تتضمن نظرية الردع, بما في ذلك الردع النووي, التهديد بالانتقام المهلك الذي يلحق الضرر (غير المقبول) في حالة العمل العسكري الذي تقوم به الدولة المخاصمة والذي يعرض للخطر المصالح الامنية الحيوية للدولة المنتقمة . و(توازن الرعب) النووي من المفهوم انه يعني ان كل طرف يعرف ان الطرف الاخر يمتلك اسلحة نووية وان هذه الاسلحة مخفية ومحمية لدرجة انه من المستحيل ازالتها بتوجيه ضربة واحدة. ويعني هذا ان الضربة المفاجئة ايضا لا تضمن الانتصار للطرف الذي يقوم بالهجوم, لان الطرف المتعرض للهجوم يستطيع الانتقام بتوجيه ضربة نووية. لقد كان لنظرية الردع تأثير كبير في التفكير والسلوك الاستراتيجيين في العالم. وعلى الرغم من ذلك لا يقوم دليل على صحة قسم من افتراضاتها. واحد الانتقادات الموجهة الى هذه النظرية هو انها لا تشير الى كيفية تغيير حوافز الطرف الآخر والى كيفية تحويل العلاقات العدائية الى علاقات سلمية. ولعل من الصحيح القول ان نظرية الردع عرقية التركيز, بمعنى انها تنظر الى العالم بنفس الطريقة. فهذه النظرية لا تراعي حقيقة ان للشعوب ثقافاتها وتجاربها وحضاراتها وقيمها المختلفة وانها لذلك قد تنتج تحليلات مختلفة لحالات النزاع, والصراع على سبيل المثال فان اسرائيل, من ناحية واحدة, والدول العربية, من ناحية اخرى, نظرا الى خلفيتيهما الثقافيتين المختلفتين, لهما مفاهيم مختلفة للاستراتيجية النووية والدفاعية والردعية. ويوجه انتقاد اخر الى نظرية الردع وهو انها تبالغ في تقدير عقلانية صانعي القرار, وخصوصا تحت الضغط الشديد. في الواقع ان العقلانية قد لا تكفي وقد لا تكون ضرورية لتحقيق الردع. ان الادراك غير العقلاني لحالة من الحالات قد يؤدي بدولة الى قبول تلك الحالة, بينما قد يؤدي الادراك العقلاني لتلك الحالة بدولة الى محاولة تغيير الحالة عن طريق العمل القتالي. ونظرية الردع استدلالية الى حد كبير, فليست لدينا الادلة الكافية على ان السياسيين يتصرفون على النحو الذي تشير هذه النظرية اليه وعلى ان لتصرفهم الآثار المتوقعة. وسوء فهم القيم الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يأخذ بها الآخرون يمكن ان يسبب فشل محاولات الدولة لتحقيق الردع. ولمتخذي القرار تصورات متباينة لاهمية الاهداف. واحيانا لا تفهم حكومات مدى تقييم حكومات اخرى لاهداف معينة. وفضلا عن ذلك يحتمل ان يفشل الردع لان حكومة من الحكومات تسيء احيانا فهم الطريقة التي تنظر بها حكومات اخرى الى العالم. وايضا فان الحكومات الاخرى تسيء تفسير سلوك تلك الحكومة الذي يتأثر بسوء فهمها لسلوك الحكومات الاخرى. وبالتالي فان الحكومات الاخرى لا يكون رد فعلها كما تتوقع تلك الحكومة. وثمة مصدر اخر لصعوبة تحقيق فعالية الردع, وذلك المصدر هو ان كيفية رؤية شخص لدولة من الدول تختلف عن كيفية رؤيتها لنفسها. وتحول هذه الحالة دون تحقيق الاتصال. فقد تستخف دولة من الدول بقوة دولة اخرى, وبالتالي قد لا تحاول الدولة المستخفة ردع الدولة الاخرى عن القيام ببعض الانشطة. وبالتالي فان هذا الاستخفاف بقوة الدولة الاخرى قد يؤدي بهذه الدولة الى القيام باجراء معين, وقد يكون هجوما مباغتا. والدولة لا تردع عادة جميع انشطة الدولة الاخرى, ولكنها لا تردع الا بعض انشطتها, مما يترك الانشطة المتبقية دون ردع. وبالتالي يمكن للدولة الاخرى ان تحاول اتخاذ اجراءات تلتف على سياسة الدولة الرادعة. وتواجه نظرية الردع مشكلة اخرى, وهي مشكلة الصعوبة التي تواجهها دولة في تحديد نوايا دولة اخرى. ومن العوامل التي تمنع الفهم الدقيق للطرف الاخر الخط السياسي الذي تتبعه الدولة نفسها. بسبب انتهاج دولة لسياسة معينة تميل تلك الدولة الى تفسير المعلومات على نحو يؤيد الاعمال المنبثقة عن تلك السياسة المتبعة. وفضلا عن ذلك فان لدى السياسيين عجزا عن الدمج الصحيح للمعلومات, مما قد يؤدي الى فشل الردع. وفي كثير من الاحيان فان الاحتمالات, وخصوصا الاحتمالات الضئيلة, يهملها الناس الذين يميلون الى التصرف وكأن وقوع الاحداث مستحيل او اكيد. وفضلا عن ذلك فان الحسابات التي يجريها السياسيون ليست دقيقة كما ينبغي ان تكون وفقا لنظرية الردع. ومعرفة السياسيين للبيئة التي يعملون فيها ليست كاملة. ومما له صلة بنظرية الردع ايضا السياسة الداخلية والبيروقراطية. ان السياسيين الذين يتعرضون للضغط والتأثير الداخليين القويين لدرجة انهم يضطرون الى اتباع سياسات قد تتناقض مع الردع قد يكونون منتهجين لسياسة تختلف عما تتنبأ نظرية الردع به. وقد تؤدي الخلافات على الساحة الداخلية الى وضع سياسة غامضة او سياسة قائمة على الحد الادنى الذي يمكن الاتفاق عليه بينما تجعلنا نظرية الردع نتوقع اعتماد استراتيجية واضحة. وليس من السليم بالنسبة الى السلم والامن في العالم ان يكونا قائمين على مخزونات من الاسلحة النووية تتسع على الدوام نوعيا وكميا. ومفهوم التوازن النووي او مفهوم الخوف, الذي يشار اليه بوصفه توازن الرعب, ليس ضمانا للسلم المستقر الدائم. ان توازن الردع النووي القائم على كميات متنامية من الاسلحة النووية يبدو مستحيلا. وذلك لا يستحق تسميته بالتوازن, لان التوازن يتضمن الاستقرار, وينعدم الاستقرار في حالة تزداد فيها الاسلحة النووية كميا ونوعيا. وعلى الرغم من ان الاسلحة النووية لم تستعمل منذ سنة 1945 فلا يوجد, للاسباب المذكورة آنفا, ضمان بان التوازن المزعوم للردع النووي المتبادل من شأنه ان يمنع نشوب حرب نووية. وتوازن الردع يتضمن سباق التسلح المستمر. فوفقا للنظرية ثمة حاجة الى التوازن النووي العسكري للابقاء على الردع المتبادل, ويتم الاخلال بالتوازن اذا امتلك طرف اسلحة اكثر او اذا حسن منظومات الاسلحة القائمة. وتستتبع هذه النظرة القول ان اي تدبير من تدابير التسلح يتخذه طرف واحد لابد ان تقابله تدابير مضادة يتخذها الطرف الآخر. وبالنظر الى انه لا يمكن بهذه الطريقة تحقيق توازن يقبله الطرفان كلاهما يميل سباق التسلح الى الاستمرار على شكل حلقة مفرغة. ويتضمن مفهوم التوازن النووي ان كل دولة مخاصمة تسعى الى ضمان هامش معين من التفوق خوفا من ان توضع في وضع غير مؤات. وبالتالي هناك اغراء دائما بان السعي الى تحقيق التوازن يحول الى السعي الى تحقيق التفوق. وعلاوة على ذلك فانه بالنظر الى ان التوازن الكمي والنوعي من المستحيل او من المستحيل تقريبا تحديده وارساؤه على وجه الدقة تسعى الدول المتخاصمة دوما الى ضمان هامش معين من التفوق. ومن الجلي ان ذلك يحدث سباق التسلح الخطير. ويحتج المؤيدون لتوازن الردع النووي بان من المستحيل تجميد استحداث وتحسين الاسلحة النووية دون التيقن من وجود توازن بين الدول المعنية. بيد انه من المستحيل تحقيق التماثل النووي الكامل نظرا الى وجود القوى المحركة لاستحداث الاسلحة النووية الجديدة ولتحسينها. وتاريخيا للردع سجل يتضمن وجوه النجاح والفشل, ويدور جدل فيما يتعلق بنتائج الردع النووي. تتكرر الاشارة الى ان السلام الهش الذي يتمتع به جزء من العالم منذ الحرب العالمية الثانية يعزى الى ردع الاسلحة النووية. هذا البيان قد يكون صحيحا بالنسبة الى الدول النووية وغير النووية في الجزء الشمالي من الارض. وثمة بالتأكيد عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية مختلفة, غير عامل الردع النووي, مسؤولة عن عدم اندلاع الحرب العالمية لحد الآن. ان خبراء الامم المتحدة محقون في ملاحظتهم انه: (... يحاج بان الردع قد حال حتى الآن دون نشوب نزاع عالمي وبالتالي فقد اثبت الردع نجاحه. وبغض النظر عن الحقيقة التالية وهي انه ينبغي اخذ العديد من العوامل ذات الطبيعة التاريخية والسياسية وغيرها بعين الاعتبار في ذلك الصدد فان من الصواب القول ان الردع فعال لان هذا القول سيبقى صحيحا الى ان يثبت التاريخ بطلانه) . (الامم المتحدة, ادارة الشؤون السياسية وشؤون مجلس الامن, مركز نزع السلاح, تقرير الامين العام, دراسة شاملة عن الاسلحة النووية (نيويورك: الامم المتحدة, 1981), ص 109) . واحد هذه العوامل هو النتيجة الواضحة للحرب العالمية الثانية التي انتهت بالاستسلام غير المشروط لدول المحور والاتفاق المبرم بين الدول المنتصرة الرئيسية على حدود اوروبا الجديدة. والعامل الآخر هو انه في اعقاب الحرب العالمية الثانية وفي اعقاب النشاط الذي تم القيام به ضد السيطرة السياسية الاجنبية اصبحت بلدان العالم الثالث بؤرة هامة اخرى للتوتر والنزاع الدوليين. لقد قلل هذا التطور, الى حد ما, شدة النزاع الدولي كما تجلى في اوروبا. ولم يساعد تكديس الاسلحة النووية الهائلة التي تمتلكها الدول الكبرى في منع نشوب صراعات في بقية انحاء العالم. ففيما يتجاوز حدود الجزء الشمالي من الكرة الارضية نشبت منذ سنة 1945 مئات من الصراعات المحلية والاقليمية في اراضي ما يزيد عن مائة وعشرين دولة في افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية. وذلك يدل على ان الردع القائم على الاسلحة النووية لم يحقق السلام العالمي.