في أيام رمضان المبارك يتوجه شعبنا في فلسطين إلى القدس عاصمة الدولة الفلسطينية, ويؤكد بحشوده الكبيرة بأن القدس قبلة الشعب الفلسطيني وعنوان رئيسي في كفاحه الوطني . أهمية الدفاع عن المدينة المقدسة, تكمن في أهمية القضية ذاتها التي تعني ليس فقط الشعب الفلسطيني بل مئات الملايين من المؤمنين مسلمين ومسيحيين على امتداد المعمورة. فقضية القدس, قضية كل مسلم وكل مسيحي في العالم فضلا عن كونها قضية عادلة للشعب الفلسطيني الذي يخوض صراعا معقدا ومستمرا منذ عقود ضد الغزو الاستيطاني الصهيوني للأرض الفلسطينية. نحن الآن أمام وضع خطير, فالقدس تنهب كل يوم وجرافات الاستيطان لم تترك زاوية في أحياء القدس إلا وحفرت فيها علائم جديدة من التهويد, وسلطات الاحتلال تصب الأموال الطائلة للأطباق النهائي على المدينة المقدسة, حيث دفعت سياسات الاحتلال نحو تهجير وطرد أغلبية السكان والمواطنين المقدسيين وأمست المدينة المقدسة بأكثرية يهودية بعد أن كانوا لا شيء بداية الاحتلال الثاني للجزء الشرقي من المدينة عام ,1967 والآن بعد توسيع حدودها الإدارية أصبحت القدس الكبرى المطوقة بكتل مستوطنات التهويد (بسغات زئيف, معاليه أدوميم...) تمثل أكثر من 22% من مساحة الضفة الفلسطينية. القدس الآن تصرخ وتنادي الجميع, وما تبقى من مقدسيين على ترابها تلاحقهم قوانين المضايقات والتطفيش الصهيونية, وبقي بيدهم 14% فقط من القدس المحتلة عام 1967 (وتم تهويد 86% مستوطنات 32% بيد الدولة الصهيونية), لذا على الجميع أن يهب لنجدة القدس وليعلن كل المؤمنين في العالم عن تحويل الدعم الاعلامي إلى دعم مادي ملموس في تثبيت الشعب الفلسطيني فوق أرضه وفي مقاومة كل أساليب سلطات الاحتلال لدفع المقدسيين نحو الخروج من مدينتهم. إن التضامن مع القدس والشعب الفلسطيني كما أقرت القمة الاسلامية في طهران العام الماضي يجب أن يتحول إلى دعم مادي ملموس يتجاوز الخطاب الاعلامي الإسلامي إلى واقع آخر, وعلى الدول العربية والإسلامية وعلى إيران زعيمة القمة الإسلامية دورا كبيرا في هذا الميدان. فإيران التي عقدت في عاصمتها القمة الإسلامية, يترتب عليها دورا اضافيا في العمل والتحرك على مستوى الدول الإسلامية لوضع قضية القدس بمقدمة جدول الأعمال حضورا ودعما ملموسا. أيضا وبكل صراحة نتمنى ونريد أن نرى العلاقات العربية ــ الإيرانية وتحديدا الخليجية مع إيران وهي في وضع آخر يقوم على حل كل التعارضات وبناء وضع ومناخ ايجابي يفوت الفرصة على كل من يريد أن يدق الأسافين في العلاقات العربية ــ الإيرانية ويترتب على إيران المبادرة لحل كل القضايا العالقة. ثم على إيران أيضا دورا مهما بهذا الجانب نظرا لما تشكله من ثقل اقليمي واقتصادي وسياسي. وفضلا عما يمكن أن تشكله من قوة رئيسية تسهم برفع الحصار الجائر عن الشعب العراقي المظلوم وفي كسر العربدة الأمريكية ــ البريطانية في الخليج, وهي العربدة التي لا تستهدف العراق فقط بل كل المنطقة وشعوبها. إن دورنا كعرب وكمسلمين في دعم قضية القدس يكون أولا بتحويل الدعم الاعلامي والسياسي والدبلوماسي إلى واقع عملي ملموس يقوم على توفير كل مستلزمات البقاء للشعب الفلسطيني فوق أرضه الوطنية, وهذا يعني بشكل واضح تشكيل صندوق الدفاع عن القدس لتوفير السيولة المالية اللازمة, فضلا عن اتخاذ خطوات سياسية أكثر ملموسية من كل الدول الإسلامية وبمبادرة من القمة الإسلامية ومن إيران زعيمة هذه القمة. إن أولى الخطوات السياسية تتطلب العمل نحو وقف مفاوضات التسوية المنحازة والمختلة حيث لا سلام مع الاستيطان ومع تهويد القدس, كذلك بقطع العلاقات بين كل الدول الإسلامية ودولة الاحتلال الصهيوني والزام الدول الإسلامية بتنفيذ هذا القرار. ويقع على كاهل الشعوب العربية والإسلامية دور مهم في دعم الشعب الفلسطيني في الدفاع عن أرضه ووطنه وفي ثباته على أرض فلسطين كما في كفاحه العادل من أجل العودة لشعبنا اللاجئ إلى وطنه (62% من مجموع الشعب الفلسطيني) والاستقلال وتقرير مصير وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة. الشعب الفلسطيني شعب صغير بتعداده عظيم بصموده وثورته الوطنية وانتفاضاته المتواصلة وعطائه يواجه عدوا كبيرا من حيث امتداداه ومن حيث الدعم الأمريكي اللامحدود المقدم له. وعملية المواجهة تتطلب توفير كل الدعم للشعب الفلسطيني, فهو في النهاية يقدم فواتير الدفاع عن المنطقة بأسرها أمام الغزو الصهيوني وأمام الأدوات المتقدمة للامبريالية الأمريكية. والدور الأمريكي في المنطقة وفي الشرق الأوسط دور منحاز غير نزيه ومطعون فيه, لانه دور يقوم على حماية ورعاية المصالح الأمريكية واعتبارها كل شيء ولو على حساب المنطقة وشعوبها بشكل كامل. فضلا عن التحدي السافر لمشاعر مئات الملايين من المسلمين والمسيحيين من خلال الصمت الأمريكي على السلوك الاسرائيلي التهويدي للمدينة المقدسة. الآن تبدو فجاجة هذا الموقف الأمريكي من خلال الدور اللامتوازن في رعاية ما يسمى بعملية السلام, حيث الضغوط على الأطراف العربية والدعم الكامل للسياسة التوسعية الاسرائيلية ومشاريع التسوية وفق مصالح العدو الاسرائيلي وتحت سقف اللاءات الاسرائيلية (لا لعودة القدس, لا لعودة لاجئ, لا للدولة الفلسطينية المستقلة, لا تفكيك للمستوطنات, لا لوقف التهويد ومصادرة الأرض, ولا للانسحاب إلى خط الرابع من يونيو 1997. كما يتبدى الموقف الأمريكي بوقاحته وفجاجته في العدوان الأخير على العراق واستخدام أرقى تكنولوجيا عالم الصواريخ ضد بغداد وضد المنشآت المدنية والاقتصادية بقرار فردي أمريكي تحت ذريعة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في وقت تعج فيه الترسانة الاسرائيلية بكل أسلحة الدمار الشامل النووية والبيولوجية والكيماوية. وفي وقت يئن فيه الشعب الفلسطيني في القدس وكل الأرض المحتلة من وجع الاحتلال وتحاصر قواته المصلين داخل الأقصى المبارك. إن مواجهة العربدة الأمريكية في المنطقة ممكنة وضرورية ومهمة في آن واحد. حتى يمكن لشعوبنا أن تحافظ على مصالحها وعلى مقدماتها وأن تعي ذاتها أمام سياسة وحشية أمريكية لا ترى إلا مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها من عدو صهيوني إلى أنظمة استبدادية تيوقراطية جاثمة على صدر شعوبها. إن مقومات المواجهة الفعلية بكل المستويات مع السياسة الأمريكية وأساطيلها التي تحمل الرعب والموت في الشرق الأوسط, يكون أولا بالمصارحة والمصالحة بين إيران والعراق وبين إيران ودول الخليج وبين الدول العربية ذاتها. كما تتطلب المقومات, دورا متميزا لمنظمة المؤتمر الإسلامي تبقى في الصدارة. هكذا نفتح خطوات الحفاظ والوحدة في مصالحنا ونفتح الطريق أمام كسر الموقف الأمريكي العدواني ونحدث شيئا من التوازن في التطورات الجارية بالمنطقة, نعيد من خلاله عناصر القضية الفلسطينية إلى موقعها الحقيقي كعناوين أساس لأي تسوية شاملة متوازنة تقوم بالاستناد إلى المرجعية الدولية, وهنا فإن قضية القدس وقضايا اللاجئين وحق العودة ووقف الاستيطان وتفكيك المستوطنات القائمة والانسحاب إلى خطوط الرابع من يونيو قضايا متفجرة لا تحتمل التأجيل أو القفز عنها, وأي تجاهل لها لن يؤسس لعملية سلام بل سيتم الوضع القائم وستبقى تسوية مدريد - أوسلو - واي ريفير داخل النفق المظلم.