لا يمكن لأكثر أنظمة العالم دقة وموضوعية ومنفعة ان ينجح دون ان تتوفر له بيئة مساعدة على النجاح, والبيئة هنا تعني الكثير, انها تفاصيل المناخ والأسمنت والموازنة المالية , وأنظمة الادارة, والقوانين الضابطة لحركة الناس وسير العمل, ومستوى التحضر, والزمن الذي يستغرقه تنفيذ النظام, والبشر الذين يقومون بعملية التنفيذ, وعقليات التفكير السائدة, وطرق التعاطي مع الأزمات وادارة المشاكل و... إلخ. وعليه فإن نظاما ناجحا في اسكندنافيا أو الولايات المتحدة لا يمكنه بأي حال من الأحوال ان ينجح في الكونغو أو بنجلاديش مثلا أو حتى في الامارات, لكل الاعتبارات التي ذكرناها, إلا إذا تطابقت تفاصيل بيئة اسكندنافيا مع تلك الموجودة في الكونغو! من هنا انطلقنا في حديث الأمس, حيث كانت الفكرة الأساسية هي توفير بيئة صالحة لتطبيق نظام ناجح وفعال كنظام اجازة يومي الخميس والجمعة. بالنسبة لنظام الاجازة هذا فقد لا تحتاج وزارة الزراعة أو البلدية مثلا إلى تغييرات جذرية أو ترتيبات معقدة لتنفيذه, فربما كانت البيئة هنا مناسبة لتطبيق النظام بسلاسة, بينما تحتاج وزارتا الصحة والتربية والتعليم إلى مزيد من الجهد والتغيير للعمل بهذا النظام. وقد ذكرنا ان وزارة التربية إذا لم توفر مناخا سليما لتنفيذ هذا النظام, فإنها ستزيد مشاكلها مشاكل أخرى جراء تطبيق هذا النظام بعيدا عن ضمانات نجاحه التي تحدثنا عنها أيضا في مقال الأمس. لقد جاءنا العديد من التحفظات من قبل المعلمين والمعلمات حول جدوى حصة الكيمياء أو الرياضيات أو غيرها من المواد الدسمة والثقيلة حينما تدرج في الترتيب السابع أو الثامن لجدول الحصص اليومي, علما بأن استيعاب الطلاب والطالبات لهذه المواد حسب النظام القديم, وحينما كان ترتيب الحصة الأخيرة والسادسة (تمام الساعة الواحدة ظهرا) كان استيعابا ضعيفا وكانت المدرسة تعتبر الحصة في عداد الحصص المفقودة أو عديمة الجدوى, فتلجأ إلى حل المسائل أو المراجعة بدل شرح درس جديد! من هنا فقد بدأ الصراع مبكرا لرفض هذه الحصص الأخيرة من قبل معلمي المواد العلمية وغير العلمية أيضا, كل هذا مع الأخذ بعين الاعتبار قضية حرارة الجو طوال العام, وسوء حالة الفصول وكثافتها, مع سوء حالة المكيفات, وشكل المبنى المدرسي المفتوح, وقلة المساحات الخضراء والمزروعة, وانعدام قاعات الراحة وقاعات تناول الوجبات في المبنى المدرسي. من هنا نطرح وبشدة قضية المراجعة الجذرية لطبيعة وهندسة المبنى المدرسي, ناهيك عما ينتظر الطلاب والطالبات من مواصلات غير مكيفة وغير معدة بشكل جيد لنقل طلاب مدارس مرهقين في تمام الساعة الثالثة وما بعدها وفي درجات حرارة تفوق الأربعين مئوية. في كل هذه الظروف مطلوب من الطلاب والطالبات التعاطي الايجابي مع النظام, وتقبله بروح رياضية, دون أدنى محاولة للغياب أو التسرب أو الهروب أو التقاعس عن أداء الواجبات, أو (السَّرَحان) في الحصة, أو النظر في الساعة انتظارا للفرج, أو الشعور بالارهاق في شهر مايو أو سبتمبر, أو التمرد على أوضاع الحافلات أو الطابور أو سيل الاختبارات أو معاملة بعض المعلمين أو... أعتقد بأن ميدان المدارس سيكون حافلا في الفصل الدراسي المقبل.