أينما ولينا وجوهنا في رحاب ما يسمى بـ (الشرق الأوسط) , وجدنا ما يدعو للقلق من اشتعال الاقتتال والاشتباك. فإن اقترن النظر بالتشاؤم , جاز وصف ما يجري في هذه المنطقة بأنه ارهاصات لحروب, تنذر جميعها بخرائط أخرى غير التي نعرف منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. ومبعث هذه النتيجة المحتملة, هو الإدراك المستقر في خبرة العلاقات الدولية عموما, والعلاقات الاقليمية في منطقتنا بخاصة. ففي النطاق العالمي, غالبا ما استتبعت الحروب, لا سيما متعددة الأطراف, باعادة تصميم الخرائط والحدود والأدوار.. حدث ذلك بعد الحرب العالمية الأولى, وكذا غداة الحرب العالمية الثانية. وعلى الصعيد الاقليمي, تكرر المشهد وان بشكل أقل وضوحا. فبعد حرب يونيو ,1967 قيل ان أهم النتائج كانت ثبوت قدرة دولة واحدة على التأثير في محيطها الجغرافي, باحتلال أجزاء من دول عديدة والاتجاه إلى تغيير خرائط هذه الدول.. وهو قول يحتمل الصحة إلى حد بعيد, إذا أخذنا في الحسبان, التوسع الاسرائيلي الاستيطاني في الضفة وغزة, وفض الأردن لارتباطه مع الضفة الغربية الفلسطينية, ومطامع اسرائيل في تحويل طبيعة الجولان السورية وجنوب لبنان ان أمكن. وصدقية هذا التحليل تتصاعد بشدة, إذا لاحظنا ان الخارطة الاقليمية السياسية في المنطقة العربية, تغيرت بعد حرب 1948 ــ ,1949 وهي في طريقها إلى شيء مماثل, لا يعرف مداه حتى الآن, منذ عام 1967. وفي الوقت نفسه, يشهد قلب المنطقة العربية وهوامشها عددا من النقاط الساخنة, يوشك بعضها على الاشتعال. هناك التحفز الإيراني ــ الأفغاني (تحت زعامة طالبان), وبالقرب منه إلى الغرب, هناك المحاولة الأمريكية لتأليف قلبي حركتي مسعود البرزاني وجلال الطالباني الكرديتين. وإلى الغرب أكثر, ثمة تصعيد تركي ضد سوريا على نحو مفاجئ, بما يوحي بنوايا سيئة من جانب أنقرة. وعلى الطرف الغربي الجنوبي لهذا القوس الممتد من أفغانستان إلى قلب منطقتنا, هناك الغلو الاسرائيلي في طموح اعادة تشكيل الخارطة بالجوار.. ويتعلق الأمر هنا بمستقبل الكيان الفلسطيني أو الكيان الأوروبي الفلسطيني أو خارطة اسرائيل ــ فلسطين ــ الأردن, كما يتصل أيضا بمستقبل العلاقة بين سوريا ولبنان. ويجمع بين هذه المواقع وأطرافها, انها كلها تتجاوز بلا انقطاع. وان بينها أنماطا من التحالفات والتفاعلات, بحيث يصبح من المحتمل بقوة أن يؤدي الانفجار في موقع منها إلى تداعيات استطراقية في المواقع الأخرى. وقبل ذلك وبعده, يكاد التغلغل الخارجي, الأمريكي بخاصة, أن يكون قاسما مشتركاً بينها. والواقع ان هذا العنصر الأخير, هو الأكثر إثارة للمخاوف, ففي سياق الخبرات, كان العامل الخارجي حاضرا دوماً وبقوة فيما يخص التكوين السياسي وإعادة التكوين لكيانات هذه المنطقة, ولعل استرجاع مشهد سايكس بيكو وخرائطها في مطلع القرن, يقدم لنا دلالة واضحة على ما يعتقد أنه كامن في تضاعيف الأزمات المتفاعلة في نهاية القرن. في المشهد الأول, ذهبت دول حاكمة وسيادات ونظم ونشأت دول جديدة وكيانات استيطانية (إسرائيل) ونظم وتقطعت أوصال وتبددت أحلام شعوب بالمنطقة فما الذي تحمله رياح الأزمات الحالية؟ وبخلاف ما أعتور خارطة الدول والكيانات والنظم, غداة الحربين العالميتين, والحروب الاقليمية الأصغر, علينا أن نلاحظ التطورات التي لحقت بالتنظيمات الاقليمية وأنماط التحالفات الاقليمية والدولية في هذه المنطقة. فقد نشأت مثلاً جامعة الدول العربية في منطقتنا والجماعة الأوروبية في أوروبا, وثارت آمال لدى القوى الكبرى, نحو تكوينات تحالفية أخرى, لم يكتب لها النجاح في (الشرق الأوسط) , ولاشك أننا الآن نواجه بالآمال ذاتها في سياق عربي (إقليمي) مختلف نسبياً, وهذا يستدعي التساؤل عما إذا كانت الملفات الخارجية, تتربص بهذه المنطقة مستهدفة تمرير الطموحات القديمة المتجددة. نقول ذلك وفي الخاطر, هذا الغلو التركي في التقارب ــ حتى لا نقول التحالف ــ مع إسرائيل, ولكليهما علائق قوية مع الغرب بزعامة الولايات المتحدة ان هذا الغلو معطوف على التشدد التركي غير المبرر في الوصول مع سوريا الى حافة الهاوية, وعلى الرغبة الأمريكية ــ الإسرائيلية في ليِّ الإرادة السورية وتطويعها نحو التسوية الاقليمية (الشرق أوسطية) .. هذا الغلو يشيد ببرنامج إقليمي وخارطة للتحالف والتنظيم مغايرة للموجود منذ الأربعينات. لقد انتقلت تركيا من سياسة مناوشة النظام العربي, والحذر من العداء المفضوح معه, إلى سياسة الهجوم والاقتحام, ولايمكن أن يصدق عاقل أن أنقرة تعمل منفردة وبمعزل عن إسرائيل, ذلك أن تل أبيب لابد أن تراقب بدورها ما يجري بجوارها, وأن تحاول تحييده لصالح خرائطها وبرامجها, حتى ولو جنحت الى القول أو الزعم بأنه لا صلة لها بما يجري على الجبهة التركية السورية, كيف يتأتى تصديق هذا الطرح, وهي دولة تعلن صباح مساء انشغالها بأسلحة إيران على بعد الشقة معها؟ وكيف لا تطمع في تحقيق شيء ما من وراء التهديدات التركية كسيف مسلط على رقبة عدوها اللدود .. سوريا؟ يضيف العرب خطأ استراتيجيا الى خطاياهم, إن هم نظروا الى التفاعلات المحيطة بهم على نحو جزئي .. وإن هم حسبوا أن الحلول والمعالجات الموضعية تكفي لدرء الأخطار عنهم, ولن يضرهم في شيء أن يتوقعوا وجود أجندات خفية وخرائط يجري إعدادها لمنطقتهم .. إنهم في كل الأحوال, سوف يستفيدون من تصور كهذا فهم إن صَحَ هذا الافتراض أضحوا مطالبين بوضع أيديهم وفعلهم الذاتي فيه, وزالت عنهم مزاعم الغفلة التي جرفتهم ذات حين, وهم إن خاب الافتراض, أثبتوا قدرةً على التعامل مع كل الاحتمالات, وتقديرنا الذاتي أن الأفق الدولي ــ الاقليمي الملبد من حول منطقتنا وداخلها, يحمل على الحذر بأكثر مما يحتمل القعود والمعالجة بأسلوب رد الفعل. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة