حتى بيانات الشجب والاستنكار العربية والإسلامية بشأن محنة مسلمي كوسوفو غابت هذه المرة! ويبدو ان تهيئة الأجواء المناسبة للاحتفالات الخاصة بمناسبة العيد ألجمت تلك المصادر العريقة في ذلك النوع من البيانات . وإلا كيف يمكن تفسير ذلك الصمت المشين للعالمين العربي والإسلامي ازاء محنة مأساوية كتلك التي تواجه سكان الاقليم المنكوب. أو ربما كان هناك سبب آخر لحالة التردي التي تمر بالأمة, وهو ان الناس قد أصابهم نوع من التلبد بسبب كثرة بيانات الاستنكار وعدم جدواها. بحيث لم تعد تثير أي رد فعل أو حماس لدى مستمعيها أو متلقيها. المفارقة التي تستحق الذكر ان مجزرة كوسوفو الأخيرة أنتجت بيانات مماثلة لكنها كانت غربية لا عربية ولا إسلامية. فقد حملت الدول الأوروبية ومنظماتها لواء الشعارات التي كنا نحسبها صناعة عربية خالصة لا ينافسنا فيها ولا يشاركنا فيها أحد من العالمين. وقبل أن ننسب إلى التحامل أو التجني دعونا نصف الحدث نفسه. فربما كان أمرا عاديا لا يستدعي تلك الضجة التي كنا نتوقعها أو نرجوها. ومن ثم فإنه لا يعد مبررا كافيا لتحمل عناء اصدار مثل تلك البيانات ذات العيار الثقيل! الحادثة التي وصفت بالمجزرة وقعت في يوم الجمعة 14 يناير ,1999 وفي شهر رمضان, وهو شهر له وضعه الديني الخاص في نفوس المسلمين. وقد حدثت المذبحة بعد أن اقتادت القوات الصربية خمسة وأربعين من الألبان المسلمين, بينهم عدد من الأطفال إلى تلال قريبة في جنوب اقليم كوسوفو, ثم أطلقت عليهم النار وألقت بجثثهم في خندق. أثارت الحادثة البشعة ضجة كبرى في أوساط المراقبين الغربيين, خاصة بعد أن تبين ان الضحايا كانوا من المدنيين العزل سيقوا غدرا إلى ذلك الموقع للقاء حتفهم على النحو الذي تقدم. ويضيف وليام ووكر رئيس بعثة المحققين الدوليين الذي قام بزيارة موقع المجزرة ذلك الحدث بقوله: إن المشهد بدأ كساحة إعدام. ومن الصعب العثور على كلمات.. إنه أبشع حادث رأيته في حياتي.. انه أبشع حادث رأيته رغم ما مر علي من مواقف مروعة.. ان ترى جثثا مثل هذه.. الوجوه مشوهة لانه من الواضح أن النار أطلقت من مسافة قريبة من رؤوسهم. مجزرة رمضان ... حادثة أم مخطط مستمر؟ يجب أن ننتبه جيدا عند وصف تلك المجزرة التي ارتكبها صرب البلقان في شهر رمضان. فلا يمكن اختزالها أو قطعها عن الظروف والملابسات التي سبقتها, أو تلك التي صاحبتها. فالسياق الذي جاءت فيه الحادثة, وكذلك الحوادث السابقة, يؤكد على عدة أمور أساسية أهمها ان هناك تصورا مغيبا لحقيقة الصراع بين الطرفين الصربي والألباني. والأمر الآخر ان مسلسل الحوادث الصربية ضد مسلمي كوسوفو يأتي في اطار مخطط له برامجه ومنفذوه وعندما نزعم بأن تلك الحادثة تأتي في اطار ذلك السياق المنظم فإن لذلك ما يؤكده في تاريخ العلاقة بين الجانبين ولو ركزنا على العقد الأخير في تاريخ هذه العلاقة لتبين ان هذه الفترة شهدت تحولات هامة ــ سوف تسهم بلا شك ــ في شأن الوجود الإسلامي هناك. ليس فقط في اقليم كوسوفو وإنما في منطقة البلقان بأسرها. والمرحلة المعنية بدأت بتحولاتها الخطيرة عندما أعلن الزعيم الصربي المتطرف سلوبودان ميلوسوفيتش في عام 1989 الغاء الحكم الذاتي الممنوح لاقليم كوسوفو. كما قام بالغاء الصبغة الرسمية للغة الألبانية بالمدارس. والعمل على تغيير المناهج الدراسية. هذا الانقلاب المثير في الموقف الصربي من مسلمي كوسوفو حدث بعد فترة اتسمت بالهدوء والاستقرار النسبيين في ظل الاتحاد اليوغسلافي الذي منح الاقليم في عام 1974 حكما ذاتيا. كما منح مسلمي الاقليم حرية التدريس باللغة الالبانية, واحترم أيام العطلات الإسلامية, ومنح الاقليم العضوية بالفيدرالية الرئاسية. منذ ذلك الوقت وحتى الآن شهدت ساحة كوسوفو حملات تطهيرية عرقية منتظمة استهدفت الألبان المسلمين. وبحيث كانت حوادث القتل والتصفية الجسدية والاعتقال والتهجير من المسائل التي اعتاد عليها سكان الاقليم. لكنها اشتدت في السنة الأخيرة عندما شعر المسلمون هناك بأن الوجود الإسلامي مستهدف في كيانه وهويته الثقافية. وتبع ذلك تطورات أهمها بروز حركة الجيش السري لتحرير الاقليم. وفيي سياق جهود الصرب الحثيثة لتنفيذ مخططهم جرى تسليح المدنيين الصرب تمهيدا لاستخدامهم كقوات اضافية للمواجهة المحتملة مع الألبان في المدن الرئيسية في الاقليم. وشهد هذا الشهر (يناير 99) على وجه التحديد عدة حوادث هامة في اطار حملات الصرب منها عملية كبرى لطرد السكان الأصليين من قرية درامتشاك, بعد أن تعرضت القرية لقصف مدفعي شديد. إنه صراع وجود عندما سئل طاهر مصطفى, ممثل مشيخة كوسوفو في القاهرة عن الأبعاد الحقيقية لطبيعة الصراع الذي يدور حاليا في كوسوفو قال: الصراع الذي يدور في كوسوفو له أبعاده العرقية والدينية والسياسية, فمن حيث البعد العرقي فالشعب الألباني عرق مختلف تماما عن الشعب السلافي وبقية الشعوب الأخرى الموجودة في منطقة البلقان وأوروبا بصفة عامة, وهو شعب من سلالة أقدم القبائل التي كانت تعيش في البلقان, ورغم أن هذه حقائق تاريخية لاتقبل الشك, فإن الصرب يحاولون الآن نفي صلة الألبان الحاليين بقدماء الألبان (الأليريين) كما يحاولون إثبات أن الألبان منحدرون من أصول تركية, ومن الناحية الدينية فلا توجد دولة أوروبية تحاول أن تساعد فعليا في حل قضية كوسوفو وحصول الألبان على حقوقهم كاملة فالشعب الوحيد في أوروبا الذي تم تجزئته إلى دويلات صغيرة هو الشعب الألباني المسلم, لأن الدول الأوروبية لا ترغب في أن يتوحد الشعب الألباني في دولة واحدة, لأنهم بذلك سوف يكونون دولة ألبانية إسلامية كبيرة, من المؤكد أنها ستؤدي إلى اختلال توازن القوى في منطقة البلقان. (ملف البيان السياسي ــ عدد 390 ــ 6/11/1998) في مقام سابق نقلت عن رادينوي بابوفيتش, الرئيس الصربي لجامعة بريشتينا بكوسوفو وصفه للصراع بين الصرب والألبان حيث قال: انه لن يسمح بوجود تعليم آخر يسعى الى ترسيخ هوية أخرى غير الصربية, هذه العبارة الأخيرة توجز معاناة شعب كامل بسبب معتقده الديني وهويته الثقافية التي يسعى إلى المحافظة عليهما, وذلك في ظل تعصب صربي جارف ليس لديه مانع في إبادة (كل شيء) في سبيل إزالة (الآخر) . ولاشك أن معاناة أهل كوسوفو بكل تجلياتها وأبعادها تستدعي تساؤلا آخر يستحق أن نقف عنده, وهو المتمثل في كيفية وقف تلك المأساة المتجلية في قلب أوروبا, وعلى مشارف القرن الواحد والعشرين الذي لايفصلنا عنه سوى شهور قليلة. من يوقف الصرب؟ في ظل الواقع المشهود الحافل بمظاهر التردي والإحباط لايتوقع أي دور فاعل له قيمة للدول الإسلامية, ويكفي في هذا الصدد الإشارة الى شيء انبثق في يوم ما عن منظمة المؤتمر الإسلامي بشأن كوسوفو, هذا الشيء اسمه (لجنة الاتصال) التي لايكاد تعرف بسبب انعدام تحركها فضلا عن أثره في واقع محنة كوسوفو. والغريب أن الجميع (على الأقل في الظاهر) يتحركون والمسلمون ساكنون, وقد أبدى طاهر مصطفى مندوب مشيخة كوسوفو في القاهرة استغرابه, وذكر استغراب الشعب الألباني هناك حول موقف الدول العربية والإسلامية من قضية شعب كوسوفو العادلة فحتى الآن لم تقدم سوى دولتين فقط مساعدات لكوسوفو (إحداهما دولة الامارات) وليس هناك أي دعم منهم للقضية, حتى الدعم السياسي لكوسوفو لم تقم به أي دولة عربية أو إسلامية في أي من المحافل الدولية سوى تصريح بالإدانة فقط من المؤتمر الإسلامي! وإذا كان التعويل على الخيار العربي والإسلامي غير وارد في هذه المرحلة, ولا في المستقبل المنظور, فإن الآمال بشأن حدوث انفراج في مأساة مسلمي كوسوفو تبدو ضئيلة للغاية اللهم إذا تم استدعاء أطراف أخرى في أوروبا وغيرها ليس من مصلحتها تحول البلقان الى منطقة صراعات دينية وعرقية, ومن ثم اتساع نطاق تلك الصراعات بحيث يصعب السيطرة عليها, بما يؤدي في النهاية الى تهديد المصالح الاستراتيجية لتلك الأطراف, وهي الأطراف التي ــ وعلى الرغم من استشعارها لتلك المخاطر ــ فإنه حتى الآن لم يحدث أي تحرك جاد لوقف حملات الإبادة والاستئصال الصربية ضد مسلمي كوسوفو. ولم تثبت التهديدات التي يطلقها حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة كل يوم أي أثر ملموس فيما يجري على أرض كوسوفو. بسبب ذلك, وتحت وطأة الضغوط الصربية المتواصلة, فإنه من الطبيعي أن يقبل سكان كوسوفو المسلمون بالحد الأدنى من الحلول المقترحة التي تحفظ الحقوق الأساسية المتمثلة في المحافظة على الهوية الإسلامية, ومن قبل وقف مسلسل العدوان الصربي, ولكن المشكلة تكمن في أن هذا الحد الأدنى غير مقبول للطرف الصربي, ومن ثمَّ أصبح المصير الذي ينتظر المسلمين في كوسوفو إما الهجرة والفرار من تلك الديار, أو القبول بمبدأ إلغاء الذات, والذوبان والاستسلام للثقافة الصربية, وهما خياران أحلاهما مر.