تتأهب الجزائر بمختلف أحزابها وتياراتها وفعالياتها وتشكيلاتها السياسية لخوض معركة الانتخابات الرئاسية القادمة في 15 إبريل من السنة الجارية بعد أربع سنوات فقط من الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز بها الرئيس اليمين زروال في الدور الأول بما يفوق 60% من أصوات الناخبين. هذه المرة تحركت الفعاليات السياسية الجزائرية منذ إعلان الرئيس اليمين زروال في خطاب 11 من سبتمبر الماضي إجراء انتخابات رئاسية مسبقة وبدأت الحملة الانتخابية قبل التاريخ المحدد لها بعدة شهور, وهكذا بدأت التصريحات والتعليقات وبدأت الأنشطة المختلفة للفعاليات السياسية بمختلف دروبها وتوجهاتها للتأثير على الرأي العام وكسبه لجانبها. ما يميز يا ترى الانتخابات الرئاسية الجزائرية الثانية في عهد التعددية؟ ما هو الفرق بين انتخابات إبريل 1999م ونوفمبر 1995م؟ هل سيحافظ حزب التجمع الوطني الديمقراطي على تفوقه وسيطرته على صناديق الاقتراع؟ من هم ياترى المرشحون الرئيسون في الانتخابات القادمة؟ ما هي حظوظ مختلف الأحزاب السياسية؟ ومن هي الأحزاب التي يكون لديها وزن وتأثير في توجه الانتخابات وتحديد نتائجها؟ ماذا عن نزاهة الانتخابات وشفافيتها؟ للإجابة عن هذه الأسئلة يجب علينا في البداية أن نستعرض أهم المميزات والخصائص السياسية التي تتميز بها الساحة السياسية الجزائرية في سنة 1999م حيث يلاحظ المتتبع للساحة السياسية الجزائرية أن أمورا كثيرة تغيرت وأن الديمقراطية في الجزائر بدأت تترسخ وتضع أقدامها بكل أمان وثقة وبكل هدوء. عودة البومدينية: الملاحظ والمتبع للحياة السياسية الجزائرية هذه الأيام ومع مرور الذكرى العشرين للرحيل الرئيس هواري بومدين الذي حكم الجزائر من سنة 1965م إلى 1978 يلاحظ الحنين إلى البومدينية وتشوق الجزائر لرؤية رئيس بكاريزمة وشخصية ونفوذ وقوة وصلابة وهبة الرئيس هواري بومدين. رجل الشارع الجزائري يتحسر هذه الأيام على أيام بومدين, أيام العز كما يسميها الكثيرون أيام الخير, تلك الأيام التي كانت فيها الجزائر تبني المصانع وتستصلح الأراضي وتكون الأجيال, تلك الأيام التي كانت فيها الدبلوماسية الجزائرية تترك أصداء وبصمات وراءها أينما مرت وأينما اجتمعت. عودة البومدينية تتجسر هذه الأيام في الشارع السياسي الجزائري في ترشيح العديد من تلاميذ وزملاء ورفقاء الدرب للراحل هواري بومدين, ومن أهم هؤلاء وزير خارجية الجزائر السابق في عهد بومدين السيد عبد العزيز بوتفليقة, وكذلك وزير الداخلية السابق مولود حمروش, إلى جانب شخصيات أخرى أبدت اهتمامها بالترشح للرئاسيات القادمة مثل بلعيد عبد السلام وأحمد طالب الإبراهيمي وسيد أحمد غزالي, هؤلاء جميعهم يمثلون البومدينية بدرجات مختلفة وبتوجهات وقناعات تختلف من شخصية إلى أخرى, كما لاننسى كذلك أن رئيس الوزراء الحالي الذي جاء لخلافة أحمد أو يحيى وهو إسماعيل حمداني يعتبر كذلك من رفقاء الدرب للرئيس الراحل هواري بومدين. والكلام هذه الأيام يطول ويتشعب على ترشيح عبد العزيز بوتفليقة الذي زكى من قبل حزب جبهة التحرير الوطني ــ ليس القاعدة وليس عن طريق المؤتمر وإنما من قبل التيار الفاعل بقيادة المحافظين وعلى رأسهم الأمين العام الحالي بوعلام بن حمودة ــ ونفس الشيء تقريبا حدث مع حزب النهضة حيث قام بتزكية عبد العزيز بوتفليقة رغم أنه لم يحصل على إجماع تام من قبل القاعدة. حزب التجمع الوطني من جهته راهن على عبد العزيز بوتفليقة رغم عدم الوصول إلى إجماع وأن هذه التزكية أدت إلى نزاعات داخل الحزب حيث صرح أمينه العام أن العديد من الشخصيات الفعالة في الحزب تعرضت لضغوط لترشيح بوتفليقة الذي تلقبه الصحافة المحلية بمرشح السلطة أو مرشح الإجماع. يرى معظم المحللين والمتتبعين للساحة السياسية الجزائرية أن هذه التزكيات التي أستفاد منها عبد العزيز بوتفليقة أساءت إليه أكثر مما خدمته, وأنها جاءت متسرعة حيث ان بوتفليقة نفسه لم يقدم برنامجه ولم يعلن عن توجهاته المستقبلية لتسيير شؤون البلد وأن الحملة الانتخابية لم تبدأ رسميا بعد. زعماء سياسيون عدة عبروا عن استيائهم لطريقة التزكية ولفكرة مرشح الإجماع وللطريقة التي تعاملت بها عدة أحزاب مع الانتخابات المسبقة. فالجميع يتفق على إعطاء الفرص المتكافئة للجميع واحترام لعبة الديمقراطية والمنافسة الشريفة. الشفافية ونزاهة الانتخابات: فكرة مرشح الإجماع أو مرشح السلطة أدت إلى ردود أفعال كثيرة وعنيفة من قبل الكثير من الشخصيات والفعاليات السياسية الجزائرية المختلفة كمولود حمروش وأحمد طالب الإبراهيمي ومحمد الصالح بحياوي ويوسف الخطيب وعبد الله جاب الله وأحزاب سياسية عديدة أدانت مثل هذه التصرفات وطالبت كلها بعدم فرض مرشح واحد على الجميع وفتح الفرصة لكل الأحزاب السياسية والفعاليات السياسية أن ترشح من تريد ووفق اللعبة الديمقراطية التي تقوم على الشفافية والنزاهة والوضوح وتكافؤ الفرص أمام الجميع وهذا ماأكد عليه رئيس الحكومة الجديد إسماعيل حمداني والذي يمثل هو الآخر أحد رفقاء الدرب وتلاميذ الرئيس الراحل هواري بومدين. أفول وانهيار الأحزاب الضعيفة: مايلاحظ على الساحة السياسية الجزائرية هذه الأيام هو (مبدأ البقاء للأصلح) وهذا يعني أن الأحزاب السياسية الصغيرة وجدت نفسها تائهة إلى الآن حيث انها لاتستطيع أن تنافس وتقدم مرشح قوي وهذا أضعف قاعدتها ولهذا نرى أن البعض منها يطالب بمرشح الاجماع والبعض الآخر ينتظر الحلول الجاهزة التي تأتي من جهات أخرى. كما نلاحظ كذلك أن حزبا مثل التجمع الوطني الديمقراطي ورغم حوزته على نسبة كبيرة من مقاعد البرلمان ومجلس الأمة في الانتخابات الأخيرة لم يجرؤ إلى الآن على تقديم مرشح خاص به ونفس الشيء بالنسبة لحزب النهضة وهذا يعتبر ضعفا في الممارسة والحنكة السياسية. لقد كثر الكلام هذه الأيام على الحزازات الداخلية في حزب السلطة التي قد تعصف به وتقضي على حظوظه في الحفاظ على سيطرته على الساحة السياسية الجزائرية. أما بالنسبة للتحالفات المختلفة ما بين الأحزاب فإلى الآن لم يحدث شيء في الميدان لكن هناك أقاويل عدة حول تحالف بعض الأحزاب (الديمقراطية) في تقديم مرشح يمثلها. المعطيات السالفة الذكر تؤشر إلى أن التيار البومديني سيكون الأكثر والأوفر حظا لنيل المركز الأول في تسيير شؤون الجزائر في الانتخابات القادمة سواء كان بوتفليقة أو حمروش أو غيرهما. مرشح الإجماع: منذ الإعلان عن إجراء انتخابات رئاسية مسبقة دخلت التشكيلات السياسية المعتمدة مرحلة ترقب وتخوف وجس النبض ولم تستطع إلى الآن ورغم لقاءاتها برئيس الجمهورية وببعضها البعض أن تحدد موقفا واضحا من هذه الانتخابات وهكذا جاءت فكرة مرشح الإجماع وهي بكل بساطة هروب الى الامام هروب من المسؤولية حيث ان نسبة كبيرة من الاحزاب السياسية المعتمدة حاليا في الجزائر لا تحمل من الحزب السياسي الا الاسم وكنتيجة لهذه الظاهرة فإن ظاهرة افول عدد من الاحزاب السياسية مقبلة. فالاشكالية المطروحة بالنسبة لمرشح الاجماع هي هل اتفقت الاحزاب حوله؟ هل حددت مواصفاته؟ وماهو برنامج هذا المرشح مقارنة ببرامج هذه الاحزاب؟ وهل القاعدة الشعبية لهذه الاحزاب توافق على هذا المرشح وتوافق على استراتيجيته؟ تعبر هذه الفكرة اساسا على العجز السياسي الذي تعاني منه الكثير من الاحزاب السياسية بما فيها حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي بدأت تظهر تناقضاته ونقاط ضعفه مع مرور الزمن حيث ان هذا الحزب تشكل بسرعة كبيرة من عناصر جاء معظمها من حزب جبهة التحرير الوطني, ووجد نفسه صدفة يسيطر على مجريات الامور فالكثير من الاحزاب برهنت على فقدانها لاستراتيجية واضحة ازاء الاحداث والقضايا الهامة وكذلك التحولات السريعة والكبيرة التي تحدث على المستوى الداخلي والمستوى الدولي, هذه الاحزاب تنتظر دائما الحلول الجاهزة التي تأتي من (اعلى) وتفاوض فيما بعد على ما تتحصل عليه اذا اعتمدت هذه الحلول ودخلت في الصف. الرئاسيات الجزائرية القادمة تميزها عدة خصائص ومميزات لم تتمتع بها سابقاتها ومن اهمها مايلي: كثرة عدد المرشحين حيث انه يتجاوز العشرة, وهذا يعني انه من المستحيل ان تفصل نتيجة الانتخابات في الدور الاول. ان شخصية المرشح (الماضي النظيف, الاستقامة, الكاريزمة, التجربة, الحنكة, الهبة) وبرنامجه السياسي هو الذي يحدد الى درجة كبيرة النتيجة. ان المرشح الذي يستفيد من تزكية المؤسسة العسكرية ومن كسب اصوات التيار الاسلامي تكون له حظوظ كبيرة للفوز بالانتخابات. عودة (البومدينية) بقوة ممثلة في عبدالعزيز بوتفليقة, مولود حمروش, بلعبد عبدالسلام, احمد طالب الابراهيمي وغيرهم. ان الديمقراطية ستكون الرابح الاخير في الانتخابات الجزائرية القادمة حيث ان الجزائر ودعت الى الابد طريقة المرشح الواحد ونسبة الــ 99.99%, وللحديث بقية. جامعة البيان قسم الاتصال الجماهيري*