يتلخص توجه النظام العراقي بعد الحملة العسكرية الاخيرة بصورة مبسطة وواضحة في انه لا يستطيع ان يقنع نفسه بالحق, ويحاول اقناع غيره بالباطل, وتتمثل هذه المعضلة المركبة في كتابات طارق عزيز الاخيرة, فهو لا يستطيع اقناع شخص واحد, هو صدام حسين بالواقع الذي يعيشه العالم, فيحاول ان يقنع العالم بالخطأ الذي يعتقد به رئيسه . تلك خلاصة الفكر السياسي العراقي في هذه المرحلة التي تسبق التغيير الكبير في العراق والذي هو عنوان لتغيير تاريخي في منطقة الشرق الاوسط. النظام العراقي يريد ان يقنع الشعوب العربية قاطبة ــ كما يتخيل وفي الساعة الرابعة والعشرين ــ ومن خلف ظهر انظمتها العديدة المختلفة انه على حق وغيره على باطل, ولذلك فلابد ان تتغير كل هذه الانظمة العربية بدرجات الطيف التي تحتضنها الممارسة العربية حتى يستطيع الشعب العربي ان يحصل على ما حصل عليه الشعب العراقي. مرة اخرى, فان النظام العراقي ومناصريه يفوتهم قراءة التاريخ المعاصر للشرق الاوسط, ففي المائتي سنة الاخيرة كان تاريخ الشرق الاوسط يتلخص في ان قوة غربية تريد الهيمنة, وقوة غربية اخرى تزاحمها على هذه الهيمنة بل وتطردها في بعض الاحيان, ذلك التاريخ الطويل شهدته منطقة الشرق الاوسط بين النفوذين البريطاني والفرنسي, ثم تحول إلى الحرب الباردة, وفي سنة 1990 شهد هذا التاريخ القديم نهايته, فلا الدولة الجديدة تريد هيمنة (الولايات المتحدة) ولا الدولة القديمة (الاتحاد السوفييتي) راغبة في المنافسة بعد طول عناء. وفي السنوات الثماني السابقة شهدنا (نهاية التاريخ القديم) ان صح التعبير, فليس هناك تنافس دولي بين قوتين أو اكثر كما كان في التاريخ القديم, كما ان القوة العالمية الجديدة (الولايات المتحدة) ليست راغبة في فرض هيمنة امبريالية, انها هنا في الشرق الاوسط من اجل تحقيق استراتيجية عالمية وليست اقليمية, ولأول مرة منذ مائتي سنة تقريبا اصبح على الشعوب والحكام في الشرق الاوسط ان يتحملوا المسؤولية النهائية في تدبير شؤونهم, بأن يرتكبوا الاخطاء ويواجهوا النتائج, وهذا صعب تصوره أو فهمه على ضوء التاريخ الطويل من الاعتماد على الغير. لقد تبين لكثير من المراقبين مع تصاعد الازمة بين العراق والامم المتحدة ان هناك حقائق بدأت تبرز على السطح السياسي العربي لعل اهمها ثلاث: الحقيقة الاولى ان النظام العراقي لا يريد ولا يرغب في ان يغير مساره السياسي, وقد يكون محقا من وجهة نظر المصلحة المطلقة للنظام وافراده القلائل القابضين على السلطة, فهو ان غير توجهه السياسي فقد كل ارضية ايديولوجية بقيت له, فالاصرار على توجهه السياسي ذاك, هو جزء من الاصرار على بقائه في الحكم. الحقيقة الثانية ان العديد من الحكومات العربية وكذلك الرأي العام العربي قد وجد بالتجربة ان هناك فرقا واضحا بين معاناة الشعب العراقي وبين ما يبتغيه النظام العراقي من هذه المعاناة, وبدأ يفرق بين الاثنين مما اثار النظام وحرق سفنه مع بقية الدول العربية, ولعل اهمها مصر والمملكة العربية السعودية, فقد شن حملة شعواء على القيادة المصرية التي حاولت طوال هذه السنوات الماضية ان تجد للنظام العراقي مخرجا عربيا ودوليا مشرفا, كما فتح نيرانه الاعلامية على المملكة العربية السعودية التي حاولت جاهدة تقديم المشورة والنصح لسنوات طويلة من اجل انقاذ الشعب العراقي, بهذه التصرفات احرق النظام العراقي كل الجسور التي كان من الممكن ان تربطه بالعالم الخارجي والواقعي. الحقيقة الثالثة انه تبين لمعظم العرب خاصة دول الثقل السياسي العربي ان اصلاح أو تأهيل النظام العراقي, كي يسير صوب العقلانية ويبتعد عن التهور ويجد موضعا له بين اقرانه العرب أو بين الاسرة الدولية, قد فات زمانه وانه لا مفر من انقاذ الشعب العراقي عن طريق عزل النظام. هذه الحقائق الثلاث هي التي هيمنت على اجتماعات وزراء الخارجية العرب في لقاءاتهم المختلفة والمغلقة في العشر الأواخر من رمضان, لقد بدا واضحاً ان الغالبية من العرب قد فقدت الامل في امكانية تأهيل النظام العراقي, وجلبه الى الساحة العربية معترفاً بالخروقات التي قام بها من قبل, وقابلا بالتوازنات الموضوعية التي تفرض على النظام او اي دولة تريد ان تعيش في هذا العالم وان تتقيد بمواثيقه, ودون ان يعرف النظام العراقي او يعترف بعدم وجود (قوة خارجية) يمكن له الاعتماد عليها كما كان ايام الحرب الباردة, لقد جرب فرنسا وروسيا وربما الصين ولكن الرسالة في الاساس لم تصله, حيث لا توجد قوة دولية كالسابق تهش لانقاذه من أخطائه. لقد تبين للعرب ان النظام العراقي لن يتأخر في استخدام كل الفرص والرخص والامكانيات من اجل فرض وجهة نظره على الاطراف العربية الاخرى, ومن هذه الضغوط التي يستخدمها تجويع وترويع الشعب العراقي من اجل الحصول على تعاطف عربي ودولي, ولقد استخدم العراقي العادي والمواطن البسيط كبش فداء للطموحات والاطروحات السياسية للنظام الى درجة ان الشعب العراقي لم يعد يستطيع ان يعيش حياة عادية لفترة قد تطول من السنين, وربما تستمر هذه الى عقود مقبلة. الموقف العربي المطلوب والواقعي هو ان يحاصر هذا النظام عربياً, وان يأخذ العرب شؤونهم بأيديهم, وكما عبر عمرو موسى وزير الخارجية المصري في تصريح له الاسبوع الماضي حيث قال ما معناه على النظام العراقي ان يرحل لانه قد سبب لهذه الامة من النكبات ما لم يسببه نظام آخر. لقد كان الكثير من وجهات النظر العربية, قبل ان يفجر النظام العراقي غضبه على الجميع, تعتقد انه من الممكن ان يعود هذا النظام الى الرشد وان يرعوي ويفهم الدرس العالمي الجديد, ولكن بعد الذي تم في الاسابيع الاخيرة من عودة النظام عن مواثيقه, بجانب شتم وتحقير كل القيادات العربية والعودة الى اطروحات سياسية قديمة لم تعد مقبولة لا اقليمياً ولا دولياً, مثل القول ان الكويت هي جزء من العراق, لم تعد وجهات النظر تلك منتشرة او مقبولة, لقد كانت تصريحات النظام نقضاً صارخاً لكل العهود التي اخذها على نفسه وضرب عرض الحائط بكل التعهدات التي مرت ووثقت من خلال (مؤسسات) عراقية المفروض انها ذات مرجعية كما كان يدعي النظام نفسه. هذا التملص من المواثيق الدولية هو احدى سمات النظام العراقي سواء تملص من مواثيق داخلية او خارجية, حدث هذا مع ايران ويحدث ذلك مع غيرها, بل مع اطراف عراقية, لعل آخرها اعطاء الامان على أعلى مستوى لحسين كامل ثم الغدر به, هذا عدا تاريخه مع الاكراد في الشمال او احزاب الجبهة الوطنية في الداخل. بعد ذلك كله هل يمكن ان تعقد قمة عربية تجمع ممثلاً للنظام ذاك مع بقية الدول العربية, وما هي النتائج الممكن الحصول عليها من مثل هذا الاجتماع ان كان لهذا النظام ــ كما أسلفنا ــ تاريخ طويل في الانقلاب على المواثيق والنكوص عن التعهدات والتآمر في الظلام والدعوة الى تقسيم الاوطان والتحريض على الثورة والانقلاب؟! غير هذا التأثير الضار للنظام العراقي هناك تاريخ طويل من عدم التقيد بالقرارات التي تصدرها القمم العربية في أوقات أقل حدة وأكثر وضوحاً من وقتنا الحالي, ثم ما هي قدرة القمة العربية على ان تردع نظام صدام حسين عن الوثوب على الفقرات والقرارات التي تصدرها. قمة عربية في هذه الظروف هي ضارة اكثر منها نافعة, وهي موجهة كي يأخذ النظام العراقي رخصة عربية تبرز ما ولغ فيه من الاستهانة بكل ما توصل اليه الانسان المتحضر من احترام للعهود والمواثيق والتعامل بالحد الادنى مع القطاعات المختلفة للشعوب.