عن قناعة واجماع كان اختيار الشعب السوداني للديمقراطية والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة منهجا واسلوبا للحكم, عندما اوشك على نيل استقلاله عن الحكم الثنائي عام ,1956 هكذا على مدى 43 عاما ظل يدافع عن خياراته الاثيرة باصرار وشجاعة نادرة, رغم كم ما تعرض له من الوان المحن واشكال الاستلاب والاستبداد, ومن هنا كان (العود احمد) عبر الانفتاح الديمقراطي الذي لاحت تباشيره مؤخرا, بعدما تأكد للقاصي والداني فشل آخر تجارب الهيمنة السياسية والفكرية والتنظيمية الاحادية التي مارستها الجبهة الاسلامية في حكم السودان منفردة على مدى عشر سنوات وسبعة شهور بالكمال والتمام, وادراكها في النهاية فداحة الرهان على السباحة ضد التيار, وانه لايصح الا صحيح الاجماع الشعبي والقبول بخياراته, او الاذعان لارادته بالقوة الجبرية طال الزمن ام قصر! واذا كانت التجربة الديمقراطية الاولى في السودان قد نكبت قبل ان يستوي عودها بالانقلاب العسكري الذي تزعمه الفريق ابراهيم عبود, الا ان الشعب السوداني بادر على الفور الى ابتكار اساليبه النضالية الخاصة في التعبير عن معارضته ورفضه للنظام, تارة عبر الانقلابات العسكرية المضادة , وتارة اخرى من خلال عزله وتعريته من اي مصداقية عبر سلاح السخريات, وتارة ثالثة عبر ممارسة العصيان المدني, وحتى حسم في النهاية مصير الصراع لصالح الديمقراطية باندلاع الثورة في اكتوبر عام ,1964 وهو نفس الاسلوب النضالي الجسور الذي مكن الشعب السوداني من استعادة الديمقراطية من بين انياب المشير جعفر نميري وتقويض اركان نظامه العسكري باندلاع انتفاضة ابريل 1985. على ان الجبهة الاسلامية عندما حركت جناحها العسكري داخل القوات المسلحة للانضواء تحت راية الانقلاب الذي تزعمه العميد عمر حسن البشير في 30 يونيو ,1989 كانت قد بيتت النية والعزم وفق خطة محكمة للانفراد بمقدرات السودان الى الأبد, ومن ثم كان نصب عينها الثغرات التي كان ينفذ منها نضال الشعب السوداني دوما للإطاحة بمختلف الأنظمة العسكرية الديكتاتورية والشمولية. * فلأن القوات المسلحة تمثل المؤسسة القومية القادرة على التغيير وحسم مصير السلطة, من حيث التعبير عن ارادات مختلف أوجه التعددية التي يعج بها السودان على الصعيد السياسي والقبلي والعرقي والجهوي والديني, والثقافي, من هنا كانت حبكة التمويه على هوية الانقلاب الجبهوي لكسب ولاء قيادات الحاميات والألوية باعتباره قوميا, والا لما كتب له النجاح في الاستيلاء على السلطة بست دبابات فحسب. * تأمين ظهر النظام الجديد عبر عزل زهاء 15 ألف من القيادات المناوئة للجبهة الإسلامية في القوات المسلحة والأمن والخدمة المدنية, ونقل أضعاف هذا العدد بعيدا عن الخرطوم واستبدالهم بكوادر الجبهة الإسلامية. * تشكيل خمسة أجهزة مخابراتية رسمية مستقلة بعضها عن بعض, سواء على صعيد القيادة والقاعدة أو على صعيد الأساليب والمهام المكلفة بها, الى جانب الأجهزة الأمنية التابعة مباشرة للجبهة الإسلامية, وبينها الشرطة الشعبية واللجان الشعبية ومنظومة الدفاع عن العقيدة و ... و... * الهيمنة سواء بالترغيب أو الترهيب على مقدرات النقابات والاتحادات المهنية والفئوية والمنظمات الأهلية, لشل فاعلية القوى الحديثة وإجهاض دورها التاريخي المعروف في تفجير الثورة والانتفاضة الشعبية ضد الأنظمة العسكرية وقيادة عملية التغيير الديمقراطي. والشاهد ان نظام الجبهة الاسلامية رغم كونه تعبيرا عن ارادة الاقلية ومشروعها الاحادي لحكم السودان استطاع البقاء في السلطة عقدا من الزمان, بفضل تلك المتاريس الوقائية الحصينة, دون أن يعنيه في قليل أو كثير نتائج وإفرازات التجربة الوخيمة, وما ادت اليه من تأجيج أوار الحرب الأهلية في الجنوب التي أودت بحياة اكثر من مليون مواطن, وأورثت السودان الفقر والمجاعات ونزوح زهاء مليوني من الجنوبيين الى الشمال ودول الجوار, غير نحو ثلاثة ملايين من المهاجرين المروعين بأساليب البطش والارهاب الى مصر وغيرها من دول العالم, وقطع وتجميد علاقات السودان مع دول الجوار, ورضوخ المعارضة الشمالية اخيرا الى خيار حمل السلاح بعد ان اغلق النظام في وجهها أبواب الحوار الديمقراطي, وآخرها امتناع الرئيس البشير عن استلام المذكرة التي تقدمت بها فصائل المعارضة الشمالية والجنوبية في الداخل, واعتباره فرصة ذهبية للوفاق والتراضي الديمقراطي وكفى المؤمنين شر القتال, في الوقت الذي بادر الى تنفيذ مطالب مذكرة العشرة التي تقدمت بها نخبة من أبرز قيادات القوات المسلحة وزعامات الجبهة الاسلامية, ازاء حسم صراع الارادات بينه وبين الدكتور الترابي, فكان فوزه برئاسة (المؤتمر الوطني) وهو حزب السلطة المتصرف في وضع سياسات السودان, ومقر عمله الترابي على التشريع بعد اعادته الى رئاسة المجلس الوطني (البرلمان) ولاشك انها خطوة ايجابية على طريق التغيير المنشود, حين ترافق معها قانون (التوالي السياسي) الذي يتيح تشكيل الاحزاب بشرط التزامها بمنهج الجبهة الاسلامية ومشروعها الحضاري. وفي رأيي ان قانون التوالي بوضعه الراهن لايعدو سوى استنساخ أحزاب ضعيفة تدور في فلك الجبهة الاسلامية على نمط استنساخ النعجة (دوللي) التي لم يكتب لها الحياة سوى أقل من عامين!