إنقلب السحر على الساحر, إذ بعد إتهام الحكومة البريطانية لليمن بمسؤوليتها عن قتل ثلاثة من مواطنيها ضمن 16 سائحا أجنبيا كانت قد اختطفتهم جماعة الجهاد خلال تجولهم بأسواق محافظة أبين يوم 28 ديسمبر الماضي , والى حد استدعاء الخارجية البريطانية حسين العمري سفير اليمن في لندن ثلاث مرات للإعراب عن إستيائها, إذا بالتحقيقات التي قامت بها السلطات اليمنية حول الحادث, تؤكد على أن المسؤولية تقع على أم رأس بريطانيا, حين سمحت بإيواء جماعات الارهاب الأصولي في أراضيها, والتخطيط لعملية خطف السواح في اليمن. وكانت بريطانيا قد بادرت الى إرسال فريق من جهاز (سكوتلانديارد) الى اليمن للتحقيق في الحادث, ثم لحقه فريق آخر من مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي, لكن الحكومة اليمنية رفضت تسهيل مهمتهم, وإعتبرتها تدخلا سافرا وتجاوزا لخطوط السيادة الحمراء, الأمر الذي كاد يؤدي إلى أزمة دبلوماسية حادة بين صنعاء وكل من لندن وواشنطن, فيما حاولت بريطانيا الإنتقام الفوري تارة عبر إعلان رفضها إنضمام اليمن الى منظومة الكومنولث, بدعوى أن المعايير المطلوبة للعضوية غير متوفرة في اليمن, وتارة عبر إتهام (كوماندوز) الأمن اليمني بإطلاق النار أولا على الخاطفين دون إتاحة الفرصة للتفاوض على تحرير السواح المختطفين بسلام, مما دفعهم الى قتل ثلاثة بريطانيين وسائح رابع يحمل الجنسية الاسترالية. وزاد الطين بلة, عندما وجهت بريطانيا وأمريكا والمانيا رعاياهم الى مغادرة اليمن أو مجرد تحذيرهم من زيارة محافظاتها الجنوبية, في محاولة لتفريغ شركات البترول ومشاريع التنمية من الخبراء الأجانب, ووقف سيل السواح الذى كان قد بدأ يتدفق على اليمن بمعدلات متزايدة في السنوات الأخيرة, لكن يشاء القدر أن يكشف رئيس وزراء اليمن الدكتور عبد الكريم الارياني عن أن وزير خارجية بريطانيا السابق مالكولم رينكند كان صاحب مبادرة إنضمام اليمن الى الكومنولث خلال زيارته صنعاء عام ,1996 وقال الارياني إذا كانت حكومة العمال قد إتخذت نهجا مغايرا فهذا شأنها وحدها. من جهة أخرى كانت شهادة عدد من المختطفين الذين تم تحريرهم بمجرد وصولهم الى لندن, بمثابة صفعة لبريطانيا, حيث أكدوا على أن الخاطفين كانوا البادئين بإطلاق النار, وأن السلطات اليمنية لم تمارس معهم أيا من ألوان الضغوط أو الترغيب حتى يشهدوا لصالحها, ولولا تدخل الكوماندوز في الوقت المناسب, لكان الخاطفون قد نفذوا تهديدهم بقتل جميع السواح تباعا! على أن تصاريف القدر كانت تخبىء مفاجأة مدوية لصالح اليمن, فإذا كانت اليمن بحكم وراثتها لأوضاع إجتماعية وسياسية معقدة منذ قيام دولة الوحدة, إضافة الى الانعكاسات السلبية التي افرزتها عملية تسلل العرب الأفغان الى أراضيها نهاية الحرب ضد الوجود السوفييتي السابق في أفغانستان, وكذا تدفق آلاف النازحين المروعين بالحرب الأهلية في الصومال, وهو ما أدى في جملته إلى ظاهرة الاختلال الأمني, فالشاهد أن عملية التمشيط الواسعة النطاق التي قامت بها الأجهزة اليمنية مؤخراً لترحيل المتسللين والنازحين الى بلادهم, أسفرت عن إكتشاف خلية أصولية ضخمة يحملون الجنسية البريطانية من أصول يمنية وجزائري واحد يحمل الجنسية الفرنسية وباكستانيين لم يعرف عددهم بعد! والملاحظ أن سلطات الأمن اليمنية كانت قد نجحت في القبض على عناصر الخلية قبيل حادث إختطاف السواح الأجانب بخمسة أيام, وفي حوزتهم وثائق وخرائط تؤكد عزمهم على تنفيذ عمليات أرهابية ضد مبنى الأمم المتحدة وسكن خبراء إزالة الالغام الأمريكيين وفندق موفنبيك ومبنى كتيبة البادري والقنصلية البريطانية في عدن, لكن الأمن اليمني تكتم على واقعة اكتشاف الخلية الى حين إنتهاء التحقيق مع عناصرها, فما أن طالب الخاطفون بالإفراج عنهم ضمن مطالبهم برفع الحظر الدولي. واللافت للنظر أن معظم الجماعات الأصولية في بريطانيا نظمت مظاهرة عارمة في برمنجهام تطالب بالإفراج عن أقرانهم المعتقلين على ذمة التحقيق أو المحاكمة في اليمن, رغم اعترافهم الكامل بجرائمهم, وأنهم تدربوا على العمليات الأرهابية في بريطانيا على أيدى ضباط سابقين في الجيش البريطاني, وبعدها توجهوا الى اليمن تحت ستار زيارة ذويهم وتعلم اللغة العربية, حيث كانوا على إتصال دائم بالشيخ المصري عبر الأقمار الصناعية, وتلقوا توجيهاته بارتكاب سلسلة من الحوادث الأرهابية والتعاون مع جماعة الجهاد اليمني في عملية إختطاف السواح الأجانب, وأن يصب المتظاهرون في برمنجهام جام غضبهم على الحكومة البريطانية لدعوى تقاعسها عن بذل مساعيها للإفراج عن المعتقلين كونهم يحملون الجنسية البريطانية! ولاشك أن قنصل بريطانيا في عدن ديفيد بيرس بعد لقائه بهم واطلاعه على سير التحقيق معهم, قد نقل إلى السفير البريطاني فيك أندرسون مايفيد حسن معاملتهم وتورطهم في الارهاب وإنطلاقه من أوكاره في بريطانيا الى اليمن, وهو نص المكاملة الهاتفية الاحتجاجية التي أجراها الدكتور الارياني مع وزير الخارجية البريطاني روبين كوك, بمايعني أن اليمن وبريطانيا كلاهما يعاني وطأة الاختلالات الأمنية, وأن ما جرى من إرهاب على أرض اليمن وفي مصر من قبل, نخطىء كثيرا إذا إستبعدنا أن يكون لغرض في نفس يعقوب, وإلا لماذا تصر بريطانيا على فتح أبوابها لمختلف الوان الطيف الأصولي والإرهابي, وتسمح لهذه الجماعات بنشر فكرها الظلامي من منابرها السياسية والإعلامية, ولماذا لم ترفض الاستجابة لالحاح القاهرة إزاء تحجيم هذا النشاط وكبح جماح شروره! قلبي مع الشعب اليمني وهو يواجه ويلات تصدير الارهاب وإثارة الفتن وتفجير التناقضات الموروثة منذ قيام دولة الوحدة ونجاحه في دحر المؤامرة الانفصالية, واصراره على السير قدما على طريق الديمقراطية, ومن هنا نحسب انه لابديل عن حماية المكتسبات, إن لم تبادر السلطة المركزية الى فرض هيبة القانون وبسط الأمن والاستقرار في مختلف ربوع اليمن! كاتب مصري