الاقتصاد يعتبر في عالمنا المعاصر احد الاسلحة التي يمكن استخدامها في حالات الحرب, كما يمكن استخدامها في حالات السلم, في حالة السلم يمكن للاقتصاد ان يمنع وقوع الحرب من خلال الضغط باستخدامه ضد من تسول له نفسه الدخول في مواجهة مسلحة , يمكنه ايضا وقف الحرب في اوجها, او على الاقل وقف الدعم الذي يحصل عليه احد اطراف القتال, فيفكر ذلك الطرف كثيرا قبل الاستمرار في صراعه الدموي, لان عناصر الاقتصاد المعاصر تعتبر جزءا اساسيا من عناصر المعارك المسلحة. حرب اكتوبر 1973 التي استخدم فيها العرب معا البترول كسلاح للضغط على الغرب والولايات المتحدة للتخلي عن التأييد الاعمى لاسرائيل وتحريك الوضع الراكد الناتج عن احتلال الدولة الصهيونية لاراضي اربع دول عربية, ولكنها لم تكن المرة الاولى في التاريخ ولا الاخيرة التي يلعب فيها الاقتصاد دورا مثل هذا الدور في صراع مسلح. يبدو ان صدام حسين فطن الى ذلك السلاح خلال صراعه الحالي مع كلينتون على الرغم من محدودية ما يملكه صدام من هذا السلاح بين يديه في ظل الحصار الذي يمنعه من استخدام معظم ثروات العراق بشكل حر, لكنه تنبه الى ان هذا القليل يمكن استخدامه كسلاح لحرمان كلينتون من بعض حلفائه, ان لم يكن حرمانه من معظمهم. جرب صدام هذا الجزء من السلاح الذي يملك تحريكه ضد احد الزعماء الاوروبيين الذين دعموا الضربة الامريكية الاخيرة, وهو رئيس الوزراء الاسباني (خوسيه ماريا ازنار) حيث كان الحليف الاوروبي الوحيد بعد انتوني بلير الذي اعلن عن تأييده لقرار كلينتون بضرب العراق رغم عدم وجود قرار من مجلس الامن الدولي كما تنص على ذلك القوانين الشرعية الدولية حيث اعلن رئيس الحكومة الاسبانية وقتها ان قراره بدعم قرار كلينتون نابع من علاقة التحالف التي تربطهما من خلال عضويتهما في حلف الاطلسي اي ان الصلة هي (علاقة الحليف بحليفه) حتى لو تعارض هذا الدعم مع القرارات الدولية وهو الامر الذي يربط معظم زعماء دول اوروبا الغربية برئيس الولايات المتحدة, ومع ذلك لم يهرول زعماء تلك الدول لاعلان التأييد على الطريقة البريطانية كما فعلت اسبانيا. وقتها حاول البعض في اسبانيا التقليل من شأن هذا التأييد ولم يتحدث احد عن سر الموقف الفرنسي الذي رفض ان يؤيد الهجوم الامريكي باعتباره لا يتمتع بغطاء شرعي من المنظمة الدولية, ولم ينتبهوا الى العلاقة الاقتصادية التي تربط بين العراق وفرنسا حيث ترتبط العديد من الشركات الفرنسية بتعاقدات مع شركات عراقية وفرنسا حريصة على مصالحها الاقتصادية اكثر من اسبانيا او هكذا يبدو الامر. لكن العراق اصدر قرارا (غير معلن) بعقاب حكومة خوسيه ماريا ازنار من خلال وقف التعاقد مع شركات اسبانية على الرغم من عروضها المغرية مقابل عروض شركات اوروبية اخرى, هنا كانت البداية في استخدام سلاح يعرف العراق انه سلاح ناجع وفعاليته لا تقل عن فعالية اسلحة القتال, لكن العراق قرر ان يكون استخدام هذا السلاح بلا دعاية او ضجيج حيث لم يتم ابلاغ الحكومة الاسبانية بالقرار رسميا بل امعانا في التمويه لم يعلق المسؤولون العراقيون على استخدام سلاح التعاقدات مع الشركات الاسبانية لعقاب او على الاقل لتنبيه حكومة خوسيه ماريا ازنار الى خطورة تأييدها غير المشروط للولايات المتحدة بل كانت تعليقاتهم غامضة وتحتمل تفسيرات عدة او على حد قول احدهم (من حق اي بلد ان يتعامل مع بلد آخر من منطلق المصلحة) . لكن الشركات الاسبانية نفسها تنبهت او تم تنبيهها من خلال ممثليها في بغداد الى ان هناك اهمالا في النظر الى عروضهم في مجالات عدة او في تأخير النظر في تلك التعاقدات حتى لا تدخل لجان المتابعة التي يعينها مجلس الامن الدولي للبت في تلك التعاقدات كما ينص اتفاقه مع العراق (البترول مقابل الغذاء) . لذلك طلب ممثلو تلك الشركات لقاء مع ابيل ماتوتس وزير الخارجية في حكومة ازنار واخبروه بما يجري في بغداد ولجأت بعض الشركات الى وسائل الاعلام لبث شكواها من موقف الحكومة الاسبانية الذي يؤثر سلبا في عملهم لاول مرة منذ سنوات طويلة. حكومة ازنار من جانبها حاولت ان تبعد الانظار عن هذا الموقف حتى لا تتعرض من جديد لانتقادات المعارضة التي نبهت الى خطورة التأييد الاعمى للحليف الامريكي والذي قد يتسبب لتلك الشركات في خسائر اقتصادية فادحة, فجاءت التعليقات الاسبانية الرسمية مركزة على عدم وجود قرار رسمي من جانب العراق وان شكاوى الشركات نابعة من التأخير في البت في عروضها نتيجة لبطء عمل لجان المتابعة التي تنفذ اتفاق (البترول مقابل الغذاء) . لكن مقالا كتبه وزير الخارجية ابيل ماتوتس ونشرته صحيفة (الباييس) على صفحة كاملة كشف حقيقة الموقف وان لم يعترف الوزير في المقال صراحة بأن الموقف العراقي يمثل ضغطا على سياسة حكومة رئيسه المؤيد لموقف كلينتون من العراق, الا ان ما تضمنه المقال يؤكد عكس ذلك بل ويؤكد ان الموقف الاسباني في طريقه الى التغيير بالفعل, وانه لا يمكن لاسبانيا ان تؤيد تأييدا صريحا في المستقبل لضربة امريكية جديدة للعراق دون سند شرعي من مجلس الامن الدولي مؤكدا على ان (على مجلس الامن ان يستعيد المبادأة في ازمة تهدد السلام العالمي) . بل وصل الوزير الاسباني في مقاله الى ابعد من ذلك حيث طالب برفع الحظر الاقتصادي عن العراق او على الاقل (زيادة سقف صادراته من البترول) لان استخدام مسألة (لجنة التفتيش) الى الابد ليس في صالح احد بل (يجب ايجاد وسيلة طويلة المدى لمراقبة اسلحة الدمار الشامل) مع رفع الحظر الاقتصادي عن العراق (حتى يمكن تلبية متطلبات الشعب العراقي بشكل افضل) . من خلال مقال وزير الخارجية يمكن تبين ان حكومة ازنار بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات ايجابية للابتعاد عن موقف (التأييد غير المشروط للولايات المتحدة) في الازمة العراقية, وانها بدأت تنضم الى الدول الاوروبية الاخرى التي تحاول الخروج من المأزق الناشىء عن تجاهل البيت الابيض للامم المتحدة وهو ما يعتبر اعترافا من جانب حكومة ازنار بالخطأ الذي ارتكبه خاصة بعد ان تبين ان كل الصواريخ التي القتها طائرات الولايات المتحدة على العراق لم تحقق هدفها المعلن بل اصابت الشعب العراقي بالمزيد من المعاناة. كاتب مصري مقيم في اسبانيا