في علم السياسة لاتوجد مفاجآت, يوجد فقط توقيت جيد للحديث السياسي وتوقيت سيء, وعندما كنت على مقاعد الدراسة اذكر استاذا عرف السياسة كما عرف الحياة, يقول دائما في درس السياسة في العمل السياسي توقع غير المتوقع . الحملة السياسية والتشهيرية ضده, ولكن يبدو انه سيخرج من لجتها دون ان تبتل شعيرات رأسه التي اصبحت رمادية. كما لم يكن احد يتوقع ان يخرج الامير الحسن بن طلال من سباق الحكم في الاردن بعد سنوات قاربت خمسا وثلاثين سنة, وهو قريب من العرش الاردني ببعض بوصات لاغير, ولكن الامر حدث. تلك هي السياسة, غير المتوقع يقع امام ابصارنا, فقط البلهاء هم الذين يعتقدون ان ما يرونه امام اعينهم دائم. ولكن السؤال لماذا ما حدث في الاردن قد حدث؟ ما هي الاسباب ــ ان وجدت ــ التي جعلت الملك حسين يأخذ هذه الخطوة غير المتوقعة والمدهشة في آن؟ وما تأثير كل ذلك على المنطقة وعلى الكيان الاردني نفسه؟ والذي هو اكثر الكيانات العربية هشاشة وصلابة في نفس الوقت؟ تلك اسئلة يسألها الجميع, وتبدو اجاباتها مقلقة اكثر منها مفيدة, قد يجد الجيل الحالي من العرب ان الاردن والملك حسين صنوان, فلا يذكر الاردن الا بالملك ولا يذكر الملك الا بالاردن, والملك حسين من القادة العرب الذين قدموا لوطنهم الاسم والمنزلة تقريبا من لاشيء, غير عزيمة لاتنكر وقدرة سياسية بالغة الدقة والحذر والمغامرة في آن. لعل من الندر ان تصاحب طائرات حربية لدول اربع منها اثنتان من الدول العظمى طائرة قائد دولي وهي تمر في اجواء تلك البلاد, ولكن ذلك ما حدث للملك حسين عندما قدم اخيرا الى بلده بعد غياب المرض الاخير والطويل نسبيا, فقد صاحبت الطائرات الحربية البريطانية والفرنسية والاسرائيلية والاردنية الطائرة الملكية وهي حاملة الرجل الذي تعافى من مرض خطير وهو يعود الى بلاده, ذلك علامة ورمز لموقف الملك حسين السياسي وقدراته, اكثر منها مظهرا بروتوكوليا, وهي رمز لمكانة الملك اكثر منها صدى لمكانة المملكة. التوازن الدقيق الذي حافظ عليه الملك خارجيا كان صدى للتوازن الدقيق الذي حافظ عليه داخليا في بلد هو نفسه يصفها دائما بالتوليفة الاردنية, والتي هي مكونة من عشائر وفلسطينيين وابناء مدن وابناء ريف ومهاجرين قدامى وجدد, وبكل الدقة التي يحتاج اليها صائد ماهر استطاع الملك ان يمرر الكرة السياسية بين هذه الطوائف التي لو تركت لحالها دون قيادة ماهرة, اقرب الى القيادة الاوركسترالية, لكان فيما بنيها ما صنع الحداد كما يقول المثل العربي, اناس تدخل الوزارة, واناس ترى انها مستقرة في الحكم سرعان ما تخرج, ولكن ليس الى الفضاء السياسي البارد والقارس, وانما لمكان ما تستفيد منه المملكة والكيان, فظل الكل على امل, وظل الكل على توقع, وظل الكل مرتبطا بهذه القيادة الاوركسترالية. وتاريخ خمسة عقود من التغييرات العنيفة في العالم العربي الذي ضج بصراع الايديولوجيات, والشخصيات والانقلابات والاغتيالات, واخرج الكثير من السياسيين من دول عربية عديدة غاضبين صارخين ومعارضين خارج بلدانهم, وبعضهم لم يخرج لانه لقي ربه في السجون والمعتقلات, كل ذلك والاردن من الدول العربية القليلة التي لم تسمع لها معارضة طويلة المدى ومنظمة في الخارج, فقد استطاع المايسترو ان يحافظ على البيت الاردني, وان يحافظ ــ وان اختلف التشبيه ــ على شعرة معاوية بينه وبين التيارات والمشارب والاهواء المختلفة, وكان في ذلك كله غير تقليدي وغير ميال للتكرار, وفي بيئة سياسية عربية مليئة بالضغوطات والضغوطات المضادة. ولعل العبارة الاكثر التصاقا بذهن المتابع والتي تعبر عن علاقة الملك بولي عهده (السابق) الامير الحسن بن طلال, قوله منذ سنوات قليلة (اخي وشقيقي وقرة عيني) وكان هذا الموقف المؤتلف قد تكرر بعد سنة واحدة تقريبا في الخطاب الشهير الذي ارسله الملك لرئيس وزرائه عبدالكريم الكباريتي عند قبول استقالة الاخير, والذي وجد فيه المراقبون عبارات قريبة الى التأنيب لرئيس الوزراء لانه اختلف او تخالف مع ولي العهد. ولم يكن للحسن اي اشارات علنية تبين الاختلاف مع الملك او طموح اكثر من اللازم للقفز الى المكان الاول, فقد اخذ على عاتقه ملف التنمية للمملكة واعتنى به كثيرا, وكان له في ذلك الكثير من المساهمات, كما ان مكتب ولي العهد اصبح مقرا للتدريب وممرا للكثير من الوزراء الاردنيين الذين تقلدوا الوزارات المختلفة, حتى عرف في الجو السياسي الاردني ان هذا المكان (مكتب ولي العهد) هو الخلية المنتجة لرجال الادارة والسلطة الاردنية. ولم يعرف عن الحسن ايضا خروجه عما يريد الملك تحقيقه في علاقاته السياسية الداخلية او الخارجية, بل كان تابعا عنيدا لكل رغبات الملك, وحتى الخطاب الاخير الذي القاه الامير الحسن ــ في غياب الملك ــ امام البرلمانيين العرب في عمان كان خطاب الدولة الاردنية, ويعبر عن توجهات الملك التي عبر عنها تقريبا بنفس العبارات. اذن ما الذي دفع الملك لاتخاذ هذه الخطوة التي ما ان اعلن عنها حتى شغلت العديد من المراقبين, وسيكون هناك في الايام القليلة القادمة الكثير من التكهنات ان لم تبرز مبررات واضحة من مؤسسة القصر الهاشمي في عمان, ولكن الاكثر منطقية ــ ان كان للسياسة منطق ــ انها قد تندرج في الآتي: اولا: قد يكون الملك في ظروف مرضه الاخيرة والقاسية قد وجد ــ كإنسان ــ ان خير من يحمل امتداده الشخصي وبقاءه المعنوي هو احد ابنائه, وبرغم القسوة التي قد يسببها هذا القرار للاخ الشقيق في مثل هذه الاحوال, فإن الابناء في النهاية هم سر آبائهم وليس الاخوة, فتغلبت هذه العاطفة الشديدة وفي ظروف مرض قاس لترجيح الرأي بابدال الشقيق بالوليد. وثانيا: قد يكون من المرجح ان هناك من سعى بين الاخوين بالشر, وسعاة الشر كثيرون في عالمنا, فنقل عن البعض ما كدر صفاء الود واوجس الخيفة, في هذا المجال هناك احتمالات كثيرة قد تكون داخلية او خارجية, وقد يعزز هذا التفسير الطريقة التي ابلغ بها ولي العهد خبر عزله, فقد ابلغ بذلك ــ كما قالت الروايات ــ من خلال شخصيتين عسكريتين, هما قائد المخابرات ورئيس الاركان. يأتي الاحتمال الثالث دارج الشيوع لكثرة ما تكرر في دهاليز التاريخ العربي منذ بواكيره, وان كنت لا اؤيد هذا الاحتمال وهو الذي يعرف بـ (كيد النساء) . فولاية العهد لم يمنحها الحسين لابنه الاصغر حمزة متجاوزا اخيه الاكبر, بل اختص هذه الولاية بابنه الامير عبدالله وهو ليس ابن الملكة نور, مما يرجح دحض اطروحة (كيد النساء) الاقرب الى التفسير لدى الذهن العربي الدارج. لم تكن فكرة تغيير الملك لرأيه في ولاية العهد قد برزت فجأة فقد كثر الحديث حولها بعد اشهر قليلة من مرض الملك الاخير اختصت تفاصيلها ليس بمن يعقب الملك, ولكن بمن يعقب الحسن بن طلال.. ان حكم ــ هل هو ابنه ام احد ابناء اخيه, ومع ان هذه القضية قد قررت نظريا منذ سنوات قليلة بمرسوم ينظم الخلافة والولاية ويضعها على عاتق مجلس الاسرة الحاكمة, الا انها لم تكن قد حسمت بشكلها النهائي وبالتفاصيل. تبقى دراسة التأثير الاكبر على الكيان الاردني, فالملك كما يقرر الكثير من المراقبين المحايدين هو بقدراته الذاتية ومعرفته بالسياسة الاقليمية والدولية قد قاد الكيان الاردني ذا الاطياف المختلفة, بكياسة وقدرة فائقة, كما ان الامير الحسن قد تعلم هذه القدرات وتشربها لفترة طويلة, ومن سيأتي ــ والخيار هنا متعلق بشباب ــ قد لا تكون لديه هذه الخبرة المتناهية في دقة التصويب السياسي وقيادة السفينة بين هذه الامواج العالية في الداخل والخارج, ففي سنوات قد يظهر خلالها كيان فلسطيني ظل هاجس المملكة الاردنية التاريخي تحوم حوله كثير من التساؤلات: كيف يظهر وما هو شكله السياسي وما تأثيره على المملكة الاردنية؟ انه هاجس السنوات الخمسين الماضية, وفي سنوات قد تتغير فيها توجهات سياسية اقليمية بشكل راديكالي, خاصة في العراق مع مطالبة هاشمية ضمن مطالبات عديدة للتغيير هناك, كل ذلك يشكل اعاصير سياسية قادمة تحتاج الى خبرة ومران طويل, ليس اقلها تبعات السلام البارد مع اسرائيل. الخوف على السفينة الاردنية في هذا الوقت من التغيير الكبير هو خوف حقيقي وليس متخيلا فقط, كما ان الشكل الدستوري الذي بدأ بعض الاردنيين يتحدثون عنه, هو ليس اصعب المشكلات ولكنه اشكال يستحن التوقف عنده. قد تظهر لنا الايام الاسباب الحقيقية لهذا التغيير, ومدى حكمته ودقة توقيته, والطموحات التي تتحقق للشعب الاردني من ورائه, وهو شعب اصبح له نضج سياسي لايخفى على المراقب, الا ان توقع غير المتوقع الذي بدأنا به الحديث قد يحدث, كما ان موعد التغيير هو قضية سياسية لها اهمية الحدث السياسي نفسه. انه وقت الخوف على الاردن من كل محبيها, خاصة اولئك الذين يعرفون ان التغييرات الحادة قد يستغلها اعداؤها اكثر من ان تفرح اصدقاءها, لقد مارس الملك في الاردن حكمة (من ليس عدوي فهو صديقي) , ومارس آخرون غيره (من ليس صديقي فهو عدوي) فهل تتغير تلك السياسة؟ آمل ان لا.