إذا كانت اتفاقات واي بلانتيشن التي عقدت في الولايات المتحدة الأمريكية بين اسرائيل وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني برعاية أمريكية شكلت انقلابا على ما سبقها من اتفاقيات وصفقات رغم تناسلها منهن, إلا أن وزير الخارجية الاسرائيلية شارون وبدفع من أحزاب اليمين المتطرف الديني والقومي المتحالفة مع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو , قد قاد انقلابا حقيقيا على كل ما وقعت عليه أطراف (واي بلانتيشن) . وجاء هذا الانقلاب على ما يبدو تسابقا مع الزمن, حيث لم تكتف هذه القوى بتعديل خرائط الانسحابات المقرة والتي تبلغ 13% من أراضي الضفة الغربية. بل مارست ضغوطا قوية عبر بعض الشخصيات الاسرائيلية المتنفذة, مثل (ديفيد بار ايلان) المستشار السياسي لنتانياهو ورئيس حزب موليديت المتطرف وممثله في الكنيست (نانبان), والمليونير اليهودي الأمريكي (ديدفين موسكوفيتش) الذي يعتبر من أقطاب مجموعة عطيرات كوهانيم الاستيطانية الارهابية التي تسعى إلى تعزيز عملية الاستيطان في كافة أرجاء القدس توطئة لبناء الهيكل اليهودي المزعوم, وبعض الضباط المحيطين بوزير الدفاع إسحق مردخاي, على حكومة الليكود وتحالفها والجيش الاسرائيلي لغض الطرف عن الأمر الواقع الجديد الذي يرسمه المستوطنون لخارطة استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة. على الرغم من انه منذ تولي الليكود وتحالفه اليميني المتطرف رئاسة الوزراء الاسرائيلية بدأت البناء بصمت وعبر القضم المنظم للأرض الفلسطينية في أكثر من 170 مستعمرة يهودية في الضفة الغربية, وعلى حدود ما يسمى بالخط الأخضر الفاصل بين الأراضي التي احتلت عام 1948 وعام ,1967 وقد ظهرت هذه الهجمة الاستيطانية المسعورة في صيف 1997 واستمرت طوال سنة ,1998 ولا تزال بالترافق مع وضع مخطط حول القدس الشرقية, ثم التقدم به مطلع 1998 تحت اشراف الصهيوني (ناخ كينارتي) المسؤول عن هذا القطاع في عهد حكومة اسحق رابين, والذي سيكون من نتائجه ضم 18 مستعمرة تقريبا داخل اطار ما يسمى القدس الكبرى, وقد شكلت حركة الاستيطان المشار إليها نموا مذهلا, بحيث يرى الجنرال الصهيوني (أهارون دومت) أمين سر مجلس المستوطنين في مستعمرة (ياشا 4) , أن (ذلك يشكل نتيجة ايجابية لمشروع الاستيطان رغم المعوقات السياسية في مناطق يهودا والسامرة) . وقد بلغت نسبة هذا النمو في عام 1997 ثلاثة أضعاف نسبة النمو في المدن الاسرائيلية. اضافة إلى ان الحكومة الصهيونية تمول حاليا أعمال البنية التحتية فيما بين 80 و90 مستوطنة من أصل 120 في الضفة الغربية. وفي غالبية الحالات تقوم هذه الأعمال فوق أراض غير ملحوظة رسميا للبناء. رغم الانتشار السرطاني الاستيطاني المكثف والكبير جدا والذي عمل على فرض وقائع جديدة داخل الضفة الغربية, بهدف الاخلال بالوضع ليس الجغرافي فحسب بل والديمغرافي الفلسطيني, الا انه ازداد بشراسة كبيرة, قطعا للطريق على اعادة الانتشار في مراحلها النهائية وهذا ما أشارت له الكثير من المعلومات الاسرائيلية, أي انه منذ اطلاق وزير الخارجية الاسرائيلي ارييل شارون دعوته العدوانية السافرة للمستوطنين وحضهم على الاسراع والتحرك للاستيلاء على أكبر عدد من التلال لتوسيع المستوطنات بقوله: ان (ما نستولي عليه سيبقى لنا), حتى أقدم المستوطنون الصهاينة على وضع عشر نقاط استيطانية جديدة في الضفة الغربية. استهدفت التلال المحيطة بالمستعمرات ومن هذه التلال, تلة حرفوش وتلة السنديان القريبتان من مستعمرة أدوميم, وتلة من أراضي حواره وعينا بوس في محافظة نابلس القريبة من مستعمرة يتصهار. وأقام مستوطنو يرافاه, أربع مقطورات استيطانية جديدة على موقع يبعد 300 متر إلى الشرق من مستوطنتهم. ووضع ثلاث مقطورات استيطانية على تلة تبعد حوالي كيلو متر غرب مستعمرة عيليه. بالاضافة إلى احتلال تلة شرق مستوطنتي شلبو وشبوت راحيل, ووضع سبع مقطورات استيطانية على تلة تقع على بعد كيلو متر من مستعمرة ألون شيوت, وعدة مقطورات استيطانية على تلة تقع على بعد كيلو متر من مستعمرة معاليه فحماس, وثلاث مقطورات استيطانية في منطقة أم الأخواص شرق بلدة يطا, واحتلال تلة إلى الشمال الشرقي من مستوطنة بداخاه. وبموازاة هذه الأنشطة الاستيطانية قامت الحكومة الاسرائيلية والجيش الاسرائيلي باقرار 12 طريقا التفافيا استيطانيا في الضفة الغربية. وقد شرعت فعليا في شق ستة شوارع استيطانية التفافية, ففي الشارع رقم 70 شرعت سلطات الاحتلال بأعمال تجريف أراض تبلغ مساحتها 3200 دونم للربط بين المستعمرتين الاسرائيليتين علموف وكفار أدوميم, ليعبر أراضي قريتي عيناتا وخرما في القدس بطول 3200 متر, وعرض 100 متر, وسيهدم ما يقارب عشرين حيث تم اخطار أصحابها بهدمها ليربط الشارع بين مستعمرات علموف عناتون, كفار أدوميم, سيفات زنيف, والنبي يعقوب. وليعزل قرية عيناتا نهائيا عن الضفة الغربية. بالاضافة إلى شارع (61) الذي أعلن مجلس التنظيم الأعلى الاسرائيلي عن ابداع مشروع تنظيم هيكلي في باقة الغربية لشق شارع يمر عبر أراضي علا, وباقة الشرقية من محافظة طولكرم ووادي فراسي في محافظة جنين ليلتهم أراضي مساحتها ألفي دونم عدا مئات الدونمات الأخرى التي ستتعرض للتخريب. وأربعة شوارع أخرى وهي شارع كفر الديك الالتفافي والذي شرعت به سلطات الاحتلال والذي سيمر عبر أراضي بورقين كفر الديك ودير بلوطة في منطقة سلفين, وسيؤدي شق هذا الطريق إلى مصادرة نحو 1150 دونما مشجرة. شارع رقم (60) والذي يربط ما بين مستعمرات أفرا في بيت لحم والشارع الاستيطاني القديم الذي يحمل نفس الرقم, أما شارع العروب فيهدف إلى الربط بين التجمع الاستيطاني في غوش عتصيون ومستعمرة كريات أربع في الخليل ويلتف حول مخيم العردي. بالاضافة إلى الشروع في بدء العمل بشق شارع كفار تفوح الذي يربط ما بين مستعمرة كفار تفوح, ومستعمرة عليله إلى الجنوب من مدينة نابلس ويمر عبر أراضي قرية السادية, المبنى الشرقي. ومن شأن هذه الشوارع الالتفافية الجديدة التي شرعت سلطات الاحتلال بتنفيذ بعضها كما أسلفنا أن تستكمل ما بدأته الشوارع الالتفافية التي شقت قبل تنفيذ المرحلة الأولى من اعادة الانتشار والتي انسحب بموجبها الجيش الاسرائيلي من المدن الفلسطينية السبع (والتي ابتلعت بدورها هي الأخرى 35 ألف دونم أي ما يعادل 35 كيلو مترا مربعا). والأخطر من ذلك أن قوات الجيش الاسرائيلي أزاحت بفعل الطرق الالتفافية خط الهدنة الذي يفصلها عن الضفة الغربية المسمى الخط الأخضر في منطقتين على الأقل حتى الآن أولهما جنوب قرية السموع في منطقة الخليل حيث تم وضع الحواجز العسكرية (النقطة الحدودية) التي تفصل اسرائيل عن الضفة على الشارع الالتفافي الجديد الذي يحدد النقطة التي ستبدأ عندها طريق (الممر الأمني) عبر اسرائيل وصولا لقطاع غزة وتبعد هذه النقطة ثلاثة كيلو مترات عن حدود الهدنة. وفي المنطقة الواقعة غرب مدينة رام الله أزاحت اسرائيل خط الهدنة ثلاثة أو أربعة كيلو مترات من خلال شق شارع التفافي جديد وضمت اليها المستوطنات التي اقامتها على جانبي الخط الاخضر في تلك المنطقة. وبهذا سيكون رئىس الوزراء الاسرائىلي بنيامين نتانياهو قد أوفى بتعهده الذي قطعه على نفسه امام تحالفه اليميني وغلاة المستوطنين بانه سيبقي 58 بالمائة من الضفة الغربية تحت السيطرة الاسرائىلية, وانه لن يصل مع الفلسطينيين الي اتفاق على مسألة الحدود والمياه واللاجئين والقدس وسيبقى يماطل الى ما لا نهاية في كل هذه القضايا. وانه سيرفع نسبة الدعم المالي في الموازنة القادمة للمستوطنين, وكان أولها تخصيص مساعدة حكومية بقيمة 205 ملايين شيكل (950 الف دولار) لدعم المستوطنات. وهذا ما أكده شارون لسان حال الحكومة اليمنية والمعبر الحقيقي عن العقل الصهيوني الذي يقوم على نفي الآخر حين قال ان اسرائىل ترغب في الاحتفاظ بصورة نهائية بــ 58 بالمائة من اراضي الضفة مشيرا الى انه يجب اعتبار هذه النسبة (مناطق امنية) بحيث لا تستطيع اسرائىل التخلي عنها في مفاوضات الوضع النهائي. وهذا ما أكدته صحيفة (هاآرتس) الصهيونية بقولها: (ان شارون أدلى بهذه التصريحات اثناء اجتماعات تحضيرية لهذه المفاوضات التي يأمل ألا تؤدي الى (تنازلات) جغرافية من جانب اسرائىل وان تنصب على مسائل اقتصادية وقضية توزيع المياه) . يبقى السؤال إذا ما بقيت حكومة نتانياهو الصهيونية موغلة في تنفيذ مشاريعها الاستيطانية, ما الذي سيبقى للسلطة الفلسطينية لكي تفاوض عليه في المرحلة النهائية؟! * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق