من صدام مع الحكومة, الى صدام مع الصحافة, الى احاديث في كواليس الدوائر السياسية حول المصير.. هذا هو حال مجلس الشعب الذي لاقى من الانتقاد مالم ينله مجلس مثله في السنوات الاخيرة في مصر . من البداية اثار المجلس الزوابع حول المعركة الانتخابية التي جرت لتكوينه.. قاطعت الانتخابات بعض الاحزاب, وشاركت بعض الاحزاب, وامسك البعض العصا من الوسط فترك لاعضائه حرية دخول الانتخابات بصفة فردية ودون ان يكونوا ممثلين للحزب. وشهدت الانتخابات ظاهرتين خطيرتين.. الاولى تصاعد العنف والمعارك بين انصار المرشحين وشهدت بعض الدوائر احداثا مؤسفة سقط فيها قتلى وجرحى, وتصاعدت الاتهامات حول الدور الذي قام به (البلطجية) والفتوات في (تقفيل) الصناديق الانتخابية وتغيير النتائج. اما الظاهرة الثانية فكانت الظهور القوي لرجال الاعمال, وما تبعه من انفاق مالي هائل جاوز الحدود واثار التساؤلات حول سيطرة بعض الدوائر المالية على المجلس وما تمثله من مخاطر على القرار السياسي.. خاصة ان ذلك تزامن مع صدام بين السلطة وعدد من كبار رجال الاعمال الذين اتهموا بأنهم حاولوا استغلال علاقتهم بالدوائر الامريكية للضغط على الحكومة من اجل تغيير سياسات اقتصادية واتجاهات قومية, وهو الامر الذي رفضته الدولة, وكان من نتيجته تغييرات في المجلس المصري الامريكي استبعد فيه عدد من هؤلاء مع التلويح بأن الدولة التي ساعدتهم على ان يكونوا كبارا في ميدان المال والاعمال قادرة على تحجيمهم. وبعد الانتخابات, توالت الاحكام القضائية بعدم صحة العضوية حتى تجاوز عدد المحكوم بعدم شرعية وجودهم نصف اعضاء المجلس, ورغم ان الاحكام لاتجد طريقها للتنفيذ بعد الفتوى الشهيرة بان المجلس سيد قراره, وان احكام القضاء هي مجرد آراء استشارية يؤخذ بها او لايؤخذ.. رغم ذلك فقد تركت الاحكام ظلها على المجلس وشرعيته. ثم توالت الضربات.. اعضاء متهمون بالحصول على قروض بمئات الملايين من الجنيهات دون ضمانات حقيقية مازالوا يحاكمون امام القضاء حتى الآن.. واعضاء متهمون بـ (التزويغ) من الجلسات, حتى صرخ رئيس المجلس نفسه من الجلسات التي لايحضرها احد, ثم احكام عديدة بعدم دستورية القوانين التي اصدرها المجلس مما كشف عن عملية (سلق) للقوانين دون بحث ودراسة واخيرا.. تصرفات شخصية لبعض الاعضاء.. بين نائب في مهمة رسمية يسهر في الملهى الليلي ويبعثر النقود تحت اقدام الراقصات على سبيل (النقوط) ونائب يرفض دفع فواتير اقامته في احد الفنادق باعتبار انه (صايع!!) على حد قوله الذي ادى الى احالته للتأديب داخل البرلمان وحرمانه من حضور بعض الجلسات. لكن الاهم من ذلك ما كشفته الوثائق اخيرا من ان بعض النواب من رجال الاعمال هم الذين حصلوا على معظم المنحة الامريكية التي يتم تقديمها لتشجيع القطاع الخاص على هيئة قروض بالعملة الاجنبية وبفائدة متدنية للغاية وبشروط ميسرة جدا للسداد, وبهدف لايخفى.. وهو تكوين (لوبي) ترتبط مصالحه بالجهات المانحة ويساهم في تمرير الصفقات لها او في الضغوط من اجل مصالحها. وفي ظل ذلك جاءت الازمتان.. ازمة البرلمان مع الحكومة التي لم تتعود من برلمان تسيطر على غالبيته العظمى الا الموافقة على ما تريد, فإذا به يثير زوبعة في وجه رئيس الوزراء كمال الجنزوري.. ربما كان وراءها صراعات داخل الحزب الحاكم, ولكنها ايضا تشير الى (انفلات) داخل البرلمان والى ضعف السيطرة على النواب الذين يشتكون من ان الخدمات التي تعودوا الحصول عليها لهم او لانصارهم لم تعد ميسرة امامهم, وهو ما يهدد نفوذهم في اي انتخابات قادمة. ونفس الشيء كان وراء الازمة مع الصحافة فالنواب يدركون ان صورتهم ساءت امام الجماهير, وان استمرار الحملات الصحفية ــ مع ضعف اداء المجلس ــ يجعلهم في موقف صعب امام انصارهم. ومع ان الازمات ــ كالعادة ــ تمت محاصرتها, فان سؤالا حاسما بدأ يتردد في الاوساط السياسية حول مصير المجلس, وهل يكمل مدته؟ ام ان هناك حاجة لانتخابات قبل موعدها, ولبرلمان غير هذا البرلمان؟ والسؤال ينبع من ان هذا المجلس يفترض ان يقوم هذا العام بترشيح الرئيس مبارك لولاية جديدة, ليتم الاستفتاء الشعبي على اختياره, ومن هنا تجيء الدعوة بأن هذا البرلمان لا يصلح لهذه المهمة, وان الظروف تسمح بانتخابات جديدة يتم فيها اختيار برلمان جديد اكثر تمثيلا لفئات الشعب واحزابه وتياراته السياسية. فمن ناحية .. هناك استقرار امني, ومن ناحية ثانية هناك توافق سياسي بين كل التيارات السياسية, واحساس بان التحديات الداخلية والخارجية كبيرة للغاية, وان مصر المستهدفة على الدوام ستواجه المزيد من الضغوط, وان المنطقة مقبلة على تطورات هامة, وان الامر يحتاج لاعادة تنظيم شاملة, قد يكون انتخاب مجلس جديد للشعب هو المدخل المناسب لها, وليجىء بعد ذلك ترشيح رئيس الجمهورية لفترة رئاسة مقبلة من مجلس يمثل الامة بمختلف تياراتها, وليكون ذلك ايذانا بمرحلة جديدة والعمل الوطني. والحديث الان لا يقتصر حول انتخابات جديدة وبرلمان جديد, ولكنه يدور حول طريقة انتخاب هذا البرلمان, وهل يستمر العمل بالنظام الحالي, ام ان الاوفق ــ بعد التجربة ــ ان نلجأ مرة اخرى إلى طريقة الانتخابات بالقائمة. وكانت الانتخابات قد تمت بالقائمة مرة واحدة, ولقيت معارضة باعتبارها لا تلائم الاوضاع خاصة في الريف المصري حيث تلعب الاتصالات الشخصية والصلات العائلية الدور الاكبر في اي انتخابات, ثم صدر حكم بعدم دستورية القانون الذي اجريت الانتخابات بالقائمة على اساسه, ولكن اوضاعا كثيرة تغيرت منذ ذلك الوقت, مما جعل احزابا كانت تعارض أو تتحفظ على هذا النظام الانتخابي تراجع موقفها وتطالب بالرجوع اليه باعتباره حلا ينقذ التجربة الحزبية ويعيد لها الحياة. ورغم محاولات بعض المسؤولين بالحزب الحاكم اغلاق باب الحوار ــ كالعادة ــ حول امكانية تعديل قانون الانتخابات والعودة لنظام القائمة النسبية في انتخابات مجلس الشعب, فان القضية تفرض نفسها لاكثر من سبب. فهناك ـ أولا ــ هذا الركود المميت الذي يسيطر على الحياة الحزبية في مصر, حيث تحولت معظم الاحزاب إلى مجرد مقرات وصحف, وتلاشى تأثيرها الحقيقي في الحياة السياسية, وهو امر لا يمكن استمراره لانه سوف يعني الحكم على التجربة الديمقراطية بالموت, بالاضافة إلى ان ترك الساحة السياسية خالية يتيح المجال لاتجاهات التطرف والتنظيمات الارهابية لكي تجد موقعا تنطلق منه لممارسة نشاطها في التخريب اعتمادا على شباب محروم من العمل السياسي الحقيقي, ومن ممارسة الحوار, ومن الامل في التغيير بالوسائل السلمية المشروعة نحو الافضل. والاسباب التي ادت إلى ضمور العمل الحزبي لم تعد مجهولة, سواء منها ما يتعلق بالقوانين التي تنظم العمل الحزبي, أو بالصراعات الداخلية في الاحزاب, أو بالرؤية التي لا تعترف بدور حقيقي للاحزاب, والحديث هنا بالطبع عن الاحزاب الحقيقية التي تمثل قوى اجتماعية واقتصادية وسياسية وليس عن الاحزاب التي لا وجود لها الا على الورق. والنتيجة الاساسية لكل ذلك هي انصراف الناس عن العمل السياسي, وغياب الشباب وتقلص اهتماماته السياسية ومشاركته الحزبية, ومن ثم اصبح لدينا احزاب بلا جماهير, وجماهير بلا احزاب, وهو وضع لابد من معالجته وعلى وجه السرعة. الجانب الاخر من الصورة يأتي من مجلس الشعب نفسه, حيث غابت المشاركة الفعالة للاحزاب السياسية, وتفجرت الازمات التي كشفت عن ضعف تمثيل المجلس من ناحية, وغياب دوره الحقيقي, فالرقابة غائبة, والتشريع لا يتم بالصورة الصحيحة وهو الامر الذي ادى بالعديد من القوانين إلى الوقوع في دائرة عدم الدستورية. ومن هنا يأتي الحديث عن (الانتخابات بالقائمة) باعتباره احد الحلول التي تعيد الحياة للاحزاب السياسية من جانب, وتفتح الباب لبرلمان اكثر تمثيلا للناخبين واكثر كفاءة في اداء مهمته. ويكتسب الحديث عن (الانتخابات بالقائمة) اهمية متزايدة في ضوء ما حدث في اخر انتخابات لمجلس الشعب من ظواهر مقلقة, حيث تزايد تأثير المال إلى حد بعيد, ولجأ البعض إلى استخدام العنف والبلطجة بصورة متزايدة, بحثا عن عضوية تمنح الحصانة, وحصانة توفر النفوذ والامتيازات والقروض..! الانتخابات بالقائمة سوف تحد من هذا كله إلى حد كبير, وسوف تصبح الاحزاب مسؤولة عن اختيار اكفأ العناصر واشدها التزاما والدفع بها إلى المعركة الانتخابية, وسوف تجد المرأة مكانا لائقا في قوائم الاحزاب, وسوف تتسابق الاحزاب لتجديد شبابها بحثا عن اصوات الاجيال الجديدة, وسوف تكون الفرصة متاحة لتمثيل مشرف للاخوة الاقباط يدفعهم إلى التخلي عن سلبيتهم الحالية في ممارسة العمل السياسي. واذا كانت انجلترا التي عاشت طوال تاريخها البرلماني معتمدة على الانتخابات الفردي تبحث الان امكانية الاستعانة بانتخابات القائمة, فلماذا نغلق نحن باب الحوار لان البعض (مبسوط كده) حتى ولو كانت النتيجة هي ما نراه الان من جمود على الساحة السياسية ومن تقلص النشاط الحزبي لدرجة مخيفة, ومن انصراف الناس, والشباب اساسا, عن العمل السياسي؟!