نصف موائد الرحمن التي شهدتها مصر خلال شهر رمضان لم تكن لوجه الرحمن سبحانه وتعالى, وانما من اجل الانتخابات المقبلة, التي بدأت حركتها مبكرا في ضوء الهمس الذي يدور في الكواليس السياسية حول احتمالات حل المجلس الحالي قبل نهاية ولايته . والظاهرة التي تقلق الجميع هي تصاعد نفوذ البعض من رجال الاعمال ومحاولتهم الدؤوبة لترجمة هذا النفوذ الى وجود سياسي قد يصبح هو الابرز في ظل الظروف التي يمر بها المجتمع. وقد بدأت الظاهرة منذ سنوات, وازدادت منذ بداية التسعينات مع تطور برامج الاصلاح الاقتصادي وما عكسته من زيادة دعم القطاع الخاص لكي يتحول الى المحرك الاساسي لاقتصاد مصر, وهو دور لم يتحقق حتى الآن لاسباب كثيرة, ولكن الذي تحقق هو وجود فئة من رجال الاعمال ازداد نفوذها الى درجة كبيرة, ومع زيادة النفوذ كان الطموح للعب دور سياسي , وكانت انتخابات مجلس الشعب السابقة هي الفرصة امامهم لاختبار قوتهم وقد نجحوا بالفعل في ان يضاعفوا نفوذهم داخل المجلس, وان يمسكوا بزمام عدد من اللجان الهامة مثل اللجنة الاقتصادية, وفي البداية كان ذلك منسجما الى حد كبير مع سياسات حكومية تستهدف تشجيع القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الاجنبية,, واكتساب ثقة الهيئات الدولية الاقتصادية, كما كان ذلك منسجما مع الحاجة لتمرير العديد من القوانين التي تلاقي معارضة شعبية ... مثل قوانين عقد الاراضي الزراعية والاعفاءات الضريبية. لكن الامور تغيرت بعد ذلك بفعل اوضاع كثيرة. فمن ناحية اجتازت الحكومة الفترة الصعبة , ونجحت في فرض البرنامج الصارم للاصلاح الاقتصادي, وساعدتها ظروف كثيرة على التخفيف من شروط البنك الدولي وصندوق النقد واعتماد سياسة النفس الطويلة بدلا من اسلوب الصدمات الذي ثبت فشله في بلدان عديدة وادى الى مراجعة الصندوق والبنك الدوليين لسياستها في هذا المجال, كما ساهم تخفيف الديون على مصر بعد حرب الخليج في تقليص الاعباء المالية, ونجحت الحكومة بعد ذلك في تكوين احتياطي كبير من العملات الاجنبية (اكثر من 20 مليار دولار) ساعد على تقوية مركزها التفاوضي, وان كانت آثاره السلبية كبيرة سواء من حيث زيادة الدين الداخلي الى اكثر من 150 مليار جنيه, او الاعتماد على حصيلة بيع القطاع العام التي تعني في النهاية ان المجتمع يعيش على ما بناه الآباء في السنوات الماضية وبغير تصور لما سيحدث بعد استهلاك اصول القطاع العام في تسديد الديون! من ناحية ثانية اكتشف النظام ان كل التسهيلات والاعفاءات التي قدمها لم تؤد الى تدفق رؤوس الاموال الاجنبية بالصورة التي تم الترويج لها, وان المستفيد من هذه التسهيلات والاعفاءات هم مجموعة معينة من الوكلاء والسماسرة الذين تم اعدادهم في حضانة المساعدات والدعم الامريكيين خلال الثمانينات لكي يتم اطلاقهم بعد ذلك ويتحولوا الى مجموعة سيطرة على السوق وهو الامر الذي دعا العديد من رجال الصناعة والاعمال الى الشكوى من الحرب التي تشنها الاقلية المسيطرة على السوق ضدهم. وهنا كان جرس الانذار الاول .. لانه عندما اصطدمت مصالح الدولة بمصالح هذه الجهات الاجنبية فوجئت الدولة بان عددا من الذين كانت ترعاهم وتدللهم وتغدق عليهم الامتيازات قد انحازوا الى المصالح الاجنبية ووصل الامر الى الذروة حين كان الرئيس مبارك في امريكا, واصطحب معه عددا من هؤلاء ليساعدوه في مهمته وليشاركوا في اجتماعات المجلس الرئاسي الامريكي المصري للتعاون المشترك بين البلدين, فاذا بهؤلاء يهاجمون السياسة الاقتصادية المصرية وينحازون للمطالب الامريكية .. وكانت النتيجة انقلابا في تشكيل الجانب المصري في هذا المجلس وفي بعض التنظيمات التي تشمل رجال الاعمال لاستبعاد البعض وتصحيح بعض الاوضاع. اما جرس الانذار الثاني فكان في تقاعس هؤلاء الذين استفادوا لاقصى درجة من التسهيلات والمزايا التي منحتها الحكومة عن المساهمة في المشروعات الكبرى التي تستلزم استثمارا حقيقيا وطويل المدى ورغبة في المساعدة على حل المشاكل التي تواجه الوطن. وهكذا لم يجد النظام ما ينتظره هؤلاء حين طرح مشروعاته العملاقة في سيناء وتوشكى وشرق السويس, وساعتها ادرك النظام ان الامر يحتاج لمراجعة! ومع المراجعة بدأت الحقائق تتضح امام الرأي العام. فالكبار الذين اشتهروا باسم الحيتان بعد ذلك لايعملون في السوق باموالهم لان معظمهم لم يكن اصلا من اصحاب الاموال بل من اصحاب التوكيلات او اصحاب الاتصالات بمراكز القوى السياسية والاقتصادية وما (يلعبون) به في السوق الآن هو من قروض البنوك التي اصبح بعضها مهددا بالافلاس بسبب هذه القروض. وفي هذا الاطار عرف الرأي العام قائمة بديون بضعه عشر من هؤلاء الحيتان, والتي بلغت 12 مليار في العقارات الفاخرة بدلا من الاستثمار الصناعي او الزراعي وعندما تشبعت سوق العقارات اصاب الكساد هذه المشروعات, وتوقف الكثيرون عن سداد ديونهم! وكان لابد ان تنعكس هذه الاوضاع على البرلمان الذي تقلص دوره ليصبح مجرد اداة للموافقة على ما تريده الحكومة. ولم يتغير الوضع الا بعد ان اصطدمت مصالح البعض بهذا المسار. وهكذا تفجرت قضية نواب القروض الذين (لهفوا) من البنوك مايقرب من مليار جنيه ليضاربوا بها في الاراضي والعقارات. وبعدها انفجرت قضية النواب الذين استولوا على اموال المعونة الامريكية التي يتم منحها بفائدة رمزية ( لوجه الله طبعا وليس من اجل تكوين لوبي امريكي في مصر كما يشيع الحاقدون) ثم اكتشف مجلس الشعب - بالصدفة البحتة - ان بعض اعضائه قد تم تعيينهم اعضاء في مجالس ادارات شركات القطاع العام بمكافآت تبلغ مئات الآلاف من الجنيهات سنويا وبعضهم لا علاقة له باعمال هذه الشركات على الاطلاق, والكل يعرف ان في هذا مخالفة للقانون ولكنه كان يتم اعمالا لاقتصاديات السوق وفلسفة تفتيح المخ. التي اصبحت هي الايدولوجية الوحيدة في عصر سقطت فيه كل الايدولوجيات. والوضع الآن ملتبس اشد الالتباس ... الصغار والمتوسطون من رجال الاعمال يعرضون بأن بضع عائلات من (الحيتان) الكبار يسيطرون على كل شيء في السوق ... من الأسمنت الى السيراميك, ومن استيراد الاغذية الى بناء القرى السياحية .. ومن التليفونات الى السيارات وانهم يستخدمون نفوذهم لتكريس هذه الاوضاع واصدار القوانين التي تساعدهم علي ذلك ويدللون علي هذا بالقوانين التي صدرت لمصلحة الكبار في تجارة السيارات. والكبار من الحيتان يشكون من أن ايديهم مازالت مغلولة, وانهم لو تمكنوا من تنفيذ مايريدون لتحسنت الاوضاع الاقتصادية وغير الاقتصادية الى حد كبير فهم الذين يفهمون منطق العصر, ويعرفون اسرار السوق العالمية ويملكون الصلات بالشركات العملاقة التي اصحبت تحكم العالم الآن. والحكومة تشكو بالتلميح تارة, وبالتنحي تارة, وبقرص الأذن مرة ثالثة من أن الذين ساعدتهم وساندتهم يتمردون عليها ويحاولون فرض شروطهم واكتساب المزيد من الثروة والنفوذ دون النظر الى المصلحة العامة... وهكذا يتخاذل هؤلاء عن المشاركة في المشروعات الكبيرة التي تعول الحكومة عليها في توفير وثائق العمل المطلوبة والتي تزيد على نصف مليون سنويا, ثم يتهربون من الضرائب, والأخطر انهم يستفزون المجتمع بسلوك سوف تكون له اسوأ العواقب, ثم يتصورون ان الزمن في صالحهم, وان القوى الخارجة التي يمثلونها اقتصاديا سوف توفر لهم الحماية ليوجهوا سطوتهم الاقتصادية الى نفوذ سياسي. ولعل ذلك يفسر بعض الغرابة في ان تأتي مبادرة الحديث عن اجراء الانتخابات القادمة بنظام القوائم بدلا من النظام الفردي من جانب اقطاب في الحزب الحاكم الذي سيطر على 99% من مقاعد البرلمان! واذا كان البعض يرى في هذه المبادرة نوعا من المناورة او الصراع داخل الحزب بين الذين يمسكون بادارة الحزب والاقطاب الآخرين حيث ان الانتخابات بالقائمة تضع الأمر في ايدي الادارة الحزبية وتقوي مركزها. واذا كان البعض الآخر يرى ان طرح الفكر يتوجه اساسا لفريق من النواب بدأوا في التمرد على دورهم في مساندة الحكومة (عمال على بطال) ويحاولون اثارة الانتباه من خلال طرح بعض القضايا ومعارضة بعض المواقف الحكومية اكتسابا لشعبية تساعدهم في الانتخابات المقبلة. واذا كان البعض يرى انها رسالة للجميع ــ وخاصة رجال الاعمال ــ بأن الامر كله في يد الحكومة, وانها تستطيع ــ لو ارادات ـ تعديل النظام الانتخابي كله لكي تضمن ألا تفلت الأمور من يدها. اذا كان ذلك كله يصلح لتبرير طرح فكرة الانتخابات بالقائمة في هذا الوقت فإن أمرا آخر لابد ان يكون في الحسبان, وهو ان الانتخابات الاخيرة قد شهدت سقوط ما يقارب الــ 20% من مرشحي الحكومة رغم ان احزاب المعارضة كانت غائبة تقريبا عن الانتخابات. صحيح ان الذين نجحوا كانوا يرفعون راية (المستقلين) وانهم انضموا ــ بعد نجاحهم ــ للحزب الحاكم, ولكن ذلك لا يغير من حقيقة انهم استطاعوا تحدي الحكومة ونجحوا ــ استنادا الى المال اساسا ــ في الوصول للبرلمان وهي اشارة يدرك اقطاب الحزب معناها ويحاولون قطع الطريق عليها بالتلويح بالانتخابات بالقائمة التي لا تترك المجال للمستقلين. الامر الآخر ان السيطرة الحكومية على مجلس الشعب تفقده الكثير من التأثير والمصداقية, وتصيب الحياة الحزبية والسياسية بأفدح الاضرار. والحكومة تسعى لتحقيق توازن بين نفوذ رجال الأعمال الصاعدين وبين احزاب المعارضة وهو امر ضروري لمصلحة الجميع. على الجانب الآخر يبدو الاقتراح مغريا لأحزاب المعارضة التي اصبحت غير قادرة على خوض الانتخابات الفردية في مواجهة مئات الملايين التي يتم انفاقها بغير حساب في المعركة الانتخابية وهو امر سوف تحد الانتخابات بالقوائم من تأثيره الى حد كبير. و... الحوار مازال في أوله, ولعل أهم اثاره حتى الآن انه القى حجرا في المياه الراكدة التي اضرت بالحياة السياسية كثيرا في الأعوام الأخيرة.