لم تفرحني يوما تلك العبارة التي سمعتها ـ وربما سمعها غيري ــ مرارا من معلمين ومعلمات وأشخاص لا يمتون لحقل التعليم بصلة, والتي تمتدح جيل الستينات ومن قبلهم من أبناء هذا البلد, مقارنة بهذا الجيل الذي جاء مع تباشير عصر النفط وطفرة الاقتصاد والرفاهية . فكل المعلمين والمعلمات الذين تقابلهم اليوم ويدور بينك وبينهم حديث عابر, فيه شيء من تداعي الذكريات وأحاسيس الامتنان والشكر والمجاملة, هذا الحديث لابد ان ينتهي بعبارة, (لكنكم كنتم الجيل الأفضل, وكل من جاء بعدكم لا فائدة منهم!) . ويعتقد هذا المتحدث أو المتحدثة, ان هذه العبارة ستفعل في نفسك فعل السحر, وستدخلك عوالم الشعور بالفخر وجنون العظمة. في الحقيقة فإن شيئا من هذا الشعور لم استسغه يوما, كما أنني لم أجد مبررا لكل العبارات التي تُخرج أبناء النفط من دائرة الخير أو الأفضلية, وتنفيهم في صحراء العبث, والاستهتار وعدم الشعور بالمسؤولية وتقدير الحق واحترام الواجبات. هذا الجيل المتهم دوما بكل نقائص العهد العربي الرديء الذي نتخبط فيه, لم يصحُ من نومه ذات يوم ليقرر التمرد والانحراف والضياع, وفقدان الهوية, أو ليَسعى جاهدا للتناقض واختلال الرؤى في الفكر والتوجه والانتماء. هذا الجيل الذي يتهمه أهل التربية والتعليم, ومنظرو علم الاجتماع والتاريخ والسياسة, بفقدان الرؤية والهوية, قد خطط له وبعبقرية تخريب لا مثيل لها, كي يصل لهذه الحالة, ذلك أن هذه الحالة هي الأكثر تلاؤما وانسجاماً مع مخططات ومطالب العولمة, والهيمنة الغربية, والنفوذ الصهيوني على المنطقة. هذا الجيل لم تُتَح له منذ فتح عينيه وحتى اليوم, مناهج تعليمية سليمة, تعتمد خطابا تربويا متخلصا من عقد الذنب تجاه الماضي, ومركبات النقص تجاه الآخر (الأجنبي), آخذة بيده نحو آفاق الغد اتكاء على الهوية, واحترام الذات, والاستعداد لتقبل النقد الموضوعي, والحوار مع الآخر, بعيدا عن عبادة الاقوى والأفضل. هذا الجيل لم ينشأ على التعاطي مع مؤسسات اعلامية تقدم خطابا ثقافيا أو حتى ترفيهيا وتوعويا منسجما مع تحديات الواقع, وآمال المستقبل, لقد فتح هذا الجيل آفاقه على خطاب اعلامي متناقض وسطحي في اغلبيته, وتابع للاعلام الغربي, وهو في جملته استنساخ صريح يفرغ هذا الجيل من كل مضامينه وانتماءاته. لقد افقد هذا الجيل القدوة في التربية (يكفي أن معلمه القدوة يبيعه العلم في منزله بطريقة العرض والطلب وكم تدفع لتنجح!), وفي الاسرة (لم تعد الام والاب هما المسؤلان عن التربية!), وفي الاعلام (حيث السيادة والاولوية لإعلام الرقص وبرامج الاستلاب العقلي عن طريق المسابقات والأفلام التافهة) وفي مجمل التفاصيل الحياتية اليومية يواجه هذا الجيل بخطاب متناقض ينغرس في روحه وعقله ببطء وتدريج. وبعد ذلك ننصب له المحاكم والمشانق لنحاسبه على جرائم نحن من مهد لها الظروف وضمانات الانتشار!