من الكتاب العرب ذوي الحس القومي والوطني من يشيرون في شتى وسائط الاتصال المكتوبة والمرئية والمسموعة الى ما يتصورونه عيوبا في المجتمعات العربية . وهم يفعلون ذلك يقينا ليس بدافع تشويه صورة العرب والمجتمعات العربية ولكن بدافع الغيرة على الشعب العربي ومصالحه ومستقبله. فالانتماء الى الشعب وتأييد قضاياه والحرص في المحافظة على مصالحه وعلى محاولة تجنيبه الوقوع في مآزق اقتصادية وعسكرية وسياسية تتضمن وتستلزم ان يقوم الكتاب من أدباء وعلماء ومفكرين ودارسين بتوجيه النقد البناء. ولا يختلف اثنان على وجود عيوب في نظمنا ومؤسساتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وقد أبلى عدد من الكتاب العرب من الاقطار العربية كافة بلاء حسنا في الاشارة الى تلك العيوب وفي تفسير نشوئها وتطورها وفي وصف الادوية لها. ولاشك في أن الدراسات التي وضعها كتاب عرب اسهمت ولا تزال تسهم في تحسين معرفتنا بحالتنا العربية التي قد يكون أقل ما يقال عنها انها حالة لا نحسد عليها ولاتبعث على الرضا والطمأنينة من المنطلق القومي والوطني والسياسي والاستراتيجي والحضاري. وقد يكون من نافلة القول ان من الضروري في الدراسات الاجتماعية توخي التوازن في عرض الدارس المحلل لما يريد ان يعرضه في السياق الاجتماعي الاوسع الذي يشمل الجوانب الثقافية ــ التراثية والاقتصادية والنفسية والسياسية والتاريخية. ولتحقيق التوازن في العرض ينبغي الحرص على مراعاة عدد من الاعتبارات. ومن هذه الاعتبارات لن أتناول في هذا المقال سوى اعتبارين اثنين تناولا موجزا. أولا, اعتبار توفير المنظور السليم في العرض. ان العيوب التي تعتور مجتمعاتنا العربية ــ من قبيل تردي مركز المرأة والقهر الاجتماعي والقمع السياسي والكيل بمكيالين وعدم قرن الكلمة بالعمل والميل الى المبالغة والارتجالية والروح القبلية وسرعة الانفعال والتخبط الفكري ــ ظواهر اجتماعية. ولقد أوجدت عوامل سياسية واقتصادية وثقافية وتراثية ونفسية وتاريخية على الساحتين الداخلية والخارجية ولاتزال توجد هذه الظواهر. واذا اريد توفير المنظور الصحيح في عرض العيوب ــ وهو ما يستلزم حقا الانتماء القومي العربي والحس العربي بوجوب الاسهام الحضاري توفره في عرض ودراسة العيوب العربية ــ وجبت مراعاة جميع العوامل المساهمة في نشوء هذه الظواهر ووجب تحديد نصيب كل عامل منها في نشوئها على مر القرون. وليس ذلك التحديد سهل التحقيق. وان الاحاطة بهذه العوامل أسهل من تحديد دور كل منها في نشوء ظاهرة من الظواهر وخصوصا ان تلك العوامل يتغير دورها وأثرها تغيرا مستمرا بمرور الزمن وان سرعة او بطء ذلك التغير يتوقف على طبيعة وقوة الظروف الاجتماعية السياسية التي تكتنف حياة المجتمعات وتؤثر في مؤسساتها الاجتماعية والسياسية. وبدون توفر هذا المنظور يكون من الاصعب تحديد اصول العيوب فينا وفي مجتمعاتنا. لكل عيب أصله وسببه وعلاجه. وكل عيب يتطلب دواء معينا مناسبا له. وبدون التحديد الأكيد القاطع الجريء لاصل كل عيب من هذه العيوب يكون من المستحيل وصف الدواء اللازم للقضاء على العيب, ويكون حالنا مثل حال الطبيب المفتقر الى المهارة الذي يصف للمريض دواء مناسبا لمرض آخر. والاعتبار الثاني الذي تنبغي مراعاته لتحقيق التوازن في العرض هو اعتبار الحاجة الى شمول الرؤية في عرض عيوب مجتمع لشعب من الشعوب. توخيا لتحقيق التوازن في العرض من اللازم ان يتم عرض العيوب في سياق عام, في سياق اقليمي وقاري وعالمي, في السياق الذي يأخذ في الحسبان شعوب الأرض جميعا. ومرد ضرورة توخي هذا النهج هو انه بذلك النهج يجري تجنب الانتقائية والكيل بمكيالين في الاشارة الى عيوب شعب من الشعوب وفي وصف الشعوب وتوجيه الانتقاد اليها. وباتخاذ هذا النهج نكون على قدر أكبر من الواقعية وعلى قدر اقل من الوهم في فهم طبيعة الانسان وطبيعة المجتمعات البشرية, فالطبيعة البشرية واحدة, الفرد العربي لاتختلف طبيعته عن الفرد الاسكتلندي أو الصيني او الاوغندي, وعيوب الفرد العربي نجدها عند الفرد الامريكي او الالماني, على سبيل المثال. وفي الواقع فان البشر كلهم مدفوعون بدوافع اساسية واحدة. البشر انانيون وفرديون وهم يسعون الى اكتساب المال والنهوض بحالتهم الاجتماعية والمعيشية والى زيادة نفوذهم . ولدى الناس كافة ميل الى ممارسة السلطة وتحقيق التفوق. ولضيق رقعة المقال لا أتطرق الى نتائج دراسات أجريت مؤخرا عن تفكير الامريكيين في قضايا مثل احترام القانون والاستعداد للاتيان بأفعال لا يقومون بها خوفا من ضبط السلطات الحكومية لهم. وتختلف الشعوب بعضها عن بعض ليس في وجود أو عدم وجود هذه الصفات. فهي بحكم الطبيعة البشرية موجودة في شعوب القارات كلها, ولكن الشعوب يختلف بعضها عن بعض ويختلف افراد الشعوب بعضهم عن بعض في مدى قوة أو ضعف اثر هذه الصفات في تكوين شخصية الفرد والمجتمع وبالتالي في سلوكهما. وبعبارة اخرى تختلف الشعوب بعضها عن بعض ويختلف افراد الشعوب بعضم عن بعض في مدى الحيز الذي تحتله كل صفة في مجمل صفات شخصية المجتمع وشخصية الفرد. واختلاف أثر الصفات التي نعتبرها سيئة او طيبة في شخصية الانسان وسلوكه تحدده الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها شعب من الشعوب على مر تاريخه وفي حاضره. وهذه الظروف ليست ناتجة عن صفات الشعب فحسب ولكنها ناتجة ايضا عن ظروف خارجية وتاريخية اثرت في صفات الشعوب وحددت ثقافتها العامة وقيدتها دون ان يكون لتلك الشعوب القدرة على منع تعرضها لتلك الظروف القاهرة. هل يمكن لأحد ان ينكر اثر الدولة العثمانية التي دامت ما يزيد على اربعة قرون في الشعوب العربية؟ وأثر الاجتياح المغولي لأراضي المشرق العربي ظاهر للعيان. وأثر قدوم الاوروبيين الى امريكا الشمالية والجنوبية في السكان الاصليين لهاتين القارتين واضح للعيان. وأثر الانتداب الفرنسي والبريطاني في بلدان المشرق العربي جلي جدا. وخلاصة القول ان عرض العيوب التي تعتور الشعب العربي دون ان ينطلق من يقوم بهذا العرض من ادراك عالمية عدد من الصفات البشرية وادراك حقيقة وحدة الطبيعية البشرية ووحدة النوازع الانسانية الاساسية ــ ان هذا العرض يتصف بالانتقائية وبالتالي يفتقر الى التوازن. والانتقائية والافتقار الى التوازن لايمكن ان يضمنا عرضا صحيحا. انهما يؤديان الى عرض ناقص, وبالتالي لا يستحق الاعتداد به لأنه لا يساعد على معرفة الحقيقة. هذا العرض الناقص يشكل تجنيا عل الشعب العربي الذي تستحق صفات فيه قدرا أكبر من الاشادة.