من الممكن القول ان العقدين المقبلين ربما يشهدا تبلورا جديدا للعلاقات الدولية. واذا كان الاقتصاد بالدرجة الاولى, والعسكرية بالدرجة الثانية هما عاملا ذلك التبلور , فإن مرور عقدين كاملين يبدو كافيا لاكتمال تبلور النمو الاقتصادي لبعض الدول, يتبع ذلك النمو العسكري والتوجه الاستراتيجي لتلك الدول. وينطبق ذلك افضل ما ينطبق على الصين وألمانيا بشكل خاص, غير انه يشمل ايضا دولا اخرى كاليابان والأرجنتين والبرازيل وجنوب افريقيا. استنطاق التاريخ ولأن المنظرين الأمريكان ذوي حس حاد بالتاريخ وسننه, وعوامل نشوء وانهيار القوى العالمية والاقليمية, فقد تسابقوا لاستشفاف مآلات الوضع الاستراتيجي في القرن المقبل, بهدف الاستبصار أولا, ثم بهدف توطيد القوة الاستراتيجية الأمريكية كقوة غالبة, ان لم تكن أحادية القطبية, ليس خلال العقدين الأولين من القرن المقبل, وانما لطوال ذلك القرن على اقل التقدير. ان من طبائع سنن تاريخ العلاقات الدولية ان الدول تتجه الى التحالف, وانها تتجه الى نسخ تحالفاتها, وانشاء تحالفات جديدة, كلما تغيرت أوزان القوة النسبية لتلك الدول. وهذا ما بدا واضحا عند تقهقر قوة المعسكر السوفييتي, اذ لم تكثف الدول التي كانت دائرة في فلكه بالانسلاخ منه, وانما تسارعت نحو الانضمام الى حلف الناتو, ولو فتح لها المجال لدخلت جميعا في اطار ذلك الحلف, غير ان الامر خضع لتقديرات حلف الناتو وحاجاته الاستراتيجية الى بعض المواقع والقوى الجديدة دون الأخرى. وانطلاقا من تلك القناعة تعمل الولايات المتحدة بأفق مستقبلي لتكوين حلف عالمي جديد, ليس هو بالضرورة حلف ناتو, وانما بناءً عليه. لقد ادى حلف الناتو أغراضه التاريخية, وآن له ان ينحل, كما انحل حلف وارسو. فقد أنشىء حلف الناتو ليؤدي مهام التصدي للتحدي السوفييتي خلال سنوات الحرب الباردة. والدول عادة ما تضطر لتكوين الاحلاف لمواجهة امثال تلك الاخطار التي تفوق قدرة كل دولة على انفراد للتصدي لها, وتكون الفرضية الاولى في ميثاق الحلف, ان الاعتداء على اية دولة في الحلف, هو بمثابة اعتداء على جميع دول الحلف. ولكن اذا اندثر ذلك الخطر, واضمحل احتمال الاعتداء, فمن الطبيعي ان يبدأ الحلف المعتاد دورة الضعف والتراجع والاندثار, وهذا أبلغ الخطر على الاستراتيجية الامريكية, لأنه يشعر دول اوروبا بالاستغناء عنها وعن حمايتها, بل ربما اتجه بها الى تكوين تنظيم تحالف جديد لأغراض أخرى, وباستقلال تام عن المحور الأمريكي. ومن هنا جاءت المبادرة الأمريكية بتوسيع حلف الناتو, وهي بمثابة بناء جديد, أو الشروع في بناء حلف مستقبلي جديد بأهداف اكبر من مجرد مقاومة التحدي الروسي. الأهداف المستبطنة لقد قُدمت تبريرات وحيثيات كثيرة لخطوة توسيع الناتو, ولكنها قضت جميعا دون اعطاء الهدف الاصلي لتلك الخطوة التاريخية. وفي الخطوات التاريخية الخطرة دائما ما يقتصر الاعلان مهما تكثف عن تبيان الغرض الاصلي, أو ربما تكثف ذلك الاعلان بغرض التعمية لا بغرض الايضاح وفي هذا السياق فقد ذكروا ان دول أوروبا الشرقية (بولندا والمجر والجمهورية التشيكية) هي التي طلبت ان تنضم الى الحلف, وان الامر تم فقط استجابة لرغبة تلك الدول. وذكروا ان الهدف هو توسيع الجهود لتطويق الارهاب, وانتشار اسلحة الدمار الشامل, والهجرة غير المنظمة, وذكروا هدفا سياسيا ليس من شأن الاحلاف العسكرية ان تحققه وهو نشر الديمقراطية عبر العالم, وعلى استحياء ذكروا ان الهدف الروسي لا يزال ماثلا اذ ان روسيا تحتفظ بعشرين الف رأس نووي, وانها لا تزال تحتفظ ببعض قواتها خارج حدودها داخل أوزبكستان وطاجيكستان لتدعيم هذين النظامين الشيوعيين ضد الحركات الاسلامية. لم يكن التبرير الأخير تبريرا أصيلا لأن موضوع الرؤوس النووية ظل موضوع تفاوض لا تستعجل أمريكا انهاءه بينها وبين روسيا, وظلت روسيا على استعداد لتخفيض ترسانتها النووية كلما خفضت امريكا كماً مقابلا من ترسانتها النووية. اما الابقاء على نوع من السيطرة الروسية على الدول الاسلامية في آسيا الوسطى, فقد تم بتخطيط امريكي/أوروبي, اذ حرص الغرب على تحرير كافة الرقع السوفييتية السابقة, من الأثر الشيوعي, الا الرقع التي تمت بصلة الى العالم الاسلامي, شأن أوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان, وحتى ألبانيا الأوروبية. و لم يذكر احد ان احد اهداف الحلف القادم هو انهاء الاحلام الروسية الى الابد. ان روسيا دولة تاريخية, داعبتها في الماضي احلام القوة والتوسع. والمطلوب هو تقليص قوتها الى اقصى حد وعزلها عالميا, وتفريغها من أي امل جديد في النهضة والسباق العالمي. وقد عوملت روسيا هنا, مثلما عوملت فرنسا في اعقاب حروب نابليون. فلتخليص فرنسا من احلام التوسع والسيطرة, فقد تم استبعادها من كل ترتيبات النظام الاوروبي الجديد, (أو الذي كان جديدا في ذلك الوقت) , وتم حذفها من معادلة توازن القوى التي قامت آنها على اكتاف كل من روسيا وبروسيا والنمسا وبريطانيا. ولذا رفضت كل مطالب روسيا الآن بأن تستقطب في اطار الحلف, حتى ولو على مستوى سياسي لا عسكري. فقد رفض الطلب الروسي لنيل حق التصويت في الحلف, بدعوى انه سيعرقل عملية اتخاذ القرارات في رئاسة الحلف ورفض طلب روسيا ايضا ببعث (مراقبين) في مواقع الحلف القريبة من حدودها, او تلك التي يمكن ان تستهدفها, وهكذا جردت روسيا من اي مطمع في الالتحاق بالحلف, وصُورت وكأنها هي المستهدفة به, مثلما بدا وضع ألمانيا مهينا ومعزولا بمقتضى معاهدة فرساي عقب الحرب العالمية الاولى. ومثلما بدا وضع فرنسا مشبوها منذ الحروب النابليونية, وحتى قيام الناتو حيث لم تعط فرنسا حق العضوية كاملا أول ما نشأ حلف الناتو, وانما أعطيت في البدء صفة المراقب فقط. وهكذا يبدو حلف الناتو في صورته الجديدة التي تمثل نواة لصورته المستقبلية, خطرا كبيرا على روسيا وهو في الواقع اشبه ما يكون بالاسفين الاخير الذي يدق على بقايا جسد الامبراطورية الروسية, لافهامها انها اصبحت ــ ويجب ان تظل الى الابد ـ دولة قومية, لا كونفدرالية, ولا امبراطورية, ولا أممية ذات حلف يضيف الى قوتها الذاتية ولا ينحصر خطر الناتو الجديد على روسيا, فهو في الواقع خطر على جميع الدول التي لم تلتحق به اذ انه يبدو وكأنه مشروع حكومة عالمية, أو أمم متحدة جديدة, محدودة العضوية, وذات ذراع عسكرية ضاربة, هذا رغم عدم الفاعلية التي تبدو عليه حاليا, فالحلف يبدو حاليا خامل الحركة والذكر, ولا يريد ان يتدخل بأدنى مجهود حتى لقمع مسعري الحروب الأهلية داخل أوروبا ذاتها, وما تباطؤه في شأن مذابح الألبان الــ 44 في الاسبوع الماضي الا ابلغ دليل على ذلك. حلف الصين ويمثل الناتو الجديد تهديدا عسكريا لقوة الصين الصاعدة, ان فرص الصين في استقطاب حلفاء اصلا محدودة. وقد اجتهدت كثيرا في سبيل الاستقطاب الدولي, ولكنها لم تخرج بنتائج ذات بال, وهي الآن تحاول ان تخفي عجزها في هذا المضمار, باعلان ما تسميه بسياستها الخارجية الجديدة المستقلة, التي تنأى عن التحالف مع أي قطب عالمي, كما تعلن مرارا وتكرارا انها مطمئنة الى اوضاع النظام العالمي الحاضر, حيث تنعم الصين ولأول مرة في تاريخها الحديث, بعلاقات غير سافرة العداء, مع كل من روسيا وأمريكا معا. ولكن ما يضمره القادة الصينيون هو ان اي خطر قادم على بلادهم لابد ان يأتي من قبل امريكا او بتدبيرها, وأكثر ما يتوقاه هؤلاء هو محاولة عزل الصين, أو الاصرار على امضاء سياسات شبيهة بالسياسات الغربية في القرن الماضي بخصوص غزو الصين تجاريا وثقافيا, وفي مواجهة ذلك الخطر لابد ان تعد الصين لسياسة تحالفات ناجعة تضيف بها رصيدا جديدا الى رصيد قوتها الذاتية. وسيبدأ ذلك المشوار باستثمار التناقضات بين الدول الاوروبية والولايات المتحدة لاختراق تلك الجبهة على مستويات مختلفة على صعيد الاقتصاد والقوة العسكرية, كما قد تتجه الصين الى احياء سياستها (الماوية) القديمة في انشاء (الجبهة المتحدة) ضد الامبريالية, وربما عملت على ضم كل من روسيا واليابان الى تلك الجبهة, وذلك رغم صعوبة ذلك من الناحية العملية, كما ستعمل على تطوير تحالفاتها, غير المؤثرة حاليا, مع كل من باكستان وكوريا الشمالية, وربما ضمت القائمة ايران وبعض دول الباسفيكي الصغيرة الشأن مستقبلا. اما ما يلوح وينذر به الاكاديمي المغرض صمويل هنتنجتون من اقامة التحالف الاسلامي/الكونفشيوس, فيبدو احتمالا بعيدا لا ينهض على اية مقومات, انما يعشش فقط في مخيلة هنتنجتون, التي تتصور اوهاما كثيرة, وتصورها في شكل اخطار تهدد حضارة الغرب وتنذر بصراع الحضارات المزعوم. لكن نهضة الصين كقوة عظمى, تضارع قوة امريكا, امر اصبح مفروغا منه. الامر الوحيد الذي يصعب ــ بل يستحيل ــ تصوره هو وجود دولة عظمى بلا حلفاء, فهذا هو التحدي الاكبر, في مجال العلاقات الدولية, بالنسبة لصين القرن الحادي والعشرين. استاذ العلاقات الدولية ــ المسيسبي