شكل قيام اسرائيل قبل نصف قرن علامة شاذة في قيام الدول, بمعايير عديدة ليس لأنها قامت بوسائل القوة والارهاب أو لأنها قامت على أنقاض شعب آخر فحسب, وإنما من الأساس لأنها افتقدت العوامل اللازمة لنشوء الدول لناحية توفر الأرض والشعب ومستوى معين من التطور الاجتماعي التاريخي . منذ البداية حاول قادة المشروع الصهيوني الترويج لحركتهم باعتبارها حركة قومية للشعب اليهودي, وفيما بعد استمر قادة اسرائيل في الترويج لهذه الدعاية باعتبار ان دولتهم هي نتاج لهذه الحركة وان اعلان الدولة هو بحد ذاته إعلان استقلال عن الانتداب البريطاني على فلسطين! وبعد مرور خمسين عاما على قيام اسرائيل ما زالت هذه الرواية تحتل حيزا مركزيا في السياسة الاسرائيلية على الرغم من انكشاف أهمية الدور البريطاني في قيام هذه الدولة بدءا من وعد بلفور مرورا بتسهيل الهجرة إلى فلسطين للاستيطان فيها وصولا إلى تقديم كل الدعم للمؤسسات الصهيونية: العسكرية والسياسية والاقتصادية بما في ذلك منحها الأراضي والمساهمة في اجهاض مقاومة الشعب الفلسطيني. من مختلف الأوجه فإن قصة صناعة الدولة العبرية فريدة من نوعها, فهذه الدولة جرى تفصيلها من دون أية مقومات أساسية, فقد ولدت هذه الدولة أصلا من رحم المؤسسة الصهيونية, التي عملت (بالمفرق) على جلب الشعب بالهجرة والاستيطان, كما عملت على جلب الأرض عبر الاستيلاء عليها بأساليب غير مشروعة, استنادا إلى موروث ايديولوجي غيبي خرافي, أي أن المؤسسة هي التي صنعت الدولة و (الأمة) , في حين ان الوضع الطبيعي يتطلب وجود شعب مستقر, عبر التاريخ في اقليم جغرافي محدد, تجمعه قواسم ثقافية واقتصادية ونفسية, يعبر عن نفسه, نتيجة التطور الذاتي والموضوعي, في دولة, وتحاول الدعاية الصهيونية الاسرائيلية الالتفاف على هذه الحقائق والبديهيات باعتبار ان قيام اسرائيل هو معجزة (ربانية) وبأن اليهود هم أمة استثنائية, هم شعب فوق قوانين الطبيعة والتاريخ! وعليه فإن اسرائيل لم تنشأ كنتاج للتطور المجتمعي والاقتصادي والثقافي والسياسي للتجمع اليهودي في فلسطين وإنما نشأت نتيجة تضافر عدد من العوامل الذاتية والموضوعية (الداخلية والخارجية) التي سمحت بقيام هذه الدولة في حينه. المهم ان الحركة الصهيونية بعد نصف قرن على قيامها استطاعت اقامة دولة اسرائيل, ولكن نجاح هذه الحركة لا يمكن, بأي حال من الأحوال, تفسيره على أنه نجاح لها بذاتها, فمنذ قيامها توفرت للحركة الصهيونية مجموعة من العوامل الموضوعية, أساسا مكنتها من تحقيق قيام دولتها, وبالأساس فإن الحركة الصهيونية أقامت دولتها بفضل الاعتماد على دعم القوى الامبريالية, بخاصة بريطانيا ثم أمريكا, ومن الصعب تصور امكانية نجاح هذه الحركة في تحقيق أهدافها, بمعزل عن هذا الدعم الذي تلقته من الدول الكبرى المهيمنة في العالم, (التي كان لها دور كبير أصلا في قيام هذه الحركة وتطورها), والتي رأت في قيام هذه الدولة مصلحة خاصة لها في مساعيها للسيطرة على هذه المنطقة. هذا الاستنتاج لا يعني التقليل من أهمية العالم الذاتي في قيام هذه الدولة وتدعيم مصادر شرعيتها وتطورها, فيما بعد, ولكنه يعني أنه لولا دعم الدول الكبرى لما تمكنت هذه الحركة من تأمين هجرة اليهود إلى فلسطين والاستيطان فيها, ولا تأمين كل وسائل القوة للتغلب على المقاومة الفلسطينية والعربية, ولما استطاعت اسرائيل فيما بعد تأمين امكانيات استمرارها وتطورها من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية. ومن بين أهم العوامل التي لعبت دورا كبيرا في قيام اسرائيل احتلت مسألة الهجرة اليهودية إلى فلسطين, والنشاط الاستيطاني فيها, مكانا مركزيا في النشاط العالمي للحركة الصهيونية, فهي بالنسبة للمشروع الصهيوني, وللدولة الاسرائيلية, فيما بعد بمثابة الشريان الحيوي الذي أمدهما بأسباب البقاء والتجدد, وشكل النشاط الاستيطاني الأساس الذاتي لاستمرار وتطور المشروع الصهيوني, وشرطا لقيامه بمختلف وظائفه الذاتية والاقليمية والدولية. بحسب المجموعة الاحصائية الاسرائيلية لعام 1995 فقد بلغ عدد السكان اليهود في اسرائيل 4.441.1 مليون في العام 1994, حوالي 76% من هؤلاء اليهود هم من المهاجرين من أصل إما آسيوي ـ أفريقي 36.3% أو من أصل أوروبي ـ أمريكي 39.9%, وقد بلغ عدد هؤلاء المهاجرين منذ قيام اسرائيل حتى العام 1993 حوالي 12.300 مليون (يضاف لهم 500 الف مهاجر قبل عام 1948) وهؤلاء لوحدهم يشكلون اكثر من 50% من مجموع اليهود في اسرائيل اليوم وهذه الارقام وضح اهمية الهجرة بالنسبة لاسرائيل وتدل على انها لم تستقر من الناحية المجتمعية برغم مرور نصف قرن على قيامها فهي مازالت دولة مهاجرين بناء عليه كيف يمكن تخيل وضع اسرائيل بدون هذه الاعداد التي وفدت اليها بعد قيامها؟! فهذه الطاقة البشرية المتجددة هي التي لبت النشاطات الاسرائيلية المختلفة داخليا وخارجيا ومن دونها فإن هذا الكيان كان مهدد بالتآكل ناهيك عن ضعف مركزه بالنسبة لليهود في العالم وتضرر مصداقيته في تمثيل هؤلاء اليهود. وبرغم كل عوامل التشجيع على الهجرة التي اعتمدتها اسرائيل و برغم مرور 50 عاما على قيامها فان ثلث يهود العالم فقط يقطنون فيها بينما الثلثان الأخيران مازالا يفضلان العيش خارجها وعلى الاخص في امريكا واوروبا (حوالي 4.5 من 13.5 مليون) مما يعني ان اسرائيل لم تنجح في استقطاب يهود العالم للعيش فيها على اعتبارها دولتهم وملاذهم الأمن وهذا مايشكل احد اوجه الازمة للمشروع الصهيوني ولاسرائيل ذاتها كما انه يشكل علامة توتر في علاقة اسرائيل بيهود العالم أما بالنسبة لتعريف من هو الصهيوني او بالنسبة للموقف من مسألة الهجرة الى اسرائيل وكذلك حول اين يكمن مركز اليهود في اسرائيل ام في امريكا وغير ذلك التساؤلات التي تتعلق بهذا الموضوع والتي تضعف من صدقية اسرائيل والادعاءات الصهيونية. اما بالنسبة لمصادر الهجرة فإنه في عام 1972 مثلا كان في اسرائيل اربع جاليات يهودية كبيرة اكبرها الجالية المغربية 379.1230 ثم البولونية 360.432 فالرومانية 282.593 فالعراقية 239.313 اي ان هذه الجاليات وحدها شكلت نصف عدد اليهود المستوطنين انذاك اما في العام 1993 وبنتيجة موجة الهجرة الجديدة من دول الاتحاد السوفييتي السابق فقد اصبح ترتيب الجاليات ونسبتها في المجتمع الاسرائيلي على النحو التالي: من الاتحاد السوفييتي (السابق) 712.1 ألفا 16.4% المغرب 502.8 الف, 11.6% بولونيا 262.5 الف 6% العراق, 256.500 الف 5.9% رومانيا, 258 الف 5.9% وبينما كانت نسبة اليهود الغربيين 90% من التجمع الاستيطاني في فلسطين قبل اعلان قيام اسرائيل في العام 1948, تراجعت هذه النسبة نتيجة موجات الهجرة من اسيا, وافريقيا وخاصة من البلاد العربية فأصبحت 42.3% للشرقيين و 52.1% للغربيين عام 1961 وفي العام 1972 للشرقيين 47.4 وللغربيين 44.2 حيث اصبحت نسبة اليهود الشرقيين تزيد على نسبة اليهود الغربيين وقد عكس ذلك الامر نفسه سياسيا وثقافيا ثم عادت نسبة اليهود الشرقيين الى الانخفاض بنتيجة الهجرة من دول اوروبا الشرقية ففي العام 1989 اصبحت النسبة 41.6 للشرقيين و 36% للغربيين ثم في العام 1993 للشرقيين 36.3% و 39.9% للغربيين. ويمكن القول وعلى ضوء دراسة وتائر الهجرة اليهودية الى اسرائيل بأن هذه الهجرة وصلت الى حدودها النهائية تقريبا, وهذا ما اكده واقع انحسار الهجرة في السبعينات والثمانينيات ولكن المتغيرات الدولية العاصفة التي حدثت مطلع السبعينات وبخاصة على خلفية انهيار الاتحاد السوفييتي اوقفت هذا الانحسار (مؤقتا) وامدت اسرائيل بحوالي 800 الف مهاجر جديد. رغم ذلك فان مؤشرات عديدة تؤكد بأن الهجرة اليهودية الى اسرائيل وصلت نهاياتها بسبب تغير ظروف اليهود في اوطانهم او بسبب تراجع جاذبية المشروع الصهيوني ثم بسبب اوضاع اسرائيل ذاتها وعلاقتها المتوترة بمحيطها واخيرا بسبب نضوب معظم التجمعات اليهودية خصوصا في اسيا وافريقيا ونسبيا في اوروبا الشرقية والخزان الوحيد المهيأ لاسباب عديدة لمد اسرائيل باعداد غفيرة من اليهود هو الخزان الروسي اما بلدان اوروبا الغربية وامريكا وغيرها من البلدان الغربية فهي بكل الاحوال لاتعد مصدرا للهجرة اليهودية علاوة على كونها مصدرا جاذبا للهجرة اليهودية من روسيا او من اسرائيل ذاتها. وعليه فانه يمكن الاستنتاج بأن اسرائيل تتجه نحو الاستقرار من الناحية السكانية وهذا الوضع قد يساهم مستقبلا مع بعض التطورات الداخلية والخارجية في دفع اسرائيل نحو رسم حدودها السياسية وتاليا الجغرافية في سياق تحولها الى دولة عادية لسكانها وهذا على رغم ان مناخات عملية التسوية السائدة قد تغري بهجرة اعداد جديدة من اليهود الى اسرائيل, الا ان هذه الاعداد ستكون محدودة للاسباب التي ذكرناها ومع ذلك فأن الاستمرار في مواجهة ومقاومة اسرائيل, ومشاريعها والاستمرار في توتير اوضاعها الداخلية من شأنه ان يساهم في الحد من الهجرة وبالتالي الحد من مخاطرها. اخيرا لم يستطع المشروع الصهيوني, ولا دولته فيما بعد ايجاد حل للمسألة اليهودية في العالم وفق التصورات الصهيونية فلا اغلبية اليهود جاءوا الى اسرائيل ولا استطاعت هذه الدولة المصطنعة ان تقدم نفسها بوصفها ملاذا امنا لليهود, كذلك لم تنجح في اعتبار نفسها دولة يهودية خالصة ورغم ان الهجرة الى اسرائيل ساهمت دون ادنى شك في تنمية قدراتها على مواجهة التحديات التي اعترضتها كما ساهمت بتطورها الا ان التنوع الاثنى والثقافي فيها (برغم اهميته واغنائه لها) ظل يمثل احد عوامل اضعافها فالتناقضات الناجمة عن هذا الوضع كثيرة منها التناقض بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين ثم بين المقيمين والمهاجرين الجدد, ثم هناك اختلاف بين مصالح واهتمامات الاسرائيليين وبين مصالح واهتمامات التجمعات اليهودية في العالم وحول كونها مركزا ليهود العالم ام انها احد مراكزهم, مع كل مايتبع ذلك من اعتبارات كما نشأت مشاكل الهوية كذلك انتجت هذه الدولة عدة مشاكل منها المشكلة الفلسطينية والمشكلة الاسرائيلية ومشكلة الامن والسلام في المنطقة ومشكلة اولوية الانتماء بالنسبة لليهود في العالم (بين اوطانهم وبين اسرائيل) هذا فضلا عن كونها انها هي التي باتت بحاجة الى دعمهم عوضا عن ان تقوم هي بحل مشكلتهم حيث هنا يكمن مبرر قيامها من وجهة نظر قادتها. من ناحية ثانية فقد خلقت تطورات الهجرة الاستيطانية الاحلالية الى فلسطين ـ اسرائيل منذ قرن وحتى الان تعقيدات كبيرة للصراع العربي ـ الاسرائيلي لجهة وجود اعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين ومما يزيد من تعقد هذه المسألة الطبيعة العنصرية والدور السياسي ــ الوظيفي لاسرائيل في المنطقة كما يزيد منها واقع ان 60% من اليهود في اسرائيل باتوا من مواليدها وعليه فان الحل المعقول في اطار هذه الظروف والمعطيات هو الحل الذي يفتح مسار تحول اسرائيل الى دولة عادية بالغاء (قانون العودة) الاسرائيلي واعتبارها لنفسها دولة لجميع مواطنيها وبانسحابها من جميع الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة, بدورها تفتح افاق قيام دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين في اطار التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي قد تحصل في المنطقة ضمن معطيات مناسبة وبالطبع فان هذه المسارات لا تحتاج الى رؤية استراتيجية صراعية فحسب وانما هي تحتاج ايضا الى امتلاك العرب لعناصر الارادة والقوة التي تدفع بهذه الاتجاهات بدلا من التعويل على الشعارات او الارتهان للسياسات الامريكية ولنتائج الانتخابات الاسرائيلية.