النص كذلك على اهمية تحقيق الاصالة والمعاصرة وضرورة التوافق بين الماضي العريق وبين العصري والحديث والتركيز على الابداع بدلا من التقليد الاعمى والذوبان في الاخر. ومن ابرز مواد الميثاق المادة 13 والتى تنص على ان تسترشد وسائل الاعلام بشتى انواعها في الدول الاعضاء بالنظام الاساسي لمجلس التعاون والمبادىء التى يقوم علىها المجلس والسياسيات التى يقرها المجلس الاعلى لدول مجلس التعاون, واذا تأملنا جيدا في هذه النقطة نلاحظ ان الاطار الرئيسي لميثاق الشرف الاعلامي لدول مجلس التعاون هو النظام الاساسي للمجلس والعلاقات المتينة التى تربط اعضاءه, وهنا تأتي المعادلة الاعلامية والمؤسسات الاعلامية بمختلف اشكالها وانواعها لتكرس هذا المجلس على( ارض الواقع وفي اذهان شعوبه, لان التعاون والوحدة والاتحاد كلها مبادىء تبقى جوفاء اذا لم تترسخ في اذهان الشعوب واذا لم يؤمن بها المواطن البسيط. اما المحور الثالث من النص فقد ركز على الاعلان التجاري الذي قد يتعارض مع الدين ومع العادات والتقالىد ومع النظام الاساسي لمجلس التعاون ولذلك لابد من الاهتمام بكل هذه المسائل والعمل على توطين صناعة الاعلان وتسخيرها لخدمة المواطن الخليجي بما يتماشى ومتطلبات التنمية في الدول الاعضاء. فالاعلان وسيلة اتصالىة هامة وسلاح خطير يجب التعامل معه بمهنية واحترافية, كما يجب دراسته جيدا وبتأني والا فقد تصبح المؤسسة الاعلامية وايمانا منها بالربح والكسب تبث وتنشر قيما استهلاكية تتنافى والقيم التى يؤمن ويقوم من اجلها المجتمع بأسره. الميثاق تطرق الى اهم المحاور التى يجب ان تتوفر في اي ميثاق شرف وهي على الخصوص: المسؤولية. الاخلاق, الدقة والموضوعية, احترام شعور وديانات الاخرين, حق الجمهور في الاخبار والمعرفة والمعلومات. والسؤال الذي يطرح هنا هل تتمتع المؤسسات الاعلامية في دول الخليج بميثاق شرف خاص بها؟ هل تنعم, كذلك نقابة الصحافيين تدافع عن القائمين بالاتصال وعن المهنة؟ وفي الحقيقة فان السلطة في الوطن العربي وفي سائر الدول النامية تنظر الى وسائل الاعلام كوسائل لتثبيت شرعيتها وبسط نفوذها وتمرير خطابها السياسي بغض النظر عن طموحات وهموم الجماهير. كما انها مازالت بعد لم تستطع بناء نظام مؤسساتي مستقر ولم تحقق المشاركة السياسية الفعالة داخل المجتمع. و كنتيجة لكل هذا فانها فشلت كذلك في اقامة وبناء جهاز اعلامي فعال ىؤمن بتوفير الاتصال الافقي ويعمل على ادماج مختلف الشرائح الاجتماعية في العملية السياسية والاقتصادية والثقافية. ولهذا نتجت النظرة الضيقة للاعلام على اساس انه اداة من ادوات السلطة تستعمل في آليات وعمليات الحكم والسيطرة و تجدر الاشارة هنا الى ان الاعلام التنموي والفعال والافقي لا يتأتى الا بالديمقراطية والاجهزة المؤسساتيةالمختلفة التى تقوم بدور المراقب والمعارض والمشارك في العملية السياسية وفي صناعة القرار. ان تحديات القرن الحادي والعشرين والتناقضات التي يعيشها الاعلام العربي تحتم على الانظمة العربية ضرورة مراجعة استراتيجياتها وفلسفتها تجاه الاعلام. ونقطة البداية هنا تتمثل في ضرورة النظر الى وسائل الاعلام والى الجهاز الاعلامي بنظرة ايجابية تخدم المجتمع ككل وليس السلطة لوحدها وهذا لا يتأتى بطبيعة الحال الا بتغيير وجهة نظرنا ازاء المواطن العربي حيث ضرورة النظر الىه كفاعل ومشارك ومساهم ومرسل وليس كمنفذ وتابع ومستقبل فقط . كذلك يجب علينا ان نقر حق الجماهير في التواصل والتفاعل مع وسائل الاعلام المختلفة وهذا لا يتأتى الا بالعمل المؤسساتي والجمعاوي. ومن اهم مستلزمات الاعلام القوي والفعال في اي مجتمع حرية التعبير وحرية الرأي وحرية الوصول الى المعلومات, هذه المستلزمات يجب ان نعمل على توفيرها وعلى اكتسابها كسلطة وكقائمين بالاتصال وكمثقفين وباحثين ووسطاء ثقافيين... الخ, وبدون هذه المستلزمات فانه لا يحق لنا الكلام عن المجتمع المعلوماتي والثورة الاتصالىة والعولمة الثقافية وغيرها من التحديات العديدة والمختلفة التى نعيشها الىوم بصورة سريعة ومستمرة, فالنظام الاعلامي العربي الىوم يحتاج الى نظرة نقدية جادة كما يحتاج الى مراجعة الذات وهذا للوقوف على السلبيات والتعلم من الاخطاء والهفوات السابقة للانطلاق بخطى قوية وايجابية نحو مستقبل لا يكون فيه الاعلام وسيلة للسيطرة والتحكم وانما وسيلة للحرية و العلم والمعرفة والتفكير والابداع ووسيلة للوصول الى الحقيقة من خلال المناقشة الحرة ومن خلال توفير سوق حرة للافكار. هنيئا لدول مجلس التعاون على هذه الخطوة الايجابية, وعلى ميثاق الشرف الذي يعتبر نقطة البداية في ترشيد المؤسسة الاعلامية في الخليج واملنا ان تصحب هذه الخطوة خطوات اخرى نحو اعلام خليجي اكثر فاعلىة وجرأة في طرح القضايا ومعالجتها وإدماج المواطن الخليجي في الحياة الىومية بمختلف مشاربها ودروبها. جامعة البيان قسم الاتصال الجماهيري