على الرغم من ان الحديث في الشأن العراقي يبدو حديثا متعلقا بصورة مباشرة بالعلاقة بين العراق والولايات المتحدة سواء في حالة الازمة الراهنة او سيرورة العلاقة المستمرة منذ ثماني سنوات. الا انه يعبر بصورة ادق عن الشأن العربي برمته . فحالة اللاتكافؤ بين القوتين الامريكية والعراقية وانعدام مرجعيات الحق والعدالة وبروز نمط الاستئساد والغطرسة الامريكية هذه كلها امور مألوفة وشائعة في الراهن العربي في علاقته مع القوى الاجنبية. وحتى اسابيع قليلة كان يمكن ملاحظة نوعية التصرف التركي حيال سوريا وما تميز به من لغة تهديدية مفرطة في العجرفة من قبيل فقء الاعين وسحق الدول في 24 ساعة الخ. بل يمكن كذلك ملاحظة الاصرار التركي على تهديد سوريا ودفعها الى ترك ورقتها (الكردية) الوحيدة في العلاقة بين البلدين. ماحدث بين انقرة ودمشق لايختلف في شيء عن السلوك الامريكي الحالي تجاه العراق فهناك لهجة تلويح وتهديد باستخدام القوة الباطشة ضد بغداد, وهناك اصرار على تهديد العراق واجباره على الانصياع فورا وبدون شروط للارادة الامريكية. وقبل ايام حذر مسؤول امريكي كبير في صحيفة نيويورك تايمز قائلا اذا حاول (صدام حسين) استخدام اسلحة الدمار الشامل فعليه ان يعرف اننا سنزيل العراق من الخريطة) . ويجري شيء مماثل في العلاقة بين اسرائيل والفلسطينيين. وفي هذا السياق ليست مهمة ابدا مقاييس العدل او الحق او الانصاف بل يتضح ان للقوي مفاهيمه الخاصة بذلك مثلما للضعيف مفاهيمه ايضا. فما يراه العراق ظلما في استمرار الحصار الشامل والظالم المفروض عليه خاصة بعد تدمير الاسلحة العراقية تعتبره الولايات المتحدة عدلا وانصافا. حتى القرارات الدولية التي تصدرها المنظمة الدولية اصبحت عرضة للتفسير والفهم المرتكز على معطيات وحقائق القوة والضعف. فهذه القرارات يفسرها القوي بصورة تخالف تفسير الضعيف لها. ومع انها كتبت بصورة واضحة ولغة لا لبس فيها الا انها عند التطبيق تتحول الى جملة من التراكيب السياسية التي تضمر اهدافا بعيدة وغير شرعية في مغزاها دون ان يتجرأ احد مع ذلك على الجهر بالتناقض الفاضح بين التفسيرين. وهكذا مثلا فانه على الرغم من ان الحظر النفطي على العراق (وليس الحصار كله) مربوط بتنفيذ القسم ج من الفقرة 22 من القرار 687 والقاضي برفع الحظر بمجرد ثبوت خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل. الا ان التفسير الامريكي لها يتسع بحيث يشمل نوعية الحكم في العراق وحقوق الانسان وبنودا اخرى لا علاقة لها بالقرار. والمسألة لاتخص العراق هنا فحسب الا كونه يشكل النموذج الابرز لها وانما هي تخص العرب بصورة عامة في علاقتهم مع الغير. ان نموذج العراق لاينبغي النظر اليه من زاوية ازمة الخليج فحسب وانما ومن خلاله النظر ايضا الى الوضع العربي في حالته الراهنة بحيث يتبدى في النهاية ان نموذج العلاقة العراقية الامريكية هو نموذج مصغر ودقيق ليس الا للعلاقة بين العرب والقوى الكبرى في الزمن الحالي. كاتب وصحفي بحريني