قبل حوالي السنتين من تسلمه رئاسة الحكومة في لبنان, دعا تجمع من المثقفين والناشطين الفلسطينيين الدكتور سليم الحص ليحدثهم عن رأيه في نهج التسوية وحركته على المسار الفلسطيني بالذات . وكان حديثه مطابقا لتوقعات الحضور ممن يعرفون منطلقاته القومية الراسخة وعروبته الثابتة المصاغة بلغة محكومة باقداره كمرشح دائم لرئاسة الوزراة في لبنان, بعد تجربته الطويلة في هذا الموقع وفي أحلك الظروف التي مر بها لبنان في تاريخه المعاصر, بما فيها سنوات الاقتتال والحروب العبثية التي اودت بالثورة الفلسطينية وكادت ان تقضي على لبنان. ومن الطبيعي ان يكون للرئيس الحص الكثير مما كان يمكن قوله حول العلاقات اللبنانية ــ الفلسطينية, ومن موقع التجربة الشخصية التي لاتخلو من المرارة ولاسيما حينما أخطأت القيادة الفلسطينية بحقه وبتقديرها لموازنات القوى اللبنانية المحلية الموزعة بينه وبين ميشال عون عندما انقسمت الحكومة اللبناية على نفسها في أعقاب انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل, رغم هول الفارق بين نظرتي الرجلين الى قضية فلسطين والفلسطينيين. وحقيقة الامر أن دعوة التجمع الفلسطيني للرئيس الحص كانت مندرجة في سياق برنامج وطني قومي يستهدف العمل على تحقيق مصالحة لبنانية ــ فلسطينية تقوم على اساس من الصراحة وتبادل النقد والنقد الذاتي. وهذه مسألة مازالت بحاجة الى متابعة, ونأمل من رأس هذا التجمع, الصديق الدكتور انيس صايغ ان يتابعه حتى يستكمل جميع الاطراف المعنية به من الشعبين الشقيقين. وكما هي العادة في مثل اللقاءات التي تفسح المجال للحوار وطرح الاسئلة, فلقد كان في ذلك اللقاء سؤال يشغل بال معظم الحضور ويشكل لدى الفلسطينيين مصدر قلق كبير, حول ذلك (القرار المفاجىء) الذي كانت حكومة الرئىس رفيق الحريري قد أقرته بناء على اقتراح من وزير الداخلية, المهندس ميشال المر, والقاضي بضرورة استحصال الفلسطيني المقيم في لبنان, والحامل لوثيقة سفر لبنانية على سمة خروج ودخول من والى لبنان في كل مرة يريد فيها مغادرة الاراضي اللبنانية أو العودة اليها. ولقد برر الوزير المر يومئذ اقتراحه بأنه جاء نتيجة لقرار العقيد القذافي ترحيل الفلسطينين المقيمين في الجماهيرية الى مناطق الحكم الذاتي, رغم علمه الأكيد باستحالة ذلك, مما أدى الى توجه المرحلين الى لبنان. طبعا لم يقتنع احد بجدوى خطوة الرئيس القذافي الذي لم يكن في واقع الامر يستهدف شيئا غير إحراج السلطة الفلسطينية ورئيسها, كما لم يقتنع أحد بعدالة ردة الفعل اللبنانية خصوصا وانه الى ما قبل القرار الليبي بساعات كان الفلسطيني ــ الحامل لوثيقة السفر اللبنانية ــ يسافر من لبنان الى ليبيا ويعود من الأخيرة الى لبنان بشكل طبيعي. كما من الممكن فهم قرار وزير الداخلية اللبناني لو حصر اقتراحه بضرورة الاستحصال على سمة الدخول للفلسطيني المقيم في غير لبنان من الدول العربية المضيفة, رغم ان ذلك معروف ومعمول به سلفا ومن قديم الزمان. وطرح هذا السؤال على الرئيس الحص في ذلك اللقاء لمعرفة رأيه, واستشرافا لموقفه فيما لو وصلت اليه رئاسة الوزراء والقرار لا يزال ساري المفعول. وانصافا للحق, والشهود كثيرون, ان الرئيس الحص, وكان رمز المعارضة اللبنانية آنئذ, لم يحاول استثمار هذه المسألة أو المتاجرة بها, وكان رده على السؤال شاملا ومتكاملا, اذ استعرض العلاقات الفلسطينية ــ العربية بما في ذلك العلاقة مع لبنان من منظور قومي عريض دون اغفال ماتتميز به الساحات العربية من فوارق في التعامل مع الفلسطيني لاكثر من سبب وسبب, منها ما هو سياسي محلي ونتاج نسيج قطري, ومنها ماهو قومي ويمس الموقف الاستراتيجي لهذه الدولة او تلك من مشكلة الصراع ضد العدو الصهيوني. غير ان ذلك لم يمنع الرئىس الحص من التعبير عن أسفه لصدور مثل هذا القرار خصوصا وانه جاء في وقت يعاني في الفلسطينيون,ولاسيما المقيمين منهم في لبنان من ظروف قاسية ومن احباطات كبيرة بسبب افرازات اتفاقية اوسلو وما يضمره النهج التسووي الراهن بشأن حق الفلسطينيين بالعودة. ووعد في نهاية رده, انه لو كان في الحكم لما اتخذ مثل هذا القرار, وانه لو وصل الى الحكم وكان القرار لايزال ساريا, فإنه سيعمل بالتعاون مع رئىس الجمهورية على إعادة تقييمه والنظر فيه على ضوء المصلحة اللبنانية والفلسطينية. مر أكثر من سنتين على هذا اللقاء, حاول الفلسطينيون خلالهما تصحيح هذا الوضع دون جدوى خصوصا وان في لبنان من يصر على أن أي تحرك ايجابي لرفع المعاناة عن الفلسطينيين انما يعني التمهيد للتوطين, مع ان المدركين للامور في العمق يرون العكس تماما, ويؤكدون على ضرورة التمييز بين التوطين والتجنيس. فإذا كان التوطين يعني الاقامة القسرية للاجئين حيث هم, فإن هذا الواقع قائم منذ سنة 1948 في لبنان وغيره من الدول العربية, وسيبقون حيث هم بانتظار حسم الصراع مع العدو الذي لم يحسم حتى الآن ولاتلوح في الأفق القريب أية امكانيات لحسمه ولاسيما للصالح العربي. المشكلة التي لابد من مجابهتها فلسطينيا وعربيا, بما في ذلك في لبنان, هو كيفية تنظيم أمر هذا اللجوء ــ طيلة فترة الانتظار ــ دون المساس بالضيف أو المضيف. بالنسبة للضيف, فهو لا يرى سوى توفير الامكانية لعيش كريم يستطيع من خلاله تأمين معيشته واسرته ومن دون عوائق تحول دون حصوله على عمل أو تحرمه من حرية التنقل بحثا عن عمل. اما المضيف فمن حقه دون أي نقاش ألا تمس سيادة بلاده او يعبث بنسيجها السياسي والاجتماعي, وخصوصا في لبنان ذي النسيج الفسيفسائي المميز والحساسية المفرطة في تحديد الهوية اللبنانية وآثارها على نظام الحكم في لبنان. وهذا ما قد ادركه الفلسطينيون واللبنانيون, وبعد تجربة مكلفة دفعا ثمنها غاليا. ولذلك نرى هذا الوفاق التام بينهما على رفض (التوطين) بمعنى التجنيس) . ويسوق الفلسطينيون في دفاعاتهم عن حقوقهم المدنية باستمرار المثل السوري في التعامل بين اللاجىء الفلسطيني والدولة المضيفة. ففي سوريا لايوجد لدى الحكومة السورية أو الشعب السوري اي هاجس أو قلق حول مايسمى (التوطين) وكذلك في المقابل لايوجد أي سعى فلسطيني للحصول على الجنسية السورية, والسبب في ذلك انه طالما يعامل كالسوري في حرية التنقل والعمل فهو ليس بحاجة الى الجنسية. غير ان الجنسية اللبنانية باعتبارها السبيل الأوحد للخلاص. ومن هنا نرى ــ خلافا لغيرنا ــ أن تسهيل وتيسير فرص الحياة امام الفلسطيني المقيم في لبنان هي الطريق للحيلولة دون تجنيسه أو السعي للحصول عليها. المهم, ان الرئىس الحص بعد أن وصل الى رئاسة الوزارة, كان عند وعده, فقام بالتشاور مع رئىس الجمهورية العماد اميل لحود, بإعادة تقييم لقرار (التأشيرات) واتفقا على ايقاف العمل به والعودة الى ما كانت عليه الحال خلال الخمسين سنة الماضية باستثناء آخر ثلاث سنوات. انها خطوة تستحق التحية والتقدير, ليس فقط لما خففته من معاناة لاداعي لها, ولكن لأنها الاولى على طريق المصالحة التاريخية بين الشعبين اللبناني والفلسطيني, التي من شأنها بعد تصحيح وتنظيم مجمل العلاقات الفلسطينية ــ اللبنانية, ان تفسح في المجال من اجل نقلة نوعية في التعامل بين اللاجىء الفلسطيني والدولة اللبنانية. هكذا نود ان نقيم هذه الخطوة بعيدا عن الغوغائية الفلسطينية ـ اللبنانية التي تحاول تصويرها على أنها (انتصار) على الحكومة اللبنانية أو (ادانة) لاجراءاتها السابقة, أو أنها خطوة نحو (التجنيس) أو.. أو... من المفردات الموروثة من مرحلة مضت وانقضت. فتحية لرئيس الجمهورية العماد لحود وللرئيس الحص, على أمل ان تكون خطوتهما المشكورة هذه قدوة لدول عربية أخرى آن لها ان تعيد النظر في معاملاتها للفلسطينيين التي تصل عند البعض حدود التمييز العنصري.