لقد آن الآوان ان يتأمل الشعب الفلسطيني مليا في انجازات الرئيس ياسر عرفات وان يقيم نتائج اعماله بطريقة واقعية ومتعقلة في ضوء الضغوطات السياسية الموجهة نحوه والتحالفات الاقليمية الجديدة التي تحتم على اي قائد التعامل مع معطياتها بديناميكية ودهاء . والرئيس الفلسطيني كان دائما وسيظل دوما في وضع حرج وامام اختيارات لا يحبذ اي منها ولكن عليه ان يختار افضل الموجود وعادة ما تأتي هذه الاختيارات بثمن لابد من دفعه ان اراد الحصول على مايريد. من هذا المنطلق نستطيع ان نقيم اداء الرئيس الفلسطيني بواقعية بالقول انه من الصحيح انه تنازل عن المطالبة باشياء كثيرة الا انه حصل في المقابل على اشياء اثمن واغلى. ان اغلى ما حصل عليه الفلسطينيون هو الاعتراف الدولي باستقلالية وجودهم وحقهم الشرعي في البقاء على تراب فلسطين, وهو الحق الذي طالما رفضته دول العالم التي كانت ترفض مجرد مرور طائرة تقل الرئيس الفلسطيني من فوق اجوائها او المشاركة في اعمال مؤتمر يشارك فيه اعضاء فلسطينيون. وعلى الفلسطينيين ألا ينسوا ابدا الذل المهين الذي بدءوا فيه مسيرتهم المسالمة نحو الحكم الذاتي حينما تنازل الاسرائيليون ووافقوا على انضمام احد الفلسطينيين الى الوفد الاردني بشرط ألا يتفوه بكلمة مسموعة واحدة وألا يجلس على المقاعد الامامية للوفد وألا يكون عضوا في منظمة التحرير. وبمقارنة الوضع العام للشعب الفلسطيني قبل السلام وبعده نستطيع القول انه ربما اصبح الحال الاقتصادي اسوأ من قبل الا ان الوضع السياسي والتعليمي والصحي والاعلامي وكذلك العسكري اصبح افضل بكثير من ذي قبل, مع ادراكنا ان الوضع الاقتصادي السيىء هو نتيجة مؤقتة لقرارات اسرائيلية منفردة لا تقوى السلطة الفلسطينية ولا حتى الولايات المتحدة ذاتها على تغييرها وهي قرارات تناولتها اتفاقات اوسلو وواشنطن ووضعت فيها عدة نصوص لم تلتزم اسرائيل بتنفيذها. ومع تشكل الخارطة السياسية الفلسطينية الداخلية على شاكلتها الحالية فإنه يتعين على عرفات الان التعامل مع المعارضة الفلسطينية الداخلية وخاصة حماس بحزم وشدة, فلا توجد حكومة او سلطة في العالم اجمع تسمح بانتشار السلاح في ايدي المدنيين فحدوث ذلك على نطاق واسع سيشكل بالتأكيد حافزا قويا لقيام حرب اهلية تسعى اسرائيل جاهدة لاشعالها كي تتذرع بها لاحكام سيطرتها الامنية ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة على اساس ان حدوث ذلك قد يشكل كابوسا امنيا لكافة جيرانها في المنطقة. لذا فإنه من المؤسف حقا ان تصبح مصالح المعارضة الفلسطينية متطابقة تماما مع اجندة حكومة نتانياهو وهي افشال مهمة السلطة الفلسطينية واظهارها امام العالم بالعجز والدكتاتورية بل ان كلاهما يعمل جاهدا لمنع السلطة الفلسطينية من اعلان الدولة وعلى ما يبدو ان قادة حماس ــ الذين اصبحوا يظهرون على شاشات التلفزيون وفي وسائل الاعلام الاخرى بشكل ملفت ومستمر ــ قد احاكوا خطة يجوبون بها العالم لمهاجمة السلطة الفلسطينية وبحثا عن تأييد دولي لمنعها من المضي قدما في تحقيق جزء بسيط من طموحات الشعب الفلسطيني الذي ينظر الى هذه الانجازات المتواضعة على انها جسر الى احلامه وآماله الكبيرة. واصبحت حماس لا تهاجم اسرائيل او سياساتها ولا تضع اي خطط او اجندة لمحاربتها بل تنشغل بمهاجمة السلطة الفلسطينية وكأنها هي عدو الفلسطينيين وليس اسرائيل وتحاول تصويرها على انها تنازلت عن فلسطين وكأن فلسطين كانت معنا وتحت تصرفنا وقمنا بتسليمها لاسرائيل؟ وعلى ما يبدو فإنه كتب على عرفات ان يظل طوال عمره يحاول لملمة الشمل الفلسطيني تحت مظلة واحدة كالاخ الاكبر الذي يحاول جمع اخوانه الذين توفى عنهم اباهم فأصبحوا مختلفين ومتحاربين وتناسوا ان لهم ارضا وعرضا يجب المحافظة عليه حتى لو اختلفوا في الآراء. كاتب فلسطيني