الصراعات في الدول تختلف من احداها الى اخرى, فكما ان حالات السلم تكشف المستوى الحضاري فإن الصراعات ايضا تكشف عن هذا المستوى, ما بين رقيه او انحطاطه, فنراه مثلا دمويا وعنيفا عندما يكون المستوى الحضاري منحطا, ونراه هادئا وسلميا عندما يكون المستوى الحضاري راقيا ومتقدما . وهكذا فالصراع في كوسوفو من النوع الاول ومثله الصراع في افغانستان وانحاء من افريقيا كرواندا وبوروندي وسيراليون هذه الايام, بينما هو صراع سلمي من النوع الثاني في بلد مثل الولايات المتحدة, التي يخوض برلمانها حربا حقيقية مع رئيسها, على جبهة القانون وبسلاح الدستور ومن دون ادنى قطرة دم. وبما ان اسماء قادة كل صراع, من طراز كباح وسنكوح في سيراليون, تكفي لمعرفة هوية هذا الصراع, فإن الافضل ان نراقب الصراعات السلمية, فهذه حتى اذا لم نتعلم منها شيئا من الحضارة التي نفتقد, فهي على الاقل لا تصيبنا بالمرارة والغم, مقابل صراعات رؤية مشهد واحد لها على شاشة الاخبار تكفي لتطيير النوم من الاعين, هذا اذا لم يطر فعلا لمجرد ان اسماء من نوع كباح وسنكوح وبركوح وخلبوص وبقية العائلة تذكر فعلا بالشياطين. اما في امريكا فما يجري هو هجوم قضائي ساحق من الجمهوريين الممثلين في مجلس الشيوخ ومعهم مجموعة من المع كتاب وصحفيي امريكا على الرئيس الذي يواجه احتمالات العزل وهو يتمترس في البيت الابيض خلف كرسي الرئاسة رافضا تركه, حتى وهو غارق الى اذنيه, لا في الفضائح الجنسية وحدها, بل في شبهة مخالفة القوانين والدستور, من الكذب تحت القسم الى خداع العدالة. ومقابل اصرار الرئيس ومحاميه واركان البيت الابيض على ان الرئيس لم يكذب ولم يخدع العدالة, ومقابل سيل الاعتذارات الذي قدمه شخصيا للامة, فإن الجمهوريين يذهبون ابعد في محاكمتهم للرئيس من اعتبار ما ارتكبه مجرد هفوات يمكن الصفح عنها, فيصفون عدم عزله وافلاته من الادانة بالسرطان الذي يمكن ان يصيب المؤسسات السياسية الامريكية حين يطلع جيل من السياسيين الكذب عندهم ليس جريمة. هذا المدى من الرأي يذهب اليه كتاب وصحفيون منهم على سبيل المثال جون هيوز الذي كتب في (الكريستيان ساينس مونيتور) ان على الرئيس ان كان (يسير فعلا على طريق الندامة وصحو الضمير, فإن الاستقالة هي افضل اجراء وطني لمعافاة البلاد, وللاسف فإنه لاتوجد بادرة لذلك, وعوضا عنها نجد ان المزاج في البيت الابيض هو مزاج الاعتداد بالنفس والتمترس وراء حركات مسرحية والمماطلة والتهرب ومغازلة المترددين من رجال الكونجرس والتلاعب بالصحافة واستخدام اسوأ لعب شهدته في حياتي على حبال اللغة الانجليزية في عموم عملي الصحافي) . وعليه فالذي يخيف الامريكيين ليست الازمة الحالية ومصير الرئيس, بقدر ما يخيفهم المستقبل والقلق على دستورهم ومؤسساتهم السياسية والدستورية والقضائية فيما لو افلت الرئيس من العزل, فيصبح الكذب تحت القسم امرا يمكن الافلات منه, وخداع العدالة يمكن التلاعب عليه قانونيا في المحاكمات, لاعند جيل من السياسيين المقبلين بل ايضا عند عموم الشعب الامريكي, ومع ذلك فالصراع على احتدامه اليوم وغدا يبقى في اطاره الحضاري, فلا سنكوح ولاكباح, ولا جثث في الطرقات ولا دماء تسيل انهارا.