الوعي الشقي هو الوعي المتناقض الذي يبلغ شعوره بالتناقض حد المأساة, والتناقض المقصود هنا ليس خارجيا, بل انه داخلي, وهذه الصفة هي التي تجعل الشعور به مأساة داخل الوعي الإنساني . ان ما نقصده هنا أيضا بالوعي الشقي هو وعي الانسانية بذاتها في العالم المعاصر, فهناك داخل هذا الوعي شعور بالتناقض يبلغ حقا درجة المأساة بين ما هو مبادئ وما هو تجسدات في الواقع لهذه المبادئ, يبلغ التناقض هنا درجة قد لا يتعرف فيها الوعي ذاته إذا انطلق من مبادئه وسار في اتجاه البحث عن قيمة تجسداتها. لابد لنا, مع ذلك من الوقوف على فرص مواتية لبروز ذلك التناقض الذي قلنا انه يبلغ درجة المأساة, وأبرز هذه الفرص هي الحروب المدمرة, لن نتحدث عن حروب القرون السالفة, بل يكفينا النظر في الحروب التي عاشها قرننا, فقد عرف هذا القرن حربين عالميتين مدمرتين راح ضحيتهما ملايين البشر, وضاعت بأثرهما السلبي مكاسب بشرية, واضطرت الانسانية بعدهما إلى التراجع عقودا إلى الوراء وبداية البناء من جديد. غيّرت هاتان الحربان من خريطة العالم, ولكن الأعمق من ذلك هو أثرهما على الوعي الانساني, فقد نما الشعور لدى انسان العالم المعاصر بأن العالم لا يتقدم فقط لكي يجعل الإنسان مطابقا للقيمة التي يتصورها لنفسه, وللسيادة المرغوب فيها من طرفه على الكون. وبعبارة أخرى, فقد قويت بعد هذين الحربين العالميتين المشاعر المتناقضة حول ما حققته الحضارة الانسانية من تقدم, هل تقدمت الانسانية حقا نحو تجسيد الانسان بوصفه قيمة أسمى في الكون, أم ان تقدمها المادي والعلمي والتقني كان يسير نحو تدمير الشعور الانساني بتلك السيادة المرغوب فيها؟ وهل تقدمت الانسانية نحو تجسيد مبادئ السلام والعدل والإخاء والمساواة والحرية والحق, أم أنها سارت في الطريق المعاكس لذلك؟ الحرب, بغض النظر عن الطرف المنتصر فيها والآخر المنهزم, تدمير للانسانية وقضاء على انجازاتها, ودفعها إلى التراجع من أجل اعادة بناء المكتسبات, الحرب دمار للانسان يقوم به الإنسان ذاته, علما بأننا ننظر هنا إلى الإنسان بوصفه وحدة تشمل الطرفين المتحاربين, وهكذا فانه خارج الشعور بالانتصار أو بالهزيمة في الحرب, فإن وعي الطرفين بما تخلفه من آثار سلبية يؤدي بالوعي لديهما إلى الشعور بالتناقض الحاد بين القول بأولوية الانسان وبين التدمير العنيف لكينونته. المظهر الثاني للتناقض الذاتي للوعي الانساني في العالم المعاصر هو الهوة المتزايدة بين بلدان يتزايد تقدمها وتزداد رفاهيتها وتعظم باستمرار مظاهر قوتها, وبين بلدان لم تصل رغم الجهود المبذولة إلى توفير الحد الأدنى مما توفر للانسان في البلدان المتقدمة. وتعظم الهوة بين هذين النمطين من البلدان إلى حد ان تكون فرقا شاسعا بين الكفاءة والغنى من جهة, وبين الخصاص والفقر والمجاعة من جهة أخرى. يعيش الانسان في بعض جهات من العالم فوق الكفاية والضروري, ويحيا الانسان في جهات أخرى دون الحد الأدنى, بل وضمن شروط قد تقترب فيها الحياة من انعدام الشروط الضرورية للحياة, دخلت الحياة الانسانية في بعض جهات العالم, حيث توجد البلدان المتقدمة أو حيث توجد ثروات خام ذات مردودية اقتصادية ضخمة , على الترف وهوس الكماليات, ولكن الانسانية تحيا في جهات أخرى من العالم حيث توجد البلدان المتخلفة والفقيرة على الخصاص في الضروري وعلى هوس الحاجة الملحة إلى ما هو حيوي بالنسبة لحياة الانسان. هناك أسئلة مقلقة تطرحها هذه الوضعية المتناقضة, كيف تتحمل الانسانية في الزمن المعاصر هذا التناقض إذا كانت واحدة بنوعها ومكوناتها؟ كيف يمكن ان نقبل بوجود الانسان المعاصر في حالتين متعارضتين تمام التعارض, علما بأن العالم اليوم أصبح أكثر من أي وقت مضى متسما بالوحدة في كيانه وتطوراته؟ وأكثر من ذلك, كيف تتحمل الانسانية المعاصرة هذا التناقض الصارخ مع وجود التقدم في الميادين العلمية والتقنية بقدر يسمح بتلبية الحاجات الدنيا للانسان في كافة أنحاء العالم؟ لماذا يبقى الهوس الذي يعيشه الانسان المعاصر اليوم مختلفا بين هوس إلى الحاجة وهوس إلى المزيد من الترف والكماليات؟ إذا ربطنا بين المظهر الأول للتناقض في الوعي الإنساني والمتمثل في الحرب المدمرة وبين هذا المظهر الثاني المتمثل في الوضعية بشكل مريع بين جزء من الانسان وجزء آخر منها, فإننا نستطيع ان نكشف ونعبر عن مظهر آخر من تناقض السير فيها نحو تجسيد صورة الانسان بوصفه قيمة عليا في العالم. فإذا كانت الحربان العالميتان المدمرتان اللتان عرفهما النصف الأول من القرن العشرين قد وقعتا في مركز الحضارة في الزمن المعاصر أي في أوروبا, فإن ما تلاها من حروب أخرى كان في جهات أخرى من العالم هي التي توجد بها أغلب البلدان الفقيرة أو التي تجاهد من أجل ان تتجاوز وضعية التخلف والفقر. فهناك ما يفوق المائة من الحروب الجهوية التي دارت بين بلدان متخلفة فكان وقعها أشد لأنها دمرت في كل حين حصيلة الخطوات التي خطتها تلك البلدان من أجل تجاوز الحال الذي هي عليه, وفي كل مرة كان على هذه البلدان ان تتراجع إلى الوراء لكي تبدأ من جديد بناء مكتسبات بسيطة إذا ما قورنت بتلك التي تحققها البلدان الأقوى, وإذا لم تكن هذه الحروب قد دارت بين بلدان متخلفة فإنها تكون قد دارت على أرضها في اطار صراعات شاملة, وتكون لها نتائج المزيد من الخضوع لشروط غير ملائمة لتطورها, هناك عبر هذه الحروب المدمرة للانسان والمعيقة لنموه ما يوحي بأن الانسانية غير قادرة في أمد قريب ـ على الأقل ـ على تجاوز مظاهر الفقر والخصاص وعدم توفر ما يلبي الحاجات الأولية للانسان, هناك أيضا عبر هذه الحروب ما يوحي بأن الانسانية قد اختارت أن تستمر في الواقع المنشطر أكثر مما اختارت ان تبحث عن الواقع الذي يوجد فيها النوع والمصير, ففي عالم اليوم , وتبعا لما يسوده من تناقضات صارخة لا يمكن ان نشهد إلا وحدة تفرضها قوة السلاح والتقنية التي تكون في خدمة القوة, ولكننا لم نشهد وحدة للانسانية من حيث القيمة ومن حيث المصير. نلاحظ اليوم ان التصور السائد للنمو يقتضي استمرار التخلف في جهات من العالم, فالتوازن الحالي للعالم الذي يدفع إلى التدخل بالقوة باسم المصلحة يناقض مبدأ حرية البلدان في التصرف في بنياتها السياسية والاقتصادية, وفي ثرواتها الطبيعية, ويعوق ميلها إلى سن سياسة ملائمة لمصالحها الخاصة. ان وعي الغرب المهيمن المتمركز على ذاته يمنع من سيادة رؤية تنطلق من وحدة الانسانية ومن استفادتها من مظاهر التقدم, فهذا الوعي يترك الفرصة لانشطار الانسانية الى شطر يعيش التقدم والاخر يفرض عليه ان يكون تابعا فحسب. هناك مظهر اخر لتناقض الوعي الانساني مع ذاته في الزمن المعاصر وهو الدور الذي يلعبه التقدم العلمي والتقني في مجتمعات العالم, فقد اصبح شعور الانسان ازاء التطور العلمي والتقني متناقضا, كان العلم من جهة اولى مصدر امل بالنسبة للانسانية وكان هذا الامل يعظم بالقدر الذي ينطبق فيه نتاج العلم على الحياة الانسانية في مجالاتها المختلفة فيغنيها ويلبي حاجاتها ويساهم في التطوير الكيفي لها لن نعدد هنا المجالات التي انطبق فيها العلم فطورها, فليس مقامنا الحالي ملائما لذلك, ولكننا نقول اختزالا ان انسانية اليوم تعيش بفضل استفادتها من التقدم العلمي والتقني وضعا لم يسبق ان عاشته فيما مضى من القرون وقد سارت وتيرة التطور العلمي بالسرعة التي جعلت منها احد مكونات الحياة الانسانية التي لايمكن اليوم ان نتصور تحقيق مقتضيات هذه الحياة وتلبية حاجاتها والاستجابة لطموحاتها دون الارتكاز الى استمرار تلك الوتيرة من التطور العلمي بفضل التطور العلمي والتقني تطور الانسان في عمله وتعليمه وفلاحته واتصاله وتواصله وكل مظاهر حياته ونتيجة لما اتاحه ذلك التطور لكل مجتمع من امكانيات صار مطلبا بالنسبة لكل مجتمع يروم التقدم وتحقيق الرفاه بالنسبة لاعضائه. لكن العلم لم يظل دائما املا للانسانية بل ازدوج الشعور بالامل فيه بشعور اخر بالخيبة من نتائجه فان تطبيقات العلم على الحياة الانسانية لم تؤد الى مظاهر ايجابية فحسب, بل أدت الى مظاهر سلبية ايضا لقداصبح العلم بعد تطوره مسألة تهم المجتمع بأكمله واصبحت كل قطاعات المجتمع تساهم في تطويره وتظهر الحاجة الى نتاجه وتطبيقاته في الوقت ذاته غير ان علينا ان نأخذ بعين الاعتبار ان علاقة القطاعات المختلفة بالعلم تختلف حسب غاياتها وحسب الفئات الفاعلة فيها ليس العلم في هذا المستوى هو تطبيقاته في الصناعة والزراعة والطب والتعليم وباقي مستويات الحياة المجتمعية, اذ لم يعد هناك قطاع يخلو من تدخل العلم فيه. هذا العامل المجتمعي هو الذي قاد الى تطبيقات سلبية للعلم على الحياة الانسانية وقد ادى الى ذلك خضوع تطوره وسياسة تطويره لبعض القطاعات مثل المؤسسات العسكرية. لقد ذكرنا من قبل ان القرن العشرين بصفة خاصة عرف حربين عالميتين فاقت قدرتهما في تدمير الحياة الانسانية ما كان يمكن تصوره قبلهما, اذ رغم ان الانسانية قد عرفت حروبا خلال تاريخها ورغم ان هذه الحروب كانت لها دائما اثار سلبية على حياة الامم التي خاضتها سواء كانت منتصرة فيها او منهزمة فان التدمير الذي سببته الحربان العالميتان في القرن العشرين لم يسبق له مثيل ولاسبق للانسانية ان تخيلت امكان وقوعها بالقوة التي وقعت بها ومايلاحظه المتأمل للحربين العالميتين هو ان قوتهما في التدمير ترجع بالاساس الى كونهما حربين دارتا في اطار تقدم علمي لم تعرف الانسانية كذلك مثيلاً له في السابق. ساهم تطبيق العلم في مجال الصناعة الحربية على تقوية هذه الصناعة وعلى اختراع اسلحة دمار تزايد قدرتها على الفتك بالانسان وتهديد حياته هناك اذن وعي متناقض بالعلم وتقدمه واثر هذا التقدم على الحياة البشرية فالعلم لم يعد املا للانسانية فحسب بل اصبح ايضا عاملا من عوامل تهديدها. وهكذا اصبحت تجتمع في الوعي بالعامل مشاعر الرهبة والخوف الى جانب مشاعر الرغبة في التطوير والمضي اماما في التقدم العلمي والتقني فالانسان هو الذي طور العلم واخترع التقنيات التي تطبق نتائج العلم على مختلف مظاهر الحياة اليومية للانسان, غير ان الانسان ذاته لم يعد قادرا على امتلاك زمام التطور العلمي, خاصة وان العلم ادمج في منطق الصراعات الداخلية والهوية والدولية. ودارت بعد الحربين العالميتين السالفتي الذكر حروب مدمرة اخرى كانت من حيث مساحة انتشارها جهوية ولكنها كانت اقوى بفعل نوع السلاح المستخدم فيها وقوة التدمير الكامنة فيه وحتى نربط هذا الذي نقوله بالعوامل السابقة فإننا نقول ان اغلب هذه الحروب قد دار في البلدان التي كانت في حاجة ماسة إلى السلام لكي تتمكن من الشروط التي تستطيع فيها ان تسن سياسة للتنمية ولاشاعة النتائج الايجابية للتقدم العلمي على اكبر قدر من المعاصرين له لكن يبدو ان الصراعات البشرية داخل كل بلاد وفي كل جهة من العالم ثم بين البلدان كلها بصفة عامة, هي الان اقوى من كل رغبة تريد ان تعود بالوضع الى ما يكون عليه في صالح الانسانية ان هذا الوعي المتناقض بضرورة العلم والرهبة منه قد اصبح من خصائص حياة الانسان في النصف الثاني من القرن العشرين. تلك اذن بعض معالم التناقض في الوعي لدى الانسانية المعاصرة, وهي مظاهر يكون العالم في حاجة الى بذل مجهود كبير من اجل رفعها واعادة نوع من التوازن الى العالم. * كاتب ومفكر مغربي واستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة محمد الخامس ـ الرباط