الدراسات الاقتصادية الرامية لفحص الواقع العربي, ومعرفة مواقع الصحة والخلل فيه, أكثر من جيدة, لكن التعاطي الرسمي وحتى الجماهيري (هذا في حالة اطلاع الجماهير عليها) غير مشجع ومحبط في الوقت ذاته . والدراسة التي سنلقي عليها بعض الضوء اليوم أعدتها الدائرة الصناعية بوزارة المالية والصناعة, لتضع بها النقاط فوق حروفها, ولتؤكد ما يذهب إليه بعض مثقفينا بأن التنمية في الوطن العربي محض خرافة لا أكثر, ونوايا حسنة تعمر قلوب بعض المسؤولين دون ان يتبعها تخطيط أو تنظيم أو دراسات واقع, أو متابعة شاقة لظروف ميدان التنمية ومواجهة تحدياته القاتلة والمرعبة. وعليه فالنوايا الحسنة تبقى نوايا, والتنمية تراوح في منطقة الحلم المغيب أو الخرافة الساكنة في أساطير الانسان العربي وأحلامه. الدراسة التي أشرنا إليها تؤكد وجود 73 مليون عربي ما زالوا يعيشون تحت مستوى خط الفقر, وهذا يعني ان دخل الفرد تحت هذا التصنيف أقل مما يصرفه تلميذ الروضة يوميا في مناخات عربية أخرى! كما ان أكثر من عشرة ملايين عربي لا يحصلون على نصيبهم من الغذاء الكافي, اضافة إلى وجود 60 مليون عربي يعانون الأمية, علما بأن تعداد العالم العربي يقارب الـ 260 مليونا! إذن فالأرقام أكثر من مفزعة. المفزع ان هذا العالم العربي الذي مازلنا نصدق ونحفظ ما درسناه عنه في كتب التاريخ والجغرافيا بأنه يضم أكبر وأهم الثروات ومصادر الطاقة, ويتحكم في أكثر البحار والممرات والمواقع استراتيجية, وتجري في أراضيه الكثير من الأنهار, وتتحرك فوق أرضه قوة بشرية هائلة, يذكر التاريخ وتذكر أوروبا عنهم أنهم سادوا العالم ذات يوم. هذا العالم يعيش اليوم فترة ظلامه القصوى التي تذكر بفترة العصور الوسطى التي عاشتها أوروبا, فالواقع الذي نسمع عنه, ونقرأ حوله ونعيشه يوميا يقول شيئا مختلفا عن كل الذي تحكيه الكتب وتؤكده تفاصيل الجغرافيا ذات الثروات. الحقيقة ان الوطن العربي يستورد 21% من واردات العالم من القمح وأكثر من 17% من تجارة الحبوب الدولية, ويستهلك نسبة كبيرة من تجارة السلاح وينخفض سعر نفطه وثروته الأولى إلى أدنى معدلاته, وهذا يعني أن هذه النسب لو بقيت بهذه المعدلات فإن مجاعة حقيقية على وشك أن تضربه من أقصاه إلى أقصاه. الحقيقة أيضا ان الوطن العربي (ذا الثروات الضخمة) يعاني من نقص حاد في المياه نتيجة الصراعات الحدودية أو ما يعرف بحروب المياه, والتي أشعلتها اسرائيل ودخلت فيها تركيا ودول أفريقيا أطرافا رئيسية وشرسة, إضافة إلى انعدام سياسات ترشيد استخدام المياه, ووعي الحاجة عند المواطن العربي. والحقيقة كذلك ان الوطن العربي قد صنف حسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ضمن بلدان العجز الغذائي! هذه كلها حقائق وليست مؤامرات, تصيبك بالدوار واليأس ربما, لكنها تجعلك تتساءل عن الحقيقة, هل هي ما تقوله مناهج التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية وبرامج الدعاية الرسمية في التلفزيونات العربية؟, أم ما تقدمه آخر الدراسات الاقتصادية؟ الجواب عند العالمين ببواطن الأمور بعد الله تعالى.