يحتفل المسلمون بعيدهم بعد موسم عبادة طويل, فينكسر روتين الحياة اليومي, ويتغير شيء ما في كيمياء الإنسان والمكان والزمان. يهل الفرح على الدنيا, وربما يفتعله الناس افتعالا, تكتسي الوجوه بسعادة مفتقدة, ويرحل الأطفال في كل النواحي ينشرون عبير براءتهم لهوا وضجيجا, أما الكبار فينزوون كعادتهم على ممارساتهم وطقوسهم المعتادة في كل عيد . يكتشف الناس في هذا اليوم بأنهم ما زالوا يتمتعون بعافية نفسية جيدة, فكثيرون يتذكرون بأن لهم أهلا وأصحابا, وعليه فهم يسارعون في هذا اليوم إلى استخراج قائمة هواتف الأصحاب ينفضون الغبار عن وجوه وأسماء طال الأمد بينهم وبينها, في هذا اليوم السماوي الملامح تعود ملامح الأصحاب القدامى تضج في الذاكرة بحميمية حارة. وأيام العيد كأي طقس جميل في حياتنا لا يستمر طويلا, ينتهي وربما ننهيه نحن بأسرع وقت ممكن, وكأننا نستعجل التخفف من مهامه أو نتشوق العودة إلى مناخات الجليد السابقة للعيد, ومع انه دافئ ومنعش لذاكرة الود والإنسانية إلا ان العيد يلملم ملامحه مغادرا بسرعة دون أن يجعلنا نتدثر بدفئه حتى الشبع, ذلك هو قدر الجمال, ان يغدو نادرا حتى يشعر به الناس, وينتظرونه على شوق وتحرق. وكلما مر العمر, وتبعثرت أيامه في التفاصيل والمتاهات, وفيما ندري ولا ندري, كلما خبت حرارة الفرحة بهذا الآتي على عجل وبعد طول انتظار, وبعد أن كنا نحسب الأيام دهورا حتى يأتي, صرنا نلقاه متثاقلين, فما الذي حدث في دواخلنا حتى حرمنا لذة مفاجآته وتلك المباغتة الحلوة التي يشعرنا بها اقترابه على عتبات الزمن؟ تقاربت الأزمنة, وتلاصقت الأمكنة, وصار العالم قرية يتلاقى سكانها ببرودة وبساطة في الوقت الذي لا يشاؤون اللقيا, أما حين يرغبون ويحثون الخطى, يصبح اللقاء أعز ما على الأرض وأكثر الممارسات صعوبة. فما الذي حدث, حتى تباعدت القلوب, واحتل الجفاء كل المساحات واستوطن اللقاء صالات المطارات ومقاعد الطائرات, وشوارع المدن البعيدة, ما الذي حدث فعلا؟! وهل ينعش العيد حقا ذاكرة اللقيا ويجسر المسافة بين الجزر التي تكونت كغابات مرعبة في دواخلنا؟ لا ندري. العيد جميل, وجماله في طريقة احتفائنا به وممارستنا له, وبقدر ما نكرسه في دواخلنا طقسا إنسانيا, نستعيد به أنفسنا حين نفرح وحين نتراحم وحين نحب ونشعر ببعضنا البعض, حين نتذكر في غمرة الثياب الجديدة, والأموال المبعثرة بين أيدي صغارنا وسلال الحلوى والسكاكر وجموع المهنئين الداخلين والخارجين, حين نتذكر في غمرة هذا الكرنفال المفتعل قلوبا يمر عليهم العيد خاطفا, باهتا لا يسكن ديارهم, ولا يعرف الطريق إلى قلوبهم, وربما لا يمر بهم أبدا, حين نتذكرهم, فذلك من أنوار العيد وتجلياته, ذلك ما يمكن أن يجعلنا نقول بأننا مررنا بيوم عيد وبأن العيد مر من هنا, ومسح على قلوبنا بحنان, وباركنا بعطاياه وبركاته وأنواره.