نقع جميعنا في لحظات معينة في حالة من الحيرة والارتباك حينما يباغتنا ذلك الشعور بأننا لم نعد نفهم دلالات بعض الكلمات والعبارات والايماءات التي يتفوه بها شخص, حسبنا لفترة طويلة بأننا نشكل معه توزيعة واحدة للحن حياتي واحد . وفي حقيقة الأمر فإن الناس في أول الطريق أو في مقتبل العمر تتبادل المفردات ذاتها وتتفق على التفاهم الكامل حول دلالاتها, لكن ومع الذهاب الموغل في التفاصيل الصغيرة والهامة ومع التقدم في العمر, أو مع نضج العمر على جمار التفاصيل والنتوءات, يصبح لكل كلمة, ولكل ايماءة وعبارة معنى مختلفا عما تعنيه عند الآخر. فهل نتفق جميعا على ما تعنيه كلمات بعينها ذات دلالات عميقة مثل: الصداقة, الحقيقة, النور والظلام, المدينة القديمة, المرأة, الموسيقى, الحب, الخيانة والاخلاص, الموت, الوطن, القوة, مايجب ومالا يجب, المفروض, والواجب, وغيرها الكثير. تتحدث أحيانا إلى هذا الشخص القريب منك, أو الذي تظنه كذلك (قد يكون هذا الانسان هو الأخ أو الصديق أو الحبيب أو...) وتذهب مسترسلا في حديثك مقتنعا بأنه وهو يسمعك, فإنما يسمع نهر الكلمات الهادر من قلبك, لا من فمك, يسمع دلالات الحديث لا وقع الحروف, ثم تنتبه أو تكتشف بأن هوة كبيرة تفصلكما لسبب ما. تشعر بأنه لايسمعك متشهيا متلهفا, أنت أو هو تصغيان لأن هذا ما يجب أن يكون بين الأحبة والأصدقاء. في روايته الجميلة (خفة الكائن التي لا تحتمل) يقول الروائي التشيكي (ميلان كونديرا) عن بطلي روايته: كان يصغي إليها بنهم تتحدث عن حياتها, وكانت تصغي إليه بالنهم عينه يتحدث عن حياته, وكانا يفهمان بالضبط المعنى المنطقي الناجم عن الكلمات التي يقولها كل منهما للآخر, ولكن من غير أن يسمعا وشوشة النهر الدلالي الذي ينساب عبر هذه الكلمات. في مكان آخر يبدو بطل الرواية منسجما تماما مع الموسيقى الصاخبة جدا التي يحب سماعها بمثل ما يحب سماع سمفونية بيتهوفن التاسعة, وموسيقى موزار الرائعة, لان دلالتها في داخله موازية للتحرر من الوحدة والاحتباس! بينما كانت دلالة الموسيقى الصاخبة في نظر البطلة شيئاً مناقضاً تماماً. الموسيقى الصاخبة ــ وهنا نتفق مع (كونديرا) وبطلته التي تؤكد بأنها ــ حلقة مفرغة, فقد غدا الناس صما لأنهم يزيدون أكثر فأكثر من اعلاء صوت الموسيقى غير انهم لايبقى لهم وقد غدوا صما إلا زيادة مستوى الصوت. ويبدو واضحا أن ابطال (كونديرا) يتحركون في كل الواقع المحيط بنا, فها هي دلالات الموسيقى تبدو متناقضة تماما بين الناس, ولكن ليس في مطعم أو مرقص أو منزل مغلق, وانما في الشوارع والطرقات هذه المرة, فقد أصبح دارجا ومعتادا أن تمر بك سيارات الشباب بسرعتها المتمهلة جداً أو الخاطفة جدا وقد علا صوت مكبرات الموسيقى بشكل لا ينم عن ذوق أو تذوق أو احترام للآخرين أو التزام بحريات البشر. لقد تم بالفعل تحويل الموسيقى إلى ضجيج, وأصبح الأمر لغة عالمية تدخل البشر في المرحلة التاريخية للقبح الكامل الذي طال كل تفاصيل الحياة تقريبا.