ربما كانت امريكا الجنوبية نموذجا قاسيا, تعد من اقسى النماذج التي شهدتها حقبة الحرب الباردة التي دامت نحو نصف قرن من الزمن, جرت فيها احداث كبيرة وخطيرة حددت فيما بعد مصير ذلك الجزء من القارة . قد يكون السبب ان ذلك القسم من العالم ينتمي الى العالم الثالث الذي عانى الويلات من تجارب الحرب والسياسة والاقتصاد ايضا. وربما ايضا, ان اتسام الحكم في دول امريكا الجنوبية بالطغم العسكرية التي كانت تقفز للسلطة واحدة تلو الأخرى, هو الذي جعلها مادة ثرية للادباء والروائيين خصوصا مثل (ماركيز) . في العام 1973م قفز احد جنرالات الجيش التشيلي الى السلطة بانقلاب دام راح ضحيته الآلاف من ابناء البلاد, ليوقف تجربة التشيلي في تداول السلطة ويسقط الحكومة المنتخبة بزعامة السلفادور الليندي, وليفتح بعد ذلك ملاعب كرة القدم والمدارس لعشرات الالوف من المعتقلين السياسيين وغير السياسيين في محاولة لفرض سلطة الامر الواقع وتعزيز حكم العسكر, بالخطوة التي اقدم عليها الجنرال (اوجستو بنيوشيه) , دخلت تشيلي في حمام من الدم تناغما مع دول امريكا الجنوبية الاخرى التي كان الجنرالات يديرونها كما تدار الحانات. وعلى الجنرال الجديد ان يؤكد صدق انتمائه الى النادي العسكري في امريكا الجنوبية, فلم يكن امامه الا ان يدخل وفي يده ملف الرعب المشهور, الذي يحتوي على مقترحات واضحة في كيفية القضاء على معارضيه اولا ومعارضي الدول المجاورة, وقدم الجنرال بينوشيه مقترحه الفظيع لباقي الجنرالات وتمت المصادقة عليه, كان الملف بعد ذلك يضم بين طياته سبعمائة صفحة ونحو عشرة آلاف صورة لمعارضين سياسيين اختفوا من البوروجواي والتشيلي والارجنتين والبرازيل وبوليفيا, فعملية (النسر الامريكي) نسبة لدول امريكا الجنوبية, كانت من الدقة بحيث تستطيع القضاء بسرعة كبيرة على من يخالف حكم العسكر حتى وان كان بقلبه, وكانت فرق الموت تجوب شوارع عواصم البلدان تلك, لتختلط النشاطات العسكرية الفظيعة بعمل المافيات الدولية, ولتتحول تلك البلدان الى غسيل قزر لم يجرؤ احد على نشره الا بعد ان اسدل الستار على الحرب الباردة, وبدأ الحديث يتزايد عن اقتصاديات السوق الرأسمالية التي لها من الشروط السياسية ما يفرض على بلد مثل باراجواي الاعلان عن ملف الرعب ذاك اضافة الى مئات الصفحات الاضافية التي توثق عمليات انجاز المهمات القذرة التي كانت تنفذ تحت ستار معتم لاتخترقه عمليات التجسس. وفجأة يعلن ان في الفترة التي حكم فيها الجنرال بنيوشيه تم القضاء على اكثر من ثلاثة آلاف معارض سياسي غير الضحايا الذين يسقطون عادة في عمليات الاغتيال في الشوارع او المنازل. وان ما بين 15 ـ 30 الف قتلوا في الارجنتين في الفترة ما بين 1976 ـ 1983. لكن السادس عشر من اكتوبر 1998 كان الجنرال (اوجستو بينوشيه) على موعد مع القضاء البريطاني, الذي اصدر مذكرة توقيف بحقه تحت تهمة الابادة الجماعية والتعذيب. وذلك في خطوة لم يتوقعها الجنرال ولم تتوقعها حكومة بلاده التي رأت ان بينوشيه يمتلك الحصانة الدبلوماسية حتى وان اباد شعبا كان يتوق للتغيير منذ ربع قرن. وسرعان ما تقدمت اسبانيا بطلب لبريطانيا لتسلم الجنرال تمهيدا لمحاكمته بذات التهم واكثر, وسارعت حكومة باراجواي بارسال 1300 صفحة من ملفات الرعب, التي كان الجنرال احد مسؤوليها الكبار, للقاضي الاسباني جارزون لاستخدامها ضد (بينوشيه) كدليل لا يمكن انكاره وهكذا دارت الدوائر على الجنرال العجوز الذي اصبح في متاهة, وغير قادر على النوم بسبب مئات التهم الموجهة اليه التي يكفي ادانته في واحدة منها ليقضي باقي عمره وراء القضبان. لقد تخيل بينوشيه ان ستار الحرب الباردة لا يزال يعمل بفاعليته القصوى ونسى ان تلك الحرب انتهت وانهارت معها القوة الاخرى, وبالتالي لم يعد هناك سبب وجيه يمنع اهالي الضحايا من المطالبة بالقصاص العادل واصدار حكم العدالة بحق احد مجرمي العالم. الجدل الدائر الآن بين قطاعات مختلفة في امريكا الجنوبية كما في اوروبا يتمثل حول الطرق التي استخدمت لاصطياد بينوشيه واعتقاله, وليس تشكيكا في التهم الموجهة اليه, فبريطانيا التي فجرت الموقف باعتقاله, تواجه احتمالات عديدة متناقضة في اغلبها. فتشيلي التي ترفض اعتقال جنرالها المتقاعد, اخذت تهدد بريطانيا بايقاف الصفقات العسكرية ولجم التبادل التجاري وتبدو استعدادها لشطب مائة وخمسة وسبعين عاما من العلاقات الوطيدة بين البلدين, وبريطانيا نفسها تعيش جدلا على وجود احد القضاة في هيئة المحلفين وهو عضو بارز سابق في لجان حقوق الانسان وهو الذي رجح قرار ايقاف الجنرال, واسبانيا مستعجلة جدا لنشر الغسيل العسكري الدموي للجنرال واصدقائه في نادي فرق الموت بامريكا اللاتينية. اما الضحايا واهاليهم, فقد استعادوا بعضا من الحيوية التي اخفتها سنوات طويلة من القهر والشعور بالظلم الذي حل بهم وببلادهم. بيد ان الجنرالات في دول اخرى يضعون الآن ايديهم على رقابهم تحسسا وتحسبا لساعة الحساب العسيرة. كاتب بحريني*