في يوم الاثنين 15 ديسمبر 1947 سارت في شوارع القاهرة مظاهرات ضخمة, احتجاجا على قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين العرب والصهاينة, وتجمعت حشود المتظاهرين امام فندق الكونتننتال بميدان الاوبرا , لتستمع الى خطب ساخنة, القاها عدد من الزعماء العرب, الذين توافدوا الى القاهرة للتشاور, حول سبل مقاومة قرار التقسيم, بعد ان رفضه العرب والفلسطينيون, كان من بينهم (رياض الصلح) رئيس وزراء لبنان, وجميل مروم وزير خارجية سوريا والامير فيصل بن عبدالعزيز, وزير خارجية السعودية وملكها فيما بعد وحين جاء الدور على اللواء صالح حرب باشا, وكان وزيرا سابقا للدفاع في مصر, كرر ما قاله كل الذين سبقوه, ودعا للجهاد للحيلولة دون تقسيم فلسطين, واكد ان زمن الخطابة قد انتهى وزمن العمل قد حان, ووسط هتافات عشرات الآلاف من المتظاهرين الذين ملأوا الميدان والشوارع المتفرعة عنه, اخرج صالح حرب من جيبه قلما, القاه على الارض, وسحب من امامه سيفا, رفعه في يده, وهو يختم خطبته قائلا: تكلم السيف فاسكت ياقلم! وبعد أقل من خمسة شهور وفي 15 مايو 1948 اعلنت الوكالة اليهودية, قيام دولة اسرائيل على القسم المخصص لها بمقتضى قرار التقسيم, ودخلت جيوش ست دول عربية الى فلسطين, لكي تعيد الامن والنظام اليها وتحول دون تنفيذ هذا القرار, وبعد سبعة أشهر أخرى, شهدت ثلاث جولات من القتال, انتهت الحرب, وقد خسر العرب, نصف ما كان مخصصا للفلسطينيين بمقتضى قرار التقسيم لان السيف الذي رفعه صالح حرب,من فوق شرفة الكونتننتال, لم يفتح فمه بكلمة واحدة! وبعد اكثر من نصف قرن على ذلك التاريخ, يطرح (محمد حسنين هيكل) في كتابه الاخير (العروش والجيوش) السؤال الذي لا يزال حائراً منذ ذلك الحين: لماذا قرر العرب في تلك الايام من عام ,1948 ان يخوضوا حربا لم يكونوا يملكون اي مقوم للنصر فيها وان يشهروا سيفا كانوا يعلمون انه من الصفيح الصديء؟ وهو يحاول الاجابة على هذا السؤال من خلال وثيقة ينشرها لاول مرة, هي (يومية القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية اثناء حرب 1948) وهي كمثيلاتها في كل الجيوش سجل دونت فيه هذه القيادة كل ماصدر عنها من قرارات وتعليمات الى افرع القوات المسلحة, وكل ما وصل اليها من قرارات وتعليمات سياسية, وماتلقته من تقارير ومعلومات عن وقائع الحرب في ميادين القتال, خلال الفترة بين 15 مايو 1948 ــ تاريخ بدء الحرب ــ الى 24 فبراير ,1949 تاريخ انتهاء هذه الحرب, بتوقيع الهدنة الدائمة بين مصر واسرائيل في جزيرة (رودس) . وكان (هيكل) قد حصل على صورة من هذه اليومية التي تقع في 500 صفحة من القطع الكبير جدا (45 * 30سم) عام 1955 وباذن من عبدالناصر ضمن مشروع لم تتح له الظروف تنفيذه, للكتابة عن حرب 1948 ولم يعد اليها الا في العام الماضي في ضجة الاحتفالات الصاخبة التي اقامتها اسرائيل بمناسبة مرور نصف قرن على تأسيسها لانها تقدم تسجيلا امينا لحدث كبير كتبه شهوده بأنفسهم, بالتزامن مع جريان وقائعه, ولانها قد تكون الوثيقة الرسمية العربية الوحيدة. فمن المشكوك فيه ان يكون اي جيش عربي آخر من الجيوش التي اشتركت في تلك الحرب كانت له يومية حرب واخيرا لانه نشرها هو محاولة لمقاومة النسيان, فالأمم الكبيرة ــ في رأي هيكل ــ تتذكر لكي تحيا, لان النسيان هو الموت, والتذكر هو حالة من عودة الوعي, ربما يتحول الى فعل, اذا استطاع ان يرتب لنفسه موعدا مع العقل والارادة, وذلك ما فعله الصهاينة. ويتوقف القسم الذي نشره (هيكل) من الوثيقة عند يومية الحرب بتاريخ 17 اكتوبر 1948 على وعد بأن ينشر ما تبقى منها في جزء آخر من الكتاب, ومع انه لم يشر الى المبررات الموضوعية لهذا التقسيم, فإن التاريخ الذي توقف عنده, هو بالمصادفة تاريخ هام في مسار حرب 1948 اذ هو يواكب بداية المرحلة الثالثة والاخيرة من تلك الحرب, التي قررت فيها اسرائيل خرق الهدنة المؤقتة التي كانت قائمة, وان تشن هجوما مركزا على الجبهة المصرية, لكي تجبر الجيش المصري على التخلي عن المواقع التي كان يشغلها داخل فلسطين, بعد ان ضمنت الا تتدخل بقية الجيوش العربية في القتال, وهو الهجوم الذي استمر اكثر من عشرة اسابيع, واستهلته بغارات جوية استهدفت قصر عابدين, المقر الرسمي للملك فاروق, وقصر القبة مقره العائلي في رسالة واضحة بأن على مصر ان تفض الاشتباك بينها وبين القضية الفلسطينية! ومع ان نشر الوثيقة ذاته كان يتطلب اهتماما اكثر من (هيكل) سواء من حيث ضبط النص او تصحيح الاخطاء او التعريف بالاعلام والاماكن, او شرح المصطلحات العسكرية التي تشيع فيها, كما كانت تتطلب توسعا اكثر في التعليق عليها, فإن تعليقات (هيكل) الذكية ــ على الرغم من قلتها ــ فضلا عن نص الوثيقة ذاته, يكشف عن ان حرب 1948 كانت مزيجا بين الملهاة والمأساة, وعن ان الجيوش العربية قد دخلتها لهدف غير واضح تماما, ومن دون ان تكون مؤهلة من حيث الكفاءة القتالية الا لتحقيق الهزيمة والاهم من ذلك كله من دون تنسيق بين الجيوش التي تحارب, ومن دون ثقة كافية بين العروش التي دفعت بهذه الجيوش الى ميادين القتال. وكانت حرب 1948 هي اول اعلان رسمي عن ان قضية فلسطين هي قضية قومية تخص العرب جميعهم, ولا تخص الشعب الفلسطيني وحده, وهو شعار صحيح من الناحية الاستراتيجية, لان الذين شجعوا على اقامة اسرائيل كانوا يهدفون منذ البداية الى اقامة دولة حاجز تقطع الصلة بين المشرق العربي وبين مصر ودول المغرب العربي, لكن التفاعل مع هذا الشعار ــ على الصعيد الرسمي ــ تم في ظروف معقده منذ اعلانه, الى ان انتهى بسقوطه رسميا بتوقيع اتفاقيات اوسلو, التي حولت قضية فلسطين من قضية قومية تخص العرب جميعهم, الى قضية فلسطينية تخص الفلسطينيين وحدهم. وفي الدراسة التي قدم بها (هيكل) لوثيقة يومية حرب 1948 على الجبهة المصرية, يحاول ان يتقصى الدوافع التي قادت النظام العربي الذي كان قائما آنذاك الى خوض غمار تلك الحرب, والى التعامل مع قضية فلسطين باعتبارها قضية قومية من خلال تحليل لاوضاع ــ وربما اطماع ــ العروش الاربعة التي كانت تحكم المشرق العربي. العرش الهاشمي الكبير في بغداد وكان يجلس عليه الملك فيصل الثاني تحت وصاية خاله الامير عبدالله وبمعونة مهندس سياساته نوري السعيد, والعرش الهاشمي الصغير في عمان وكان يجلس عليه الملك عبدالله بن الحسين, والعرش السعودي في الرياض وكان يجلس عليه الملك عبدالعزيز آل سعود, والعرش المصري في القاهرة وكان يجلس عليه الملك فاروق. ويكشف الرصد الذي يقدمه الكتاب عن ان الجميع كانت تناوشهم احلام عريضة في ان يحققوا لعروشهم ولشعوبهم, مكانا افضل في اعقاب الحرب العالمية الثانية, التي تضعضعت نتيجة لها قوة الامبراطورية البريطانية, وكانت ذات نفوذ في سياساتهم وصاحبة جيوش وقواعد على اراضيهم, وان حلم استكمال الاستقلال كان يناوشهم, والامل في ان يكون كل منهم صاحب نفوذ اكبر في سياسة المنطقة, كان يشغلهم, والطموح الى زعامة الامة, سواء بتحقيق درجة من الوحدة العربية, او باحياء الخلافة الاسلامية يشغل كلا منهم... وقد وجدوا في قضية فلسطين احدى وسائل تحقيق هذا الحلم, بعد ان اثار ما تعرض له الفلسطينيون من ارهاب صهيوني تعاطفا شعبيا عارما في كل انحاء العالم العربي. ولم تكن تلك الاحلام ــ كما يقول (هيكل) ــ مجرد اوهام شخصية للجالسين على تلك العروش, ولكنها كانت تعبيرا واعيا او غير واع, عن حقائق استراتيجية فرضتها دواعي الجغرافيا والتاريخ في المنطقة, ولم تكن التناقضات بين الحالمين الاربعة بعيدة ــ كذلك ــ عن تلك الحقائق: تناقض داخل الاسرة الهاشمية يعود الى ان الظروف قضت بأن يتولى الملك (عبدالله) ــ اكبر ابناء الشريف حسين عرش الامارة الاصغر, من حيث المساحة والامكانيات وهي شرق الاردن, بينما تولى شقيقه الاصغر الامير فيصل الاول, المملكة الاكبر والاغنى وهي العراق وتناقض بين الهاشميين وبين السعوديين فكان من نتيجة ذلك ان فقد عميد الهاشميين الشريف حسين عرش الحجاز وتحالف بين العرشين السعودي والمصري يسعى للحيلولة بين الهاشميين وبين ضم سوريا الى العراق والاردن في مشروع الهلال الخصيب, حتى لا تقوى شوكتهم في المنطقة فيصبحوا مركز الثقل فيها, وقد يفكرون في استرداد ما فقدوه! وحتى الاسبوع الاخير من ابريل ,1948 لم يكن قرار دخول الجيوش العربية الى فلسطين واردا, لدى احد من الجالسين على العروش الاربعة, على الرغم من ان بريطانيا, كانت قد اعلنت بالفعل انها ستنهي انتدابها على فلسطين يوم 15 مايو 1948 ومن ان الوكالة اليهودية كانت قد اكدت انها ستعلن قيام دولة اسرائيل في ذلك التاريخ. وكان الاتجاه السائد لدى العرب جميعهم بما في ذلك القيادة الفلسطينية, هو ان اقصى ماهو مطلوب من الجيوش العربية, هو ان تحتشد على حدود فلسطين كنوع من الدعم المعنوي والردع غير المباشر, واقصى ماهو مطلوب من الدول العربية هو ان تمد الفلسطينيين بالسلاح, وبالخبرات العسكرية ليواصلوا القتال وهو ما كان يبدو ــ حتى ذلك الحين ــ حلا يرضي كل الاطراف, فمن الناحية السياسية كان كل طرف يتخوف من ان يضم جيش الطرف الآخر, ما حرره من اراضي فلسطين الى مملكته, فيتقوى بها على الآخرين, وهو الهاجس نفسه الذي كان يشغل القيادة الفلسطينية التي كانت تطمح هي الاخرى في تأسيس عرش خامس في المنطقة يجلس عليه الحاج امين الحسيني. ومن الناحية العسكرية, فقد كان الجميع يعلمون ان الاقطار العربية, كانت عروشا بلا جيوش بالمعنى الحقيقي للكلمة لا من حيث العدد ولا من حيث التسليح, ولا من حيث خبرة القتال, ولا حتى من حيث المعرفة بميدان القتال. وكان الملك عبدالعزيز آل سعود, هو اكثر الجميع صراحة ووضوحا, فهو مستعد لبذل كل جهد في سبيل القضية الفلسطينية وان يدعم ــ بالمال ــ كل الذين لديهم استعداد للقتال, اذ ليس لديه جيش يشارك به في القتال. وكان الملك عبدالله هو اكثر الجميع عملية وواقعية ومع ان جيشه كان اكثر الجيوش العربية استعدادا لدخول المعركة, بحكم معرفته بالارض, بل ووجود قسم منه بالفعل على جانب من الضفة الغربية لنهر الاردن, فقد كان يدرك ان ميزان القوى ليس لصالح العرب, وايامها قال لرياض الصلح رئيس وزراء لبنان لا تغامروا بجيوشكم في فلسطين لان اليهود اقوى, ولو انني خرجت الى قطيع من الماعز وسألت اول كبش فيه عن رأيه في دخول الحرب, لسألني: كم حجم قواتك وكم حجم قوات الخصم, ولكن بعض الساسة العرب لايظهرون حكمة كبش الماعز! وربما لهذا السبب, ولاسباب اخرى كان ميالا لقبول قرار التقسيم وسعى بالفعل للاتفاق مع البريطانيين على ان يتم ضم القسم المخصص للفلسطينيين بمقتضى قرار التقسيم الى شرق الاردن, وبذلك يتوقى الطرفان خطرين ماحقين: ان يستولي اليهود على كل فلسطين, او ان يقام على القسم الفلسطيني منها عرش يجلس عليه الحاج امين الحسيني الذي لم يكن الطرفان: يحسنان الظن به. وكان الملك عبدالله, يدرك ان نجاح خطته رهين بعدم دخول مصر الحرب, اذ لو لم تفعل فلن يدخلها احد وبذلك تتهيأ الظروف لتنفيذ ما اتفق عليه مع البريطانيين! ومع ان الملك فاروق ــ كما يقول هيكل ــ كان معرضا لمشاعر حماسة قومية دعته الى الاعتقاد بأنه يتحمل واجبا قوميا لا يصح له ان يتقاعس عنه, والا فقدت مصر مكانتها في العالم العربي, فقد كان يدرك ان جيشه ليس في حالة تسمح له بالدخول في حرب, وكان يشك بالدخول لأن قوات الاحتلال البريطاني في قناة السويس لن تسمح بالعبور الى سيناء او حتى بدخول فلسطين, وظل ذلك موقفه حتى الاسبوع الاول من شهر مايو, فانقلب الى النقيض. اما السبب الرئيسي في ذلك فيعود الى اشارات بريطانية, اوحت له ــ ولكل الملوك العرب ـ بأن بريطانيا ضاقت ذرعا بغرور الصهاينة, وانها لا تمانع اذا قام العرب بتأديبهم, شريطة الا يتجاوزوا حدود قرار التقسيم, وفي سبيل ذلك عقدوا معه صفقة سرية, تسمح للجيش المصري بأن يسرق من المخازن البريطانية بقاعدة قناة السويس, ما يحتاج اليه من الاسلحة والذخائر. اما لماذا فعل البريطانيون ذلك, مع ان انشاء دولة يهودية في فلسطين, كان هدفا بريطانيا اصيلا, فلأنهم كانوا واثقين ان الصهاينة سيؤدبون الجيوش العربية اكثر مما تؤدبهم يؤدبونها, وبذلك يلتزم العرب, الذين كانوا يطالبون بالاستقلال التام آنذاك, حدود الادب, ويقبلون باتفاقيات الدفاع المشترك, وانهم كانوا يخططون لتصعيد النزاع بحيث يتحول الى صراع دائم, فاذا قضت الظروف برحيلهم عن المنطقة, اشتدت حاجة كل الاطراف, الى تدخلهم في شؤونهم! وهكذا افتقد العرب لحكمة كبش الماعز, فسكت القلم, ولم يتكلم السيف!