تصاعدت حدة السجال بين من يطلق عليهم مجازا باليسار الراديكالي ومن بات نعت اليمين التقليدي صفة ملازمة لسلوكياتهم في الآونة الأخيرة الى درجة اتهام كل طرف للآخر بالتخطيط لانقلاب أو شبه انقلاب أبيض بالطبع , وان تلطخ ببعض الدماء من معارضة ليبرالية هامشية الغرض منه حسب مصادر المتراشقين اعلاميا السيطرة الكاملة على أجهزة النظام, وكاد الوضع ان يتأزم ويصل الى حالة من الاختناق أشبه بتلك التي وصلت اليها البلاد بعد سجن عمدة العاصمة المجمد اداريا والمنكفئ سياسيا لمدة أحد عشر يوما لولا دخول عقلاء القوم من أهل الحل والعقد على الخط من جديد كما فعلوا في الحالة السابقة ليفرضوا وقفا مؤقتا لاطلاق النار بانتظار نتائج التحقيق الكاملة والشاملة بخصوص ما بات يعرف بعمليات الاغتيال السياسي الغامضة. ويبقى السؤال الكبير الذي يختلج في صدر كل مواطن ايراني هذه الأيام ويلاحقه كالظل حتى اشعار آخر من هو القاتل الحقيقي الذي حاول قتل الأمن القومي بمجمله من خلال ترويع المواطنين وتشويه صورة الدين الذي ينتمي اليه المواطن والنظام السياسي الحاكم وليس مجرد قتل بعض المعارضين الهامشيين من الليبراليين؟ وإذا علمنا بأن هذه الجريمة كما أعلن مؤخرا القاضي العسكري المكلف بمعالجة الملف لم تستند الى أي فتوى شرعية أو حكم قضائي فإنها بذلك تصبح جريمة مضاعفة يعاقب عليها الجاني من العباد مرة واحدة ومن رب العباد بعدد نفوس البشرية جمعاء طبقا لنص الآية الشريفة: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا). القتلة المباشرون سيتم الاعلان عنهم قريبا وستتم محاكمتهم في محكمة سرية أو علنية كما ستتم معاقبتهم العقاب الصارم الذي يستحقونه وكذلك المساعدون والمتعاونون معهم في تنفيذ عمليات القتل بل وقد تكشف بعض خيوط الآمرين بالقتل من وراء الستار, ومع ذلك سيظل السؤال دون جواب بالنسبة لغالبية ابناء العامة من الناس بل وغالبية النخب السياسية والفكرية ايضا ما لم يتم تعريف الجريمة السياسية ويتم اعلان المحاكم السياسية بحضور هيئات المحلفين فيها حتى يتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود في زحمة خيوط المؤامرة او الانقلاب وشبه الانقلاب الذي يتحدث أو سيتحدث عنه مجددا اصحاب اليمين واصحاب اليسار. قد يتساءل البعض هنا, ولماذا سيبقى السؤال دون جواب؟! والرد على ذلك بنظر المتتبعين للسجالات الدائرة بين الديوك السياسية المتصارعة هو ان ما حدث ليس جريمة جنائية عادية, ولا حتى جريمة سياسية فقط, بل جريمة البست لباسا (ايديولوجيا مقدسا!) حتى وان افتقرت الى أي فتوى شرعية كما جاء على لسان المحقق العسكري, فهي قد اتت بالتحديد في ظل سجالات ساخنة اخرى سبقت حصول الجريمة طالت فيها وخلالها موجات التكفير والتفسيق واتهامات الردة والخروج على الملة والدين حتى كبار الشخصيات من داخل النظام بل ومن عظام الرقبة في النظام كما كان يتردد في بعض المحافل الخاصة. لقد قلنا في تحليل سابق بأن نظرية العنف في الحكم على الصالح من الطالح من القيادات والرموز والزعماء والشخصيات السياسية والدينية قد سقطت من خلال اصرار الرئيس الايراني محمد خاتمي على ضرورة كشف ملابسات مسلسل الاغتيالات الأخيرة مهما كان الثمن, وقلنا بأن المحللين السياسيين من جماعة الاصلاح والتغيير اعتبروا ان مساندة الشعب والوقفة الشجاعة للاعلام الحر والمستقل الى جانب الرئيس ودعم القيادة العليا له من خلال اطلاق يده في ملف المعالجات هي التي افرزت واحدا من أهم انجازات المجتمع المدني في التاريخ السياسي الايراني المعاصر. أما اليوم فان هؤلاء المحللين الذين ينتمون الى جماعة المجتمع المدني الجديد فيقولون بأن انكشاف فضيحة البرنامج التلفزيوني الشهير المثير للجدل والذي اريد من خلاله الايحاء بأن جماعات موالية للرئيس هي التي تقف أو وقفت وراء مسلسل الاغتيالات, افرز انجازا جديدا وهو سقوط نظرية الانقلاب والمؤامرة بعد سقوط نظرية العنف. ويضيفون: ومع ذلك سيظل السؤال عن القاتل الحقيقي هو الكابوس ما لم تتم الاجابة عليه وبالسرعة الفائقة من جانب القوى السياسية المتنازعة من أصحاب اليمين وأصحاب اليسار وليس من جانب القضاة العسكريين أو المدنيين. ثمة من يقول هنا بأن نظرية التكفير والتفسيق واخراج الناس من الملة والدين دون حساب أو كتاب ودون العودة الى الشارع المقدس, وتاليا المنظرين لهذه المقولات الداعية لاقصاء كل من هو ليس منا أو معنا في الحزب أو التنظيم أو العصابة انما هم القتلة الحقيقيون الذين يجب أن يوقفوا عند حدودهم ويحاسبوا ويسقطوا من مواقعهم التي يتخندقون بها أو يتمترسون خلفها ايا تكن مناصبهم حتى لا يتكرر مسلسل الاغتيالات من جديد. يقول الحديث الشريف: (ان حرمة عرض المؤمن كحرمة دمه) وانطلاقا من هذا فان القتل الذي يمارسه المنظرون للعنف السياسي والصاق صفات التكفير والتفسيق لكل من يخالفهم بالرأي واراقة ماء وجه كل من يحمل آراء لا تتطابق معهم ويدفعون بذلك غالبية الأمة في الحجر الفكري أو السياسي أو الثقافي أو ما شابه ويشوهون سمعة من يشاؤون دون رقيب أو حسيب انما يمارسون القتل ايضا كما يمارسه قتلة الأنفس بالخنق بالحبال أو إطلاق الرصاص أو استعمال الخناجر والسكاكين. محللون سياسيون مستقلون اذ يسجلون للرئيس محمد خاتمي تحقيق الانجازين السابقين من خلال اصراره على الوفاء بعهوده التي قطعها للرأي العام يتوقعون نجاحه قريبا في اسقاط نظرية العزل والاقصاء والتكفير والتفسيق ومعها اسقاط الغلاة المروجين لهذه النظرية خطوة فخطوة على طريق الاصلاح السياسي الطويل الذي بدأه منذ قرر النزول الى معركة غير متكافئة يوم الثالث والعشرين من مايو 1997. ويضيف هؤلاء المحللون بأن آخر تهمة يمكن أن تلصق بالرئيس الاصلاحي هي محاولة الانقلاب أو الترويج للعنف والاغتيالات أو الدفاع عن نظريات العزل والاقصاء للآخرين, ذلك لأنه وببساطة جدا داعية اصلاحي قرر الاحتكام الى صناديق الاقتراع منذ البداية. ويسجل المراقبون هنا ظاهرة وان لم تتبلور بشكل واضح بعد لكنها في طريقها الى ان تصبح سلوكا عاما في الأشهر المقبلة وهي بأن القوى السياسية الموسومة منها باليسار أو المنعوتة باليمين باتت مجبرة على مراجعة أفكارها وسلوكياتها الماضية استعدادا للمحاسبة والمساءلة من جانب الرأي العام خاصة بعد ان تجاوز حضوره في صناديق الاقتراع لينطلق الى الشارع السياسي العلني فارضا نفسه رقماً صعباً لايمكن تجاوزه بسهولة بعد الآن. ومرة أخرى فان المحللين من جماعة المجتمع المدني الجديد يقولون وبصوت عالٍ بأن احتلال مقاعد الحكم ومواقع الادارة ومراكز صناعة القرار وصياغته من جانب اصحاب اللياقة والجدارة من ابناء المجتمع السياسي الجديد الذي ولد بعد 23 مايو 1997 والذي يكبر مع كل يوم يمر على حكم الرئيس محمد خاتمي ليس بالضرورة مؤامرة يسارية ولا هو بحاجة الى فكرة الانقلاب ضد اليمين المحافظ, كما ان تجاوب اليمين المحافظ مع تطلعات الشباب والنساء ــ وهم اكثرية الشعب ــ التواقون للتغيير سيمكن الأخير من الاحتفاظ بمواقعهم القديمة دون الحاجة الى الوقوع في مواطن شبهة الانقلاب أو محاولة الانقلاب.