مرة اخرى تجد الاطراف العربية المعنية نفسها بانتظار نتائج الانتخابات الاسرائىلية العامة. قبل ثلاث سنوات حدث شيء مماثل, مرشح هذه الاطراف العربية آنذاك كان شمعون بيريز . لكن مشكلة بيريز هي انه اراد ان يربح انتخابات 1996, لابصفته داعية سلام (كما اعلن لاحقا) وانما على ظهر دبابة قادمة من جنوب لبنان, كما يفعل بنيامين نتانياهو الان. الاطراف العربية, ذاتها, لاتعرف من هو مرشحها (المفضل) في الانتخابات الحالية. ومع ذلك فلا خيار امامها غير الانتظار, والمزيد من الانتظار, فتاريخ 17 مايو لن يكون حاسما. ذلك ان كل التقديرات تشير الى دورة انتخابية ثانية في النصف الاول من يونيو لحسم الصراع بين الاثنين المتقدمين على بقية المرشحين. هذا يعني ان هناك ستة اشهر اضافية من الانتظار, كل ما يحدث خلالها سيتم على حسابنا: من المزايدات على اختلاف انواعها واشكالها ومواضيعها الى التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة ومرتفعات الجولان السورية, الى التصعيد العسكري اليومي في جنوب لبنان. فالمشكلة الاساسية, بالنسبة لموضوع الصراع العربي ــ الاسرائىلي, هو ان الفوارق تبدو ضئيلة جدا بين المرشحين, فلا أحد منهم يطرح برنامجا للسلام. كل واحد منهم يعرض قدرا أقل من الحقوق العربية ليحصل على اصوات اسرائيلية اكثر. كل واحد يخبىء في جيبه مجموعة من ) اللاءات) فيبرز احدهم بعضها, بينما الآخر, يجاهر بها كلها: القدس, المستوطنات, اللاجئون, الحدود, المياه, الأمن, مرتفعات الجولان. وحتى جنوب لبنان, لم يقل اي منهم شيئا مختلفا عن الآخر, نتانياهو يقول: لن نعطي شيئا, يكفي ما اعطيناه, الذين الى يمينه يتحدثون عن امور اسوأة إنهم يريدون إعادة عقارب الساعة الى الوراء. اما الذين الى يساره فيقولون بهدوء, لنصل اولا ثم نرى ما باستطاعتنا ان نفعل! وحده شمعون بيريز, الذي لا يمون على شيء, والذي سيبقى خارج السلطة, يتحدث عن دولة فلسطينية, ولكن دون ان يذكر شيئا عن مضمون هذه الدولة وشروط قيامها. بعض المرشحين الاسرائيليين يلومون نتانياهو لانه يستغل السلطة ويستفيد من موقعه الرسمي لتعزيز رصيده الانتخابي: التصعيد العسكري في جنوب لبنان, تنشيط حركة الاستيطان في الاراضي العربية المتحلة, ممارسة مزيد من الضغط على الشعب الفلسطيني, ولكن من المؤكد ان ايا منهم كان سيفعل الشيء نفسه لو اتيح له الامساك بزمام السلطة. ولعل تجربة شمعون بيريز في عام 1996 خير مثال على ذلك. معلقون اسرائىليون يقولون ان نتانياهو ليس غبيا حتى يورط نفسه بما تورط به بيريز في (عناقيد الغضب) , على رغم ما قاله الجنرال امنون شاحاك عنه, فتلك العملية كانت بمثابة الضربة القاضية لطموحات بيريز واحلامه ومشاريعه الشرق اوسطية الكبيرة. بيد ان نتانياهو يلعب لعبة اخرى ــ الى جانب التصعيد العسكري المحسوب الذي يمارسه حاليا ــ لاتحتاج منه إلا الاستخدام لسانه وديمانوجيته المتفوقة: لإثارة الذعر بين الاسرائيليين. انه يمارس هذه اللعبة بكفاءة عالية. فهو لايتحدث فقط عن الخطر الفلسطيني.. القادم مع الدولة, ولا عن الاخطار التي تتهدد مستعمرات اسرائىل الشمالية, ان هو اغمض عينيه عما يحدث في الجنوب اللبناني (!), انما يتحدث عن خطر اكبر: عن الصواريخ الايرانية البالستية المصوبة نحو اسرائىل (!). وفضلا عن انه يضيف بذلك سلعة انتخابية لا يتعامل بها المرشحون الآخرون المنافسون, وانما يتميز بها عنهم, فهو يرسم لنفسه, امام الناخب الاسرائىلي, مهمات تتجاوز المدى الجغرافي (غير المحدد حتى الآن) لدولة اسرائىل, وتتعلق بالمستقبل وحساباته الاستراتيجية الواسعة. مع كل ذلك, فان الذين يقفون الى يمين نتانياهو, من تكتل الليكود, يأخذون عليه انه تساهل امام الفلسطينيين واعطاهم الكثير (!) صحيح انه كذب عليهم ولم يعطهم شيئا.. من القليل الذي تعهد به, بيد انه ماكان عليه ان يوقع اي شيء معهم, اي اتفاق او وثيقة قد تلزم احدا في وقت من الاوقات! المشكلة اذا لاتقتصر على وجوب الانتظار ستة اشهر اخرى أو اكثر, بعد انتظار السنوات الماضية, وماقبلها ايضا, بل هي تتعلق بما ينبغي علينا انتظاره, بعد سلسلة المزايدات التي ستبلغ ذروتها مع اقتراب موعد اجراء الانتخابات, لن يبقى مايمكن انتظاره في واقع الامر, ايا كان الفائز, فالعرب يمارسون دور المتفرج دائما, في حين ان كل المزايدات التي يتفرجون عليها تتعلق بحقوقهم, بأرضهم, بأمنهم القومي.. وبمستقبل ابنائهم. من المبكر الدخول في اية توقعات حول النتائج المحتملة للانتخابات الاسرائىلية, برغم استطلاعات الرأي التي تجري يوميا, فالمعركة ماتزال في بدايتها. ولكن بما ان التنفاس بين المرشحين يدور حول من يريد ان يأخذ كل شيء, ومن يريد ان يترك لنا القليل, فالنتائج بالنسبة لنا معروفة سلفا, ولاغرابة في ذلك ما دمنا قد جعلنا من اتفاقات اوسلو والخليل وبلانتيشن.. سقف مطالبنا! كاتب لبناني مقيم في باريس