بين دخول للرئيس الروسي بوريس يلتسين للمستشفى وخروجه منه تتجدد الأسئلة حول مستقبل النظام السياسي الروسي, ومعها الأسئلة حول السياسة الخارجية الروسية وحضورها في العديد من الأزمات المختلفة حول العالم . ومن دون عناء كبير يمكن ملاحظة ان أوضاع الرئيس الروسي كما هي أوضاع السياسة الداخلية لا تتناسب مع الدور الكبير والثقل والاحترام الذي تتمتع به سياسة روسيا الخارجية. ويحار المرء في كثير من الأحيان في ايجاد التفسير المناسب لما يحدث في روسيا. بين دولة كبيرة مترامية الأطراف وغنية بالموارد والعقول البشرية ومصالح منتشرة في شتى أنحاء العالم وجهاز دبلوماسي نشيط وفاعل, وفي الوقت نفسه وضع اقتصادي بائس ورئيس مريض يقضي في المستشفيات ودور النقاهة أكثر مما يقضي من وقت في الكرملين, بالاضافة إلى وضع سياسي غير مستقر. أين يكمن الخلل فيما يحدث لروسيا وكيف السبيل للمواءمة بين كل هذه الحالات؟ خلال الأسابيع الماضية فقط كان للروس حضور كبير ومكثف في أكثر من أزمة. العراق وكوسوفو والزعيم الكردي أوجلان. وفي كل من هذه لم يكن الروس فقط مراقبين أو متفرجين وإنما فاعلين وعلى درجة كبيرة من التأثير. وعلى سبيل المثال يعتبر الدور الروسي في الأزمة العراقية الأمريكية أحد المحركات الأساسية. إذ استطاعوا أن يحولوا دون وقوع أكثر من حرب بين بغداد وواشنطن, كما حدث خلال أزمة فبراير الماضي والتي عرفت بأزمة القصور الرئاسية. كما انهم يساهمون حاليا في بلورة المبادرات السياسية الكفيلة بتبطئة الاندفاع الأمريكي العسكري واحتواء آثاره المدمرة. صحيح ان الموقف الروسي لا يصل إلى حد التصادم مع الولايات المتحدة, وهو أمر مفهوم ومنطقي ليس بحكم موازين القوى العسكرية والاقتصادية الحالية بين الجانبين فحسب, وإنما بحكم طبيعة العلاقة بين القوى الكبرى وما ينطوي عليه خطر التصادم من تهديد للسلم والاستقرار الدوليين. غير انه بقدر ما تتاح الظروف للروس كي ينشطوا في الميادين السياسية والدبلوماسية فإنهم يؤثرون بهذا القرار أو ذاك في مختلف جوانب الأزمة. يساعد في ذلك وجود جهاز دبلوماسي روسي متمرس ومحنك وله باع طويل في فهم شؤون المنطقة ومجريات السياسة الدولية. والواقع انه ليس مطلوبا من الروس وليس متوقعا أن يدخلوا في ثنايا أزمة حادة مع الأمريكيين سواء حول العراق أو غيره, فذلك ليس من مصلحة أحد بما في ذلك حل الأزمة نفسها. وتعتبر مواقفهم الحالية وإذا ما أضيف إليها قليل من المثابرة والدأب مع الأخذ بعين الاعتبار حجم المصالح الروسية في المنطقة, عاملا مهما في خلق نوع من التوازن الايجابي بين القوى الدولية في المنطقة. ويخيل إليَّ انه بالنظر إلى المشكلات الداخلية الروسية وحال الترهل التي تعيشها المؤسسة السياسية, فإن الجهود التي تبذل حاليا لتنظيم السياسة الخارجية جديرة بالاهتمام والتقدير. وفي حين يعزو البعض ذلك إلى وجود شخص مثل بريماكوف على رأس الخارجية الروسية ثم على رأس الحكومة والآن ثمة من يطرحه للرئاسة, فإنه ومن دون التقليل من أهمية وجهة النظر هذه, فقد تعلم الروس من تجاربهم السابقة في أن تسليم مفاتيح السياسة الدولية لواشنطن, وان مقابل بعض المساعدات المالية, من شأنه أن يعود عليهم بالضرر الوخيم. وقد عانت السياسة الخارجية الروسية من أضرار وخيمة في عهدي الوزيرين شيفاردنادزة وكوزيريف. فقد تقلص الدور الروسي حتى الانعدام في عدة ميادين حيوية بالنسبة للمصالح الروسية تقليديا, سواء في عملية سلام الشرق الأوسط أو المشكلة العراقية أو المشكلة اليوغسلافية أو توسيع حلف الأطلسي شرقا. وبدأت الشكوك تراود الكثيرين حول ما إذا كان الروس وتحت وطأة الوضع الداخلي المتأزم, قد قرروا الانسحاب من الساحة الدولية. هذه الشكوك لم تطل على أية حال, فقد بدأت روسيا وتحت تأثير هذه الاخفاقات تعيد ترتيب جداولها وأجرت تعديلات مهمة في طاقم وزارة الخارجية مع اسناد الحقيبة لوزير الاستخبارات الروسية حينها يفجيني بريماكوف. وقد انعكس ذلك واضحا في عملية السلام كما في الأزمة العراقية, حيث عينت روسيا ممثلا لها في المنطقة هو نائب وزير الخارجية فيكتور بوسوفاليوك. في الوقت نفسه كانت قد بدأت تتضح ملامح الرغبة الأمريكية الأطلسية في الهيمنة خاصة في شرق وجنوب أوروبا, وفي تبلور مهام وأهداف جديدة لحلف الأطلسي, ما دفع موسكو لاستشعار الخطر المحدق بها. وبدأت ترتفع بعض الأصوات من داخل البرلمان الروسي (الدوما) كما من بعض مسؤولي السياسة الخارجية, تحذر من عواقب السياسات الأمريكية. وأظهر الاستخدام الكثيف من جانب الولايات المتحدة للتكنولوجيا العسكرية في الحرب ضد العراق, بالاضافة إلى الكيفية التي تدير بها الإدارة الأمريكية سياسة العقوبات المطبقة على العراق وعلى عدد آخر من الدول, الحدود التي يمكن أن تصل إليها واشنطن في فرض هيمنتها. وفي هذا الصدد يتساءل الروس ألا يمكن أن نقع نحن أيضا في المستقبل تحت نفس هذه العقوبات؟ أليس من شأن التجارب التي تجريها واشنطن على أسلحتها في العراق أن تخل بميزان القوى؟ ألا تشير الغطرسة الأمريكية في استخدام القوة بهذه الصورة والكيفية (في العراق, أفغانستان, السودان ويوغسلافيا) وبعيدا عن مجلس الأمن الدولي, إلى نوايا عدوانية لدى بعض الأوساط في الولايات المتحدة؟ هذه التساؤلات التي بدأت تتكثف في سماء السياسة الروسية, قد أيقظت بعض الشعور بضرورة التحرك ووضع سياسات وأولويات جديدة لروسيا في الميدان الخارجي. ولكن السؤال الذي يظل عالقا في الذهن هو هل تستطيع روسيا مع ذلك أن تهندس لسياسة خارجية ناجحة في ظل رئيس مريض ووضع داخلي لم يعرف الاستقرار بعد؟ ألا يتطلب الأمر في البداية أن تحسم مشاكلها الداخلية كي تتفرغ بعد ذلك للملفات الخارجية؟ ألا يتطلب أن يكون لروسيا استراتيجية خاصة تعنى بمصالحها الحيوية ووجودها في المجال الاقليمي أولا؟ هذه التساؤلات بقدر ما هي حيوية فإنها كذلك مطلوبة وملحة, وإذا ما اتضحت جدية الطروحات التي بدأت تتداول حاليا حول مشروع اقامة تحالف آسيوي يضم روسيا والصين والهند في مواجهة التكتلات القارية الأخرى, فربما تكون السياسة الخارجية الروسية قد بدأت تستفيق من غفوة الثماني سنوات الماضية. غير ان ثمة عملا كثيرا ينبغي انجازه على هذا الطريق.