تتفاوت الاراء في تحليل الوضع الراهن في العراق, فهل هو وضع ضعف أم قوة أم انه وضع تفوق ام تراجع؟ هذه الاسئلة اثارتها الحالة الجديدة في العراق فهل يشكل التهديد برفض الالتزام بمنطقة الحظر الجوي ام تهديد النظام العراقي بسبب الاعتراف بترسيم الحدود مع الكويت تعبيرا عن قوة عراقية صاعدة بدأت في تحقيق انتصارات, ام انه تعبير عن يأس بدأ يفرض نفسه في أكثر من مجال ؟ لنأخذ الجانب الأهم في الوضع الراهن والذي تفجر بين العراق وعدد من الدول العربية وعلى الاخص القاهرة والسعودية والاردن, فبينما كانت الكثير من العلاقات العربية العراقية تتطور نحو صيغ من التطبيع البطيء والعلاقات التجارية نجد ان الدعوات العراقية الاخيرة بلسان الرئيس العراقي وبلسان وزرائه للثورة على هذه الدول قد اعادت الامور الى نقطة الصفر. وهذا ليس جديدا, ففي السابق عرف عن سياسات الرئيس العراقي سرعة التغير وسرعة التحول من حالة الى أخرى. ان المغالاة في سرعة التحول قد حكمت كافة علاقات الدولة في العراق منذ استلام الرئيس العراقي صدام للسلطة عام 1979. في هذا الوضع المتجدد نجد ان العراق خسر الكثير مما تحقق له من تأييد خاصة في ظل الضربة الجوية في الشهر الماضي. ولكن الملفت للنظر الان دخول العراق في عالم المحظور كاشفا عن افكار قيادة صدام حول تبعية الكويت للعراق (تصريحات طارق عزيز) وحول عدم الاعتراف بها أو بسيادتها أو بحدودها. بل ان الطرح العراقي يكشف ان شيئا لم يتغير, وان العقلية على حالها, ويؤكد مخاوف الكويت المؤكدة في كافة مواقفها منذ عام 1990. ان سياسات الرئىس العراقي لم تختلف اليوم عن سياساته في السابق,فالحدود بالنسبة اليه أو الاعتراف بها والكيانات المحيطة امر يمكن سحبه بدقائق كما حصل مع ايران عام 1980 وكما حصل عندما غزا العراق الكويت عام 1990. ولكن قد نتساءل ان كان العراق يخسر من هذه الاثارة مع الدول العربية فلماذا يقوم بها؟ وفي كل ما نشاهد ايضا هناك ظرف جديد نشأ في العراق مؤخرا. الضربات الامريكية البريطانية المشتركة اشعرت القيادة العراقية بمدى جدية الامر ومدى خطورة الموقف, بل اشعرتها بمدى صعوبة الوضع الداخلي في العراق: فالشعب العراقي سأم من وعود القيادة العراقية التي لم تأت بنتيجة حتى الآن, والشعب العراقي سأم من حالة تأخذه من مأزق الى آخر ومن ازمة الى اخرى ومن حرب الى اخرى. ومن هنا نشأ وضع ملح وتململ في صفوف الجيش والقوات المسلحة والاجهزة العراقية. واصبحت وسيلة الرئىس العراقي في توجيه وامتصاص هذا الغليان هو في توجيهه الى الخارج وافتعال ازمة جديدة مع الدول العربية ثم مع الولايات المتحدة وبريطانيا. ان هدف التصعيد اذن هو اعادة المواجهة بين العراق والعالم وذلك لتفويت الفرصة امام تململ الداخل. الهدف من التصدي لمنطقة الحظر مثلا هو اشعار الجيش وسلاح الطيران بالتحديد ان المواجهة قد تحقق نجاحا جديدا للعراق, كما ان القيادة العراقية توحي بان انهاء مهام فرق التفتيش يشكل نجاحا كبيرا. هكذا هناك اعادة للمواجهة بين الداخل والخارج مع الوعد بأن الوضع يسير نحو امكانية رفع العقوبات. وبنفس الوقت ان التحديات العراقية تعبر عن محاولة تأكيد بان الغارات الاخيرة لم تنجح وان المشكلة العراقية لم تختف وان التعامل معها امر ملح, بل ان التحديات الراهنة هي بهدف ايصال الولايات المتحدة للقناعه بالعودة لاستخدام القوة ثم اعتماد العراق على رفض الرأي العام العربي وربما الدولي لاستخدام القوة مما قد يضع وفق التصور العراقي مزيد من القيود على استخدام القوة الامريكية. ويرى العراق ان هذا التكتيك قد يفتح المجال للمناورات والمساومات السياسية في مرحلة قادمة. وفي هذا الاطار يراهن التصعيد العراقي على وضع مزيد من الضغوط على مؤتمر وزراء الخارجية العرب المزمع عقده في الرابع والعشرين من الشهر الجاري, اذ يراهن على إمكان تحويله لمؤتمر يبنى عليه مؤتمر اوسع ومؤتمر للقمة العربية, التصعيد العراقي يهدف الى تحريك الاوضاع الى اعلى سخونة ممكنة وذلك للتأثير على القرارات. ولكن المشكلة التي تواجه العراق ان مزيدا من الدول تزداد اقتناعا ان اساس المشكلة ليس في الوضع الدولي بل ان اساليب القيادة العراقية وسياساتها هي التي حركت الوضع الدولي بالطريقة التي نشاهدها. ولكن من الطبيعي ان نرى تحركات عربية وخليجية لصالح الشعب العراقي فمعاناته اصبحت تزداد عمقا مع كل يوم. ولكن التحرك لصالح الشعب العراقي يعني مزيدا من المساعدة للشعب اضافة لمساعدته في تخفيف القيود على التصدير والاستيراد في المجال الاقتصادي, وتحسين اسلوب توزيع الغذاء مقابل النفط, لكن من جهة اخرى ان عدم الثقة بالنظام العراقي اقليميا ودوليا تجعل امكانية رفع العقوبات النفطية الشاملة متأخرة وذلك خوفا من حصول الرئىس العراقي على ميزانية كبيرة تساعده في تنفيذ خطط الانتقام من الدول المحيطة. لقد قررت القيادة العراقية التفجير, وذلك في ظل استغلال مزيد من الالتهاء الامريكي في قضية الخلع الخاصة بالرئىس وفي ظل شهر رمضان المبارك. ان سياسة العراق الحالية هي سياسة تفجير تساهم في التسكين الداخلي, كما ان الوعود العراقية الرسمية لشعب العراقي حول رفع العقوبات وحول الانتصار وحول المستقبل هي اليوم على المحك, لكن الضحية الكبرى في كل مايحصل هو الشعب العراقي الذي قد يواجه مزيداً من المواجهات العسكرية والتي قد تترك اكبر الضرر عليه.. وقد لايكون هناك نهاية لهذه الازمات الا بحصول تغير في العراق يأخذه من قيادة الى اخرى ومن طريقة في التفكير الى طريقة اكثر استعدادا للتعايش مع الآخر على الصعيد الداخلي والخارجي. أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت