كشفت الضربة العسكرية الأمريكية ضد العراق عن تصاعد ملحوظ للدور الذي تلعبه ويمكن أن تلعبه المنظمات الجماهيرية وغير الحكومية العربية في صياغة القرار العربي . ولقد ظهر بوضوح هذه المرة, أكثر من أي مرة سابقة, أن رد الفعل الجماهيري الذي قادته هذه المنظمات كان أكثر تعبيرا والتصاقا بالمزاج العربي السائد خاصة في ظل غياب موقف رسمي عربي موحد, وايضا غياب موقف رسمي دولي لادانة هذا العدوان السافر واتخاذ اجراءات في مواجهته. ولقد شهد العقد الأخير في هذا القرن تطورا كبيرا في عدد ودور المنظمات والهيئات الحكومية على النطاق الدولي, وبدرجة نسبية في العالم العربي, وتشير البيانات المتوفرة الى ان هناك حوالي 30 ألف منظمة غير حكومية مسجلة في الهيئة العامة التي تضم هذه المنظمات في جنيف (80%) ومن بين هذه المنظمات هناك أكثر من 300 منظمة غير حكومية دولية واقليمية تتمتع بالصفة الاستشارية في عضوية الأمم المتحدة. ومن الملاحظ تزايد الدور الذي تلعبه هذه المنظمات والهيئات غير الحكومية في السياسة الدولية, وتجاوز بعدها السابق كمجرد جماعات ضغط ليكون لها شأن هام في صنع القرار وصياغة المزاج الدولي العام. وقد أثبتت هذه المنظمات في السنوات الأخيرة قدرتها على المشاركة الفعالة والواضحة في التغيرات والأحداث الدولية والاقليمية وذلك بتنظيم الحملات الناجحة دفاعا عن حقوق الانسان ونزع الأسلحة النووية ومحاربة الفقر ومشاكل دول الجنوب وحقوق اللاجئين والمهجرين اضافة الى كشف وفضح أساليب الهيمنة والسيطرة وغطرسة القوة التي تتبعها بعض الدول خاصة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أشاد تقرير الأمم المتحدة في العام الماضي بالدور الذي تلعبه المنظمات والهيئات غير الحكومية في تعبئة الرأي العام العالمي حول كثير من القضايا والمشاكل الدولية والدفع الى اتخاذ قرارات متوازنة بشأنها. وعلينا أن نعترف بأن دور المنظمات والهيئات غير الحكومية العربية لم يصل بعد الى المستوى الذي وصلت اليه هذه المنظمات في علاقاتها الدولية, ان ذلك لايعني انكارا لدور هذه المنظمات والهيئات غير الحكومية العربية إذا أكدنا من البداية أن هذه المنظمات شهدت في السنوات العشر الأخيرة تطورا ملحوظا, وأن بعضها يلعب دورا بارزا ومؤثرا في بعض القضايا العربية في المجالات الاجتماعية والسياسية. وفي الأزمات التي تعرض لها العالم العربي منذ حرب الخليج والانقسامات العربية الرسمية, لعبت هذه المنظمات دوراً في محاولة رأب الصدع وتوحيد الصفوف ومد جسور التعاون بين الشعوب العربية وانعاش الكثير من الافكار التي تسعى الى سد الفجوة بين القرار الشعبي والقرار الرسمي في العالم العربي. على ان هذه المنظمات الشعبية والهيئات غير الحكومية والاحزاب السياسية والنقابات والاتحادات العمالية والمهنية اضافة الى لجان حقوق الانسان والتضامن ما زالت تواجه عدداً من المشكلات تتعلق بقضايا تشكيل بعض هذه المنظمات وتتمحور المشكلة الرئيسية في عدم وجود تراث وتقاليد واعراف راسخة للتعامل مع هذه المنظمات غير الحكومية الامر الذي جعل البعض منها يبدو انه مجرد تنظيم شكلي هو في جوهره يرتبط بأجهزة القرار في هذه الدولة ام تلك. وهذا التداخل الذي يرجع الى عدم تأصيل العمل الديمقراطي في هذه المنظمات يقلل من دورها وتأثيرها الحقيقي في صياغة المناخ العربي العام والتأثير الايجابي في بلورة القرار العربي الصحيح. ويستلزم ذلك بداية ضرورة ايجاد صيغة للتنسيق بين المنظمات العربية غير الحكومية وتبادل الخبرة والتجربة من جانب, وايضاً ايجاد علاقة تنظيمية بين هذه المنظمات وبين الجامعة العربية ومنظماتها المتخصصة اسوة بالأمم المتحدة من جانب آخر. اما بالنسبة للهدف الأول وهو التنسيق والتعاون بين المنظمات غير الحكومية العربية, فلقد بذلت جهود كبيرة في هذا الصدد, كان آخرها الاجتماع الذي عقد في القاهرة في العام الماضي وحضره ممثلون عن الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب واتحاد المحامين العرب واتحاد الصحفيين والاتحاد النسائي العربي والمنظمة العربية لحقوق الانسان ولجان التضامن العربي والمنظمة العربية للسلام ونزع السلاح, كما حضره عدد آخر من المنظمات الشعبية العربية. وأكدت المناقشات التي دارت في الاجتماع والتقرير الصادر عنه ضرورة تحقيق التنسيق والربط المطلوب على مستوى المنظمات العربية غير الحكومية من اجل تعبئة كافة الطاقات الشعبية العربية لخدمة الأهداف والقضايا القومية. كما اتخذ المجتمعون توصية بضرورة ايجاد علاقة وثيقة من التنسيق والتعاون بين جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة وبين المنظمات العربية غير الحكومية بغرض تحقيق تفاعل مثمر وايجابي بين الحكومات والشعوب, بين القرار الرسمي والموقف الشعبي. ويعمق المصالح التي يمكن ان تنجم عن ذلك, والتفكير في الاطر القانونية الملائمة في ايجاد هذه العلاقات مع الاسترشاد في هذا الصدد بخبرة الامم المتحدة. فلقد جاء في صميم ميثاق الامم المتحدة منذ انشائها ووفقاً للمادة (71) من الميثاق تشجيع الامم المتحدة لدور المنظمات غير الحكومية والتشاور معها في القضايا الدولية. كما انشأت الامم المتحدة ادارة مركزية للمنظمات والهيئات غير الحكومية في كل من نيويورك وجنيف تقوم بتنسيق العمل مع هذه الهيئات وتزويدها بالمعلومات الخاصة بالقضايا المطروحة على الامم المتحدة. كما تنظم لها اجتماعاً سنوياً يعقد عادة قبل اسبوعين من انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة تطرح فيه الهيئات والمنظمات غير الحكومية تصوراتها عن القضايا المطروحة على الجمعية العامة. وهناك أكثر من 300 منظمة غير حكومية دولية واقليمية من بينها بعض المنظمات العربية تتمتع بالصفة الاستشارية في عضوية الأمم المتحدة, وتنقسم إلى ثلاث فئات, ويحق للفئة (أ) المشاركة في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة, بل والحق في الاشتراك في المنافسة, ولا يكاد يفرق بين وضعها ووضع الدول الأعضاء في الجمعية العامة سوى حق التصويت الذي يقتصر بالطبع على الدول الأعضاء. وإذا كانت الأمم المتحدة ــ وهي أيضا منظمة دول وحكومات تعترف بالدور الهام للمنظمات غير الحكومية في الحياة الدولية وتجعلها أحدى القنوات الأساسية التي تقوم بخدمة الأهداف والمبادئ التي تتبناها الشعوب فلماذا ترفض جامعة الدول العربية حتى الان التعاون مع هذه المنظمات. لقد تشكلت في العام الماضي لجنة عليا للتنسيق بين المنظمات والهيئات غير الحكومية العربية ومقرها القاهرة, ولقد لعبت هذه اللجنة دورا فاعلا في عدد من الأحداث التي جرت على الساحة العربية مثل رفض التطبيع مع اسرائيل حتى يتحقق اقامة الدولة الفلسطينية والانسحاب الاسرائيلي من كل الأراضي العربية. كما كان لها صوتها المسموع والمؤثر في العدوان الأمريكي الأخير على العراق, فهي لم تكتف ببيانات الشجب والادانة بل شكلت وفودا من شخصيات شعبية وأجرت اتصالات مع الهيئات المعنية وعقدت الكثير من اللقاءات الجماهيرية لتعبئة الرأي العام العربي وبلورة الاتجاه الصحيح. وإذا كان الهدف من تجميع المنظمات غير الحكومية العربية وتوحيد جهودها قد بدأ يؤتي ثماره ويفرض دورا هاما لها, فإنه يبقى ضرورة ايجاد علاقات تنظيمية بين هذه المنظمات وبين الجامعة العربية ومنظماتها المتخصصة بهدف تحقيق التفاعل الضروري والمطلوب بين الشعوب والحكومات وانهاء العزلة بين القرار الرسمي والاتجاه الشعبي. لقد طرحت هذه القضية أكثر من مرة في اجتماعات الجامعة العربية, وهناك العديد من المذكرات التي قدمت بهذا الصدد إلى الأمانة العامة من جانب المنظمات غير الحكومية العربية, وأحسب ان تداعيات الأحداث في العالم العربي, خاصة بعد الضربة الأمريكية الأخيرة للعراق والمأزق الذي فرض على عملية البحث عن السلام في الأراضي الفلسطينية يتطلب وضع الأسس والقواعد لتنظيم العلاقة بين المؤسسة الرسمية العربية والمؤسسة الشعبية.. اليوم.. وليس غدا. مدير مركز الأبحاث والمعلومات الجمهورية