عانت اقتصادات الدول النامية ــ التي تقع اغلبيتها الساحقة في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية والتي توصف بدول الجنوب ــ وما انفكت تعاني من اختلالات وانتكاسات وتراجعات شديدة. وتراجعت معدلات النمو لاقتصادات دول نامية كثيرة, وعلى وجه الخصوص منذ بداية عقد الثمانينات, مما حدا ببعض خبراء التنمية والمسؤولين في تلك الدول الى وصف سنوات الثمانين عن حق بانه (عقد التنمية الضائع) . ويعزى التدهور الاقتصادي الذي تعاني الدول النامية منه الى عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية داخلية وخارجية. وليس من الصحيح ان يعزى هذا التدهور الاقتصادي الى عوامل داخلية فقط. وهذه العوامل الخارجية يمكن ان توصف بالبيئة الاقتصادية الدولية غير المؤاتية. ومنسمات هذه البيئة البارزة النقص في التعاون الاقتصادي بين الدول النامية والدول المتقدمة النمو الصناعية التي توصف ايضا بدول الشمال وفي مقدمتها دول اوروبا الغربية وامريكا الشمالية. ومن سمات هذه البيئة الاقتصادية غير المؤاتية ايضا ان الدول المتقدمة النمو ــ اي دول الشمال ــ هي سيدة اللعبة الاقتصادية بينما تضطر الدول النامية الى البقاء دون حول يستحق الذكر على تحسين حالتها الاقتصادية. ومن مشاكل الدول النامية الاقتصادية الناجمة عن البيئة الاقتصادية الدولية غير المؤاتية لتنمية الدول النامية نخص بالذكر الارتفاع الشديد لاسعار المواد المصنعة, وتفاقم ازمة الديون الباهظة الواقعة عليها, وارتفاع اسعار الفائدة على هذه الديون في اسواق رأس المال الدولية, والانخفاض الحاد في اسعار المواد الاولية او المواد الخام, بما في ذلك النفط, التي تصدرها الدول النامية والتي تشكل عصب دخلها الوطني, وشحة الموارد الخارجية من استثمارات ومساعدات مالية وما ينجم عنها من التحويل السلبي للموارد المالية من الدول النامية الى الدول المتقدمة النمو, وتذبذب اسعار صرف العملات وزعزعة النظام المالي الدولي, والحواجز الحمائية التي تمارسها بعض الدول متقدمة النمو والتي تستهدف, من جملة ما تستهدفه, عرقلة الانسياب الحر لمنتجات وسلع الدول النامية في اسواق الدول متقدمة النمو, وانخفاض مستوى الاستثمارات من الدول متقدمة النمو في الدول النامية, وتدهور معدلات التبادل التجاري, وتعزيز ظاهرة استئثار الدول متقدمة النمو الصناعية بنتائج تقدمها التكنولوجي, وقيام الدول متقدمة النمو بحجب قدر كبير من هذا الارث التكنولوجي الحيوي عن الدول النامية غير الصناعية التي هي في أمس الحاجة اليه للنهوض بتنميتها الاقتصادية والاجتماعية. وتزامنت هذه الظواهر كلها مع حدوث كوارث طبيعية مثل الزلازل والتصحر والجفاف والاعاصير والفيضانات في عدد من الدول الافريقية والآسيوية والامريكية اللاتينية بالاقتران بتفاقم ظاهرة انتاج واستهلاك المخدرات غير المشروعين في الدول النامية. وغني عن البيان ان لهذه العوامل كافة تأثيرات متبادلة بعضها في بعض , مما يزيد من تعقد الصعوبات والمشاكل والضائقة الاقتصادية البالغة الخطر التي تعصف بالدول النامية. وتسبب شدة وطأة هذه العوامل مجتمعة اضعاف طاقات التنمية الاقتصادية وتعيق عملية التنمية وتفضي الى تراجعها. وبسبب ضيق الرقعة سنتناول فيما يلي بقدر من التفصيل بعض العوامل الخارجية في نشوء البيئة الاقتصادية الدولية غير المؤاتية للتنمية الاقتصادية في دول العالم النامي. انخفاض أسعار الصادرات هبطت هبوطا حادا أسعار المواد الأولية التي تشكل المصدر الرئيس ان لم تكن تشكل المصدر الوحيد تقريبا للدخول المالية للأغلبية الساحقة من الدول النامية, لقد كانت أسعار المواد الأولية في سنة 1990 أقل بنسبة 30% من أسعارها في بداية عقد الثمانينات, وأسهم ذلك الهبوط اسهاما كبيرا في الانخفاض النسبي لحصيلة صادرات الدول النامية, وكان للتدابير الحمائية مثل الحواجز التجارية التي تتخذها الدول المتقدمة النمو أثر كبير واضح في ذلك الانخفاض الحاد لأسعار المواد الأولية, ونظرا الى أن الأغلبية الساحقة من الدول النامية تعتمد صحة اقتصاداتها وآفاق تنميتها اعتمادا كبيرا على صادراتها من المواد الأولية فان رفع أسعار هذه المواد لابد منه للخروج من حالة الانكماش والكساد الاقتصاديين وللتحرك صوب تحقيق التنمية, ويمكن رفع هذه الأسعار عن طريق فتح السوق الدولية وعلى وجه الخصوص أسواق الدول المتقدمة النمو في وجه هذه المواد. النزعة الحمائية غير أن أسواق الدول المتقدمة النمو ليست مفتوحة على مصراعيها في وجه المواد الأولية للدول النامية بسبب النزعة الحمائية التي يأخذ بها عدد من الدول المتقدمة النمو والتي تقيد التجارة الدولية, وفي المقام الأول تجارة الدول النامية, وتعمد دول صناعية, بدلا من فتح أبوابها, إلى إقامة شبكة معقدة من القيود والترتيبات والاتفاقات التجارية الثنائية والاقليمية في وجه صادرات الدول النامية, واقامة تلك الشبكة تتناقض مع القواعد التجارية المتعهد بها على الساحة الدولية. وخلصت دراسة قام بها البنك الدولي الى انه لو قضت الدول الصناعية على جميع الحواجز التجارية لزاد معدل نمو اقتصادات الدول النامية بنسبة غير قليلة, وذلك يبين الأثر السلبي للحمائية في الحالة الاقتصادية للدول النامية, فالنزعة الحمائية التي تتبعها بعض الدول الصناعية تضعف أو تحبط جهود الدول النامية الرامية الى تعزيز قدرتها على التنافس في الأسواق العالمية, وبالتالي بغية تحقيق التنمية وايجاد البيئة الاقتصادية الدولية المواتية للتنمية من الضروري ازالة الحواجز الحمائية التي تعرقل حرية التجارة الدولية. الديون الخارجية نتيجة لأسباب كثيرة نشأت وتفاقمت مشكلة الديون الخارجية الواقعة على الدول النامية, ومن هذه الأسباب الحكم الأجنبي الذي استغل ثروات الشعوب النامية الاقتصادية والمالية والطبيعية, وحينما نالت الدول النامية استقلالها السياسي وجدت نفسها في سوق دولية تسيطر عليها اقتصادات الدول المتقدمة النمو التي جعلت أسعار المواد الأولية من الدول النامية زهيدة بالمقارنة بأسعار السلع المصنعة في الدول المتقدمة النمو, في الوقت الذي ليست فيه لدى الدول النامية الامكانيات المالية والاقتصادية والعلمية والتقنية التي يمكن بها زيادة تأثيرها وقوتها التنافسية في السوق الدولية, مما من شأنه أن يفضي الى زيادة دخولها, وأسهم ذلك كله في وقوع الدول النامية في حالة الفقر التي اضطرتها الى الاقتراض من الهيئات المالية في دول الشمال. وقد تردت مشكلة الديون الخارجية الواقعة على الدول النامية ترديا خطيرا في السنوات العشرين الماضية لأسباب أخرى منها تزايد ارتفاع أسعار الفائدة على تلك الديون. فالمصارف والهيئات الأخرى القائمة بالتسليف في الدول المتقدمة النمو استغلت الحاجة الاقتصادية الماسة لدى الدول النامية فقامت بزيادة أسعار الفائدة على نحو أعاق ولا يزال يعيق تنمية الدول النامية ويرهق اقتصاداتها. لقد نما باطراد حجم الديون الخارجية على الدول النامية. في نهاية عام 1988 بلغت هذه الديون 1,3 تريليون دولار, وهو ما يتجاوز 50% من الدخل الوطني الاجمالي للدول النامية مجتمعة, وأصبحت خدمة الديون في أغلبية الدول النامية تستهلك كل ما تبذله تلك الدول من مجهود اقتصادي منتج. ورغم الزيادات في حجم صادرات الدول النامية لم تتناقص نسبة حصيلة الصادرات التي تستنفدها خدمة الديون. إن مشكلة الديون الخارجية المستمرة والمستفحلة لم يعد من السليم تسميتها أزمة. لقد أصبحت في الواقع بالنسبة إلى دول العالم النامي حالة دائمة مضعفة تسهم في حرمان الدول من النمو والتنمية الاقتصاديين وتهدد بانهيار الخدمات الاجتماعية مع كل ما ينطوي ذلك عليه من التدهور في مستويات المعيشة وزعزعة الاستقرار السياسي في الحاضر والمستقبل. عدم تنويع المواد الأولية ومما له صلة بانخفاض أسعار الصادرات من الدول النامية عدم تنويع موادها الأولية التصديرية. تتكون صادرات كثير من هذه الدول من مادة أو سلعة واحدة مثل البن أو النفط أو الكاكاو أو الأرز. وبسبب تقلبات أسعار هذه المواد الأولية أو المحاصيل الزراعية في الأسواق العالمية تتعرض اقتصادات الدول النامية لأضرار جسيمة. ونظرا إلى هذه التقلبات يجب تنويع المواد التصديرية حتى لا تكون اقتصادات تلك الدول معتمدة على مادة تصديرية واحدة يكون سعرها عرضة للانخفاض, ما يؤدي إلى تقليل حصيلة الصادرات. تحويل الموارد المالية من الدول النامية إلى الدول المتقدمة النمو على الرغم من التزام عدد من الدول الصناعية المتقدمة النمو بدفع نسبة مئوية محددة من ناتجها القومي الاجمالي للدول النامية فإن أغلبية تلك الدول الملتزمة بالدفع لم تف بالتزامها. وبسبب اعتبارات سياسية واقتصادية للدول المتقدمة النمو قللت هذه الدول كمية الأموال المستثمرة في الدول النامية. وتقصر هذه الأموال عن الوفاء باحتياجات تلك الدول الانمائية. وغني عن البيان ان لتناقص الأموال الاستثمارية هذا تأثيرا سلبيا في تنمية الدول النامية. وبسبب هذا التناقص في الأموال المستثمرة الأجنبية وعدم وفاء أغلبية الدول المتقدمة النمو بالتزامها بدفع نسبة محددة من ناتجها القومي الاجمالي لمساعدة الدول النامية, بالاقتران بوجود ظروف اقتصادية وتجارية أخرى داخلية وخارجية غير مؤاتية, لم يكن في استطاعة الدول النامية أن تعوض عن انخفاض أسعار صادراتها, وبالتالي عن التناقص النسبي لحصائل هذه الصادرات وعن المدفوعات المالية الخارجية المتزايدة بسبب الديون وخدمتها. ومما فاقم من الأزمة الاقتصادية في الدول النامية الارتفاع الحاد في أسعار المنتجات التي تنتج في الدول المتقدمة النمو وتصدر إلى دول الجنوب. لقد أدى ذلك ــ فضلا عما أسلفناه من التردي الكبير لأسعار المواد الخام التي تصدرها الدول النامية إلى الدول المتقدمة النمو وكلفة خدمة الديون الباهظة التي يتعين على الدول النامية أن تدفعها للمؤسسات المالية الدائنة في الدول المتقدمة النمو ــ نشوء حالة يجري فيها بالنسبة إلى الأغلبية الساحقة من الدول النامية تحويل موارد مالية هائلة من تلك الدول إلى الدول المتقدمة النمو, وأصبحت فيها التدفقات المالية من دول الشمال على دول الجنوب سلبية, أي ان الأموال المتدفقة من دول الجنوب على دول الشمال أكبر من الأموال المتدفقة من مجموعة الدول الثانية على مجموعة الدول الأولى. وذلك يحرم دول العالم النامي من رأس المال اللازم لمنع التدهور الاقتصادي ولتحقيق التنمية. وطوال السنوات الماضية أدى ذلك كله إلى العجز في ميزان المدفوعات للأغلبية الساحقة من الدول النامية وعلى وجه الخصوص الدول الافريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. وأفضى أيضا إلى الافتقار إلى المواد المالية اللازمة للاستثمارات الانمائية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية, مما أسهم بدوره في عدم تدريب القوى البشرية اللازمة للقيام بالعملية الانمائية. وأسهم ذلك كله في ازدياد حجم المعاناة والجوع والفقر والمرض وتدهور الخدمات الاجتماعية والبنية الأساسية, وما تصاحب هذه الأوضاع المادية من زعزعة للاستقرار السياسي والاجتماعي. لقد آن الأوان منذ وقت طويل أن يعيد المجتمع الدولي, وهو يقف على عتبة القرن الحادي والعشرين, النظر في حالة العلاقات الاقتصادية الدولية القائمة, وأن يستكشف الطرق والوسائل الكفيلة بتمكين الدول النامية والمتقدمة النمو من اقامة بيئة اقتصادية جديدة تتيح تحقيق التنمية الاقتصادية في فئتي الدول, وخصوصا الدول النامية في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية, وهي الدول التي تشكل القطاع البالغ التضرر في الاقتصاد العالمي.