لم يكن احد يتوقف كثيرا عند مشهد هذه السيدة الطاعنة في السن البالغة من العمر 75 عاما وهي تتسلم ميدالية تكريم خاصة من يد جيمس وولس مدير وكالة المخابرات المركزية الامريكية في حفل استثنائي اقاموه لهذا الغرض. وربما توقف الصحفيون المهتمون بشؤون المخابرات او المعلومات او العلاقات الدولية او بتاريخ وفصول الحرب الباردة , بما ذكره مدير المخابرات الامريكية في براءة الميدالية الممنوحة للسيدة العجوز التي كانت تنطق الانجليزية بلكنة فرنسية لا تخفى عن السامعين. قالت البراءة ان السيدة المذكورة تستحق الاشادة والتكريم على ما بذلته من جهود فعالة وما ابدته من مواهب خارقة في مجال الجاسوسية فضلا عن الشجاعة التي تحلت بها الى حد يبعث على الاعجاب ويحض على الاجلال بكل المقاييس. ولقد اقيم حفل التكريم في عام 1993 واسترعى الاهتمام ايضا ان شهده رجل الاستخبارات الانجليزي الكبير (ريجنالد جونز) وهو من الخبراء المخضرمين في هذا المجال, ولا سيما في مضمار التجسس العلمي والمعلومات التكنولوجية ذات الطابع العسكري على وجه الخصوص وقد قام بدور بارز في هذا الصدد على صعيد الاستخبارات البريطانية واصدر كتابا مهما عن دور التجسس العلمي خلال الحرب العالمية الثانية بعنوان (حرب السحرة) او (حرب الخوارق) مركزا بين صفحاته على عمليات التجسس الفائقة الخطورة التي جهدت في استطلاع اسرار الالمان وخاصة في مجال السلاح الرهيب غير المسبوق الذي وصفه الزعيم النازي هتلر بانه السلاح الذي سوف يغير مسار الحرب (لصالح الالمان بطبيعة الحال). ولم يكن هذا السلاح غير المسبوق سوى الصواريخ العابرة للحدود والقارات ولم تكن في منتصف الاربعينات سوى حلم يراود العسكريين او كانت مشروعا يجمع بين جوانب المعرفة وتحليق الخيال. ويذهب بعض الدارسين لتلك الفترة الحاسمة من اواخر الحرب العالمية الثانية ان الالمان توصلوا بالفعل الى انتاج هذه الصواريخ ولولا مبادرة الحلفاء الانجليز بالذات الى قصف مواقع هذا الانتاج الالماني في منطقة (بينموند) من شرقي المانيا, لكانت صواريخ النازي قد طالت لندن وسائر حواضر بريطانيا ومراكزها الانتاجية ومواقعها التي كانت تخدم المجهود الحربي, ولركعت بريطانيا امام ارادة برلين وتحقق بالتالي حلم غزو الجزيرة البريطانية الذي طالما راود القادة والزعماء في العصر الحديث ابتداء من نابليون الى ادولف هتلر. من الذي اطلع الحلفاء على اسرار النازي, وكان انتاج هذا الجيل من الصواريخ غير المسبوق واحدا من اسرارهم الأثيري؟ الاجابة عند الفتاة الفرنسية تكاد الاجابة تتمحور حول صاحبتنا السيدة التي نالت ارفع اوسمة الاستخبارات الامريكية ومازالوا يستعيدون حكايتها وانجازاتها بوصفها نموذجا فريدا الى حد الابهار على ان العقل البشري, الذاكرة البشرية والتقدير والتقييم البشري, هي انجع اسلحة الاستخبارات ولها الاولوية العليا قبل وسائل الذكاء الاصطناعي مثل الحواسيب الالكترونية او معدات الاستطلاع والتصوير الجوي والسطحي ايا ما بلغت من الشأن في مجال الدقة او الحساسية او الانضباط. لهذا حرصت مؤسسة واشنطن بوست على ان تتابع حكاية الجاسوسة الفرنسية التي لم يرها احد من قبل, وان كان قد اشار اليها الخبير البريطاني جونز في كتابه الذي المحنا اليه في بداية هذه السطور وكلفت المؤسسة الصحفية الامريكية واحدا من كتابها لزيارة السيدة الفرنسية حيث تقيم في منطقة (ايل دي ري) على الساحل الفرنسي المطل على المحيط الاطلسي.. ثم نشرت فصولاً عن حكايتها في الطبعة الاسبوعية الصادرة على شكل مجلة من (واشنطن بوست) (عدد 4/1/1999). ومنذ البداية يعترف الصحفي الامريكي واسمه (ديفيد اجناتيوس) انه فوجىء بسلوك من التمنع والعزوف عن الافضاء من جانب السيدة (جيني روسو) وقد شارفت حين زارها على سن الثمانين لكنها مع هذه الشيخوخة ظلت تحتفظ بمسحة من جمال وقدر من الحيوية بل والجاذبية التي تبدت في عينيها المشبعتين, لا تزالان, بوميض من ذكاء. بداية الحكاية تبدأ قصتها بلقاء عابر في قطار مزدحم بين الفتاة الجميلة, ذات الملامح الطفولية جيني وبين واحد من زملاء الدراسة اسمه جورج لا مارك, كان اللقاء في عام 1941 وكانت الفتاة في الحادية والعشرين وحين لمحها زميل الدراسة وهي محشورة في رواق القطار المزدحم, عادت اليه ذكريات تفوقها الدراسي بجامعة باريس وخاصة في دراسة واجادة اللغات الاجنبية ومن بينها الالمانية على وجه الخصوص. كان ابوها موظفاً مدنياً كبيراً في الحكومة الفرنسية وقد خدم جندياً في الحرب العالمية الأولى, وها هي ابنته تعايش صدمات الحرب الكونية الثانية وفي مقدمتها كارثة اجتياح جنود النازي باري وتوغلها غازية منتصرة في ارياف فرنسا وحواضرها قبل هذا اللقاء العابر وقد ثبت من بعد انه كان من الخطورة بمكان, كان للصبية جيني تجربة غريبة مع الالمان, اذ كلفها عمدة المدينة الصغيرة التي كانت تقيم بها ان تؤدي خدمة للمدينة باستثمار اجادتها للالمانية ومن ثم فهي تصلح لاداء دور ضابط الاتصال او همزة الارتباط بين الادارة الفرنسية وبين الغزاة الالمان الذين كانوا حريصين عند بداية الحرب الا يؤذوا مشاعر الفرنسيين بل يحاولون كسبهم والتودد اليهم ما استطاعوا الى ذلك سبيلا. يومها ارتدت الصبية الفرنسية ثيابا بسيطة وتوجهت الى مقر قيادة الالمان عارضة خدماتها في مجال الترجمة والاتصال فثارت اعجاب الضباط القادمين من المانيا جمالها البريء , اجادتها لغتهم كأنما هي لغتها الأم ثم الأهم من هذا كله, قدرتها الفائقة على السكوت.. والانصات.. وكان هذا امضى سلاح امتلكته الفرنسية خارقة الذكاء وهي تعلن في هذا المضمار تقول: اهم اسلحة الجاسوس هو قدرته على الانصات من جهة, ودقة ملاحظته من جهة اخرى ثم ذاكرته الحادة من جهة ثالثة. ومن آفات بعض العسكريين في كل زمان ومكان انهم يخضعون احياناً لوطأة التوتر الذي يعيشونه فاذا بهم يتكلمون.. ويثرثرون حول ما يقومون به من أعمال وما يؤذونه من تكليفات دع عنك ان يتباهى ضابط هنا, وقائد هناك بما انجزه وخاصة اذا دار الحديث امام فتاة واعدة او سيدة حسناء تحرص على متابعة الاحاديث بقدر تحسد عليه من تمثيل الانبهار والاعجاب. ومع تطور وقائع الحرب, وجدت الفتاة جيني عملاً كمترجمة في غرفة التجارة والصناعة الفرنسية التي فرضت عليها الظروف التعاون مع نظرائها الالمان وخاصة في مجال المجهود الحربي مما فتح لصاحبنا منجما من المعلومات الاستراتيجية البالغة الخطورة تسمعها وتطلع عليها وتستوعبها بحذافيرها ثم تحتفظ بها داخل المخزن العجيب الذي فطره الله سبحانه وهو الذاكرة. جاءت عليها لحظة ضاقت فيها بمحتويات المخزن العجيب.. معلومات كثيرة وخطيرة والمعلومات تطلب دوما الابلاغ والبوح والافضاء كما كانت تقول فكيف السبيل الى الابلاغ والافضاء حول نوايا العدو الالماني المحتل ومن ثم خدمة الوطن الخاضع لذل الاحتلال. سؤال في قطار مزدحم هكذا جاءتها الفرصة السانحة السائغة على متن القطار المزدحم وعلى لسان زميل الدراسة السابق لامار الذي كان من الشجاعة والثبات ان طرح عليها السؤال المباشر على فكرة, انا اهيىء حالياً هيكلاً صغيراً لجمع المعلومات واستطلاع اسرار الالمان, هل لديك استعداد للتعاون معي؟ مستعدة بكل تأكيد. لم تتردد لحظة لا في التدبر ولا في التفكير ذاكرتها استوعبت الكثير, وان اوان استثمار كل هذا الاستيعاب ولا هو تردد لحظة بل سرعان ما ضمها في التنظيم الاستخباري الذي انشأه وخلع عليها الاسم الكودي (امنياركس) وفي هذا السياق تضيف الجاسوسة المعترفة: كانت المعلومات اشبه بثمرة جاهزة في انتظار قاطفها وكنت استخدم ذاكرتي فأعرف كل التفاصيل عن المصانع والسلع والمنتوجات الاستراتيجية في المانيا وكان همنا الأول هو ان نبني صرحا من المعلومات عنهم, ماذا يفعلون وماذا يخططون وماذا يزمعون وقد اعانني في مهمتي الجديدة ان صادفت نفرا من الضباط الالمان اصدقاء الامس في مدينتنا الصغيرة كانوا قد ترقوا الى رتبة القيادة والاركان وكم كانت سعادتهم بأن يصادفوا الصبية الذكية التي تجيد الالمانية ويأنسون اليها ولا يتورعون في حضورها عن الثرثرة بما كانوا يعرفون وكان مجمع اشتات ما يقولون.. عبارة من هنا ومعلومة من هناك وتبلغ بها حرفياً شبكة المقاومة الفرنسية التي كانت توافي بها الحلفاء في لندن. كانت الامور تمضي كالمعتاد الى ان جاء عام 1943 ويومها دخلت حكاية الفتاة الفرنسية سجل التاريخ لقد بدأت تسمع أو تتسمع معلومات في غاية الخطورة والحساسية.. لم تكن تفهم المضمون بقدر ما كانت تحرص على حفظ واستيعاب واستظهار ما تسمعه بالحرف: بدأ القادة الألمان يتحدثون عن الأسلحة الخاصة وعن المعدات الجديدة. وعن قرب انتهاء الحرب بانتصار الفوهرر الذي سوف يحسم مصير كل شيء بالسلاح الواعد الجبار, كانت الفتاة قد ذابت أو كادت تذوب وسط صفوف الضباط الألمان, كانوا يحضرون عشيقاتهم ولا يبالون بالتباهي أمامهن وأمامها حول الأسلحة الجبارة التي سوف يركع الحلفاء أمامها ويطلبون الاستسلام وفي هذا تقول الجاسوسة الفرنسية مفضية بأسرارها الى زائرها الصحفي الأمريكي: كنت وقتها قد أصبحت قطعة من المعدات أو قطعة من الاثاثات, فتاة دقيقة الحجم, ألمانية اللسان, لا يخشاها أحد, ولا يكاد يأبه بها أحد, اترجم لهم, وأعاونهم واستمع إلى شكاياتهم وحتى مشاكلهم الشخصية, ولم يكن أمامي سوى ان أسمع ما يفضون به من معلومات خلال أحاديثهم التي تدور وسط المجموعة الخاصة المنتقاة التي كنت أعمل معها في اشرع هوسن في العاصمة باريس. وما لم أكن أسمعه كنت أكن أن أستثير الحديث عنه ومن عجب ان كانت طريقتي ساذجة بسيطة ومباشرة, كنت أستفزهم للحديث عن ذلك السلاح الجبار الذي يتشدقون به أتظاهر بتكذيبهم أو اتهمهم بالمبالغة ومعايشة الأوهام, وكم بالغت فاتهمت بالجنون من كانوا يتحدثون عن سلاح فتاك يطير منطلقا عبر الحدود والمسافات الشاسعة وبسرعة تفوق أي طائرة مستحدثة في ذلك الحين, ربما رددت أكثر من 100 مرة سؤالا بدا ساذجا يقول: هذا أكثر من خيال في خيال وإلا فكيف يتأتى ذلك السلاح للبشر أنتم تمزحون أو تسخرون من سذاجتي, ذات يوم أخذت الجلالة أو استبد الاستفزاز بضابط فرنسي كبير فإذا به يمسك ورقة بيضاء قائلا: سوف أريك كيف وبدأ يحكي عن التصميم الأساسي للسلاح الجديد ويورد تفاصيل عن سرية الوصول إلى موقعه في شرقي ألمانيا ويسهب في بطاقات الدخول ذات الألوان المتغيرة التي تسمح لحامليها بالوصول إلى قدس الأسرار العسكرية الألمانية ويردد على مسامع جيني كلمة لم تكن لتفهمها تماما وإنما اكتفت بحفظها بحروفها وايقاعها ومن ثم نقلتها مع كل أطراف وتفاصيل هذا الحديث حرفيا في تقرير بعثوا به إلى لندن: الكلمة هي (راكتن) ومعناها الصاروخ ويعد هذا التقرير الذي كتبته جيني في مطبخ منزلها واحدا من أهم وثائق المخابرات في الحرب العالمية الثانية, ولهذا حرص على نشره ريجنالد جونز مسؤول المخابرات العلمية البريطانية خلال الحرب في كتابه الذي أشرنا إليه (حرب السخرة) يقول الكاتب الأمريكي ديفيد اجناتيوس: ــ لم تكن الفتاة (جيني) لتفهم في النظريات العلمية ولا في الرموز والمفاهيم التي كانت تتردد على مسامعها (على ألسنة الضباط الألمان) ولكن كانت ذاكرتها كالأسفنجة تمتص كل المعلومات بحذافيرها, ومن ثم تعصرها بحذافيرها أيضا على صفحات التقاقير التي تقدمها, كانت بمثابة شريط تسجيل بشري. تشرشل يقرأ التقرير إذن فقد حررت تقريرها حول السلاح الألماني السري الجبار, ولكن من يضمن للتقرير ان يوضع تحت أنظار المسؤولين عن ادارة الصراع الدولي والدموي ضد أدولف هتلر؟ كم من التقارير تضيع, وكم من المعلومات تصل , ان وصلت بعد فوات أوانها. في هذا السياق يحلوا للسيدة الفرنسية وهي تحكي قصتها وتسترجع ذكريات المقاومة وقد انقضى عليها أكثر من خمسين عاما, ان تصور نفسية فرد المقاومة الذي يعمل في الجبهة الداخلية أو خلف الخطوط أو رهن السرية في تنظيمات تحت الأرض, انها تحكي عن الخوف الدائم المزمن المستبد بافراد المقاومة السرية, انه خوف العاجزين الذين يلتزمون غياهب الظلام و كل واحد منهم يظل فريسة الوحشة والوحدة والوساوس والهواجس وخشية المجهول, مكتوب على أمثالها ان تسمع وترصد ونلاحظ ثم تظل رهينة الشكوك حول المعلومات الخطيرة التي حصلت عليها وهل وصلت إلى أيدي المسؤولين الكبار أو كان مصيرها الاستهانة والاستخفاف فألقيت في أَضابير الاهمال؟ لكن الذي حدث ان وصل تقريرها إلى جونز شخصيا مسؤول فرع التجسس العلمي في المخابرات البريطانية, قرأ الرجل وهو شبه مذهول حكمات وعبارات تقول: ــ يبدو انهم وصلوا إلى المرحلة النهائية من تطوير قنبلة (!) سابحة في أجواء الغلاف الجوي ذات نوعية جديدة تماما, يقال ان حجم هذه القنبلة يبلغ 10 أمتار مكعبة وهي ملىئة بالمتفجرات وسوف يجري اطلاقها بطريقة رأسية لكي تصل إلى الغلاف الجوي بأسرع ما يمكن مع الحفاظ على سرعتها الأولية بفضل التفجيرات المتوالية, وقد نجحت تجارب هذا السلاح مما جعل هتلر يشير إليها عندما تكلم عن الأسلحة الجديدة التي سوف تغير مسار الحرب عندما يستخدمها الألمان. أخيرا يخلص التقرير الذي قدمته الفتاة الجاسوسة الفرنسية إلى ما يلي: ــ هناك ضابط ألماني يقدر بأن تدمير لندن سوف يكفي لانجازه ما بين 50 و 100 من هذا السلاح الجديد. خلال أيام قلائل كان تقرير هذا المصدر الفرنسي (المجهول) موضوعا على مكتب رئيس الوزراء (ونستون تشرشل) وكان التقدير من العوامل الأساسية التي حملت البريطانيين على قصف منطقة (بينموندي) الألمانية, وعلى اتخاذ أهبة الاستعداد لمجابهة خطر السلاح الألماني المرتقب وهو الصواريخ. البطولة ليست اختيارا في (ربيعها) الثمانين أو المشارف على الثمانين يبادرها الصحفي الأمريكي بسؤال: ــ لماذا فعلت هذا كله, وقد تعرضت بعدها لآلام العذاب في معسكرات الاعتقال فيما كان بوسعك ان تعيشي حياتك مرفهة ومريحة في باريس. أي سؤال هذا الذي تقول؟ لقد فعلت ما فعلته والسلام لم يكن في الأمر اختيار, وهنا يعلن الصحفي قائلا: صحيح ان البطولة ليست أمر اختيار بل هي استجابة تلقائية أشبه برد الفعل العكسي ازاء المواقف والأحداث, لا تتبع الدماغ الاعلى حيث التفكر والاخذ والرد والتدبير بل هي أقرب إلى الجهاز العصبي المركزي بكل ما يتسم به من عفوية وتلقائية ولو احتاجت جيني (روسو) إلى ان تتأمل الأمر وتقلبه على كل جوانبه فربما كانت قد انضمت إلى الملايين الذين لم يفعلوا شيئا على الاطلاق.