تواجه الساحة الفلسطينية في هذه المرحلة عددا من الاستحقاقات فإضافة الى التساؤلات والشكوك المحيطة بعملية التسوية بأبعادها المختلفة, والخطوات التي يمكن ان تتخذها السلطة الفلسطينية بعد انتهاء المرحلة الانتقالية (مايو 1999), تبرز ايضا التساؤلات المتعلقة بمستلزمات بناء الدولة وتأمين مرتكزاتها القانونية والديمقراطية والمؤسساتية والاقتصادية, وطبيعة العلاقات بين القوى السياسية الفلسطينية ومستقبل منظمة التحرير الفلسطينية وشكل النظام السياسي وصولا الى وحدة الوجود الفلسطيني داخل الاراضي المحتلة وخارجها. ولعل التساؤلات الاخيرة المتعلقة بالوضع الداخلي للساحة الفلسطينية, تفرض نفسها بالحاح في هذه المرحلة, اولا, بسبب عودة الجمود الى عملية التسوية, بعد تقريب موعد الانتخابات الاسرائيلية, وثانيا, بسبب عدم قدرة الفلسطينيين لوحدهم في هذه الاوضاع غير المواتية على فرض قراراتهم أو طموحاتهم في اطار هذه العملية, وثالثا, بسبب ارتهانهم لعملية التسوية, وبالتالي للارادات الاسرائيلية, في ظل البيئة السياسية العربية الراهنة, غير المواتية. في هذه المرحلة يواجه الفلسطينيون استحقاقين على غاية في الاهمية, بالنسبة لحقهم وقدرتهم على تقرير مصيرهم, الاستحقاق الاول, يتعلق بانتهاء المرحلة الانتقالية, بعد مرور خمس سنوات على الحكم الذاتي, مما يعني التساؤل عما فعلته السلطة او مالم تفعله بالنسبة لتوطيد مرتكزات الكيان الفلسطيني ولمواجهة الخطوات الاسرائيلية المترتبة على اعلان الدولة الفلسطينية. والاستحقاق الثاني يتعلق بتعزيز الوضع الفلسطيني في مفاوضات الحل النهائي وبالنسبة لاستمرار العملية الصراعية ضد اسرائيل وسياساتها بمختلف تجلياتها, في اطار البعد العربي, وصولا لاستعادة الحقوق الوطنية والقومية وايجاد حل عادل للقضية الفلسطينية مستقبلا. القضية الاساسية هنا هي انه اذا كان تعديل الوضع التفاوضي للفلسطينيين يحتاج الى موازين قوى ومعطيات دولية واقليمية مواتية, والى معادلة سياسية جديدة لتحويل عملية التسوية من مجرد تسوية يفرضها الطرف الاقوى, الى تسوية تتضمن عنصر العدالة ولو النسبية, فإن الوضع الداخلي الفلسطيني يتطلب قرارات ذاتية جريئة من قبل القيادة الفلسطينية, لاعادة ترتيب اوضاعها ولصوغ سلم الاولويات الوطنية, والشروع في عملية مراجعة نقدية, للعملية التفاوضية, او لكيفية مواجهة السياسات الاسرائيلية, وصولا لبناها السياسية والادارية والاقتصادية, للخروج من حالة الجمود والانتظار والتكلس السائدة في الساحة الفلسطينية, التي يفترض انها ساحة حيوية ومتطلبة, بحكم التحديات التي تعترضها والتي تجعل منها اكثر استجابة لمتطلبات التغيير والتجديد, باعتبارها ضرورة حيوية وموضوعية لها. فرغم الصعوبات والتعقيدات المحيطة بظروف العمل الفلسطيني, في المرحلة الراهنة خاصة, بسبب الاشتراطات والقيود الدولية والاقليمية التي تحدده, وبحكم ظروفه الخاصة, الا ان كثيراً من مشكلاته وعوامل ضعفه, انما تعود بأسبابها الى عوامل ذاتية داخلية, والى ضعف عملية الحراك الداخلي, وتكلس العلاقات الداخلية, وضعف ارادة التغيير, وتغييب العلاقات الديمقراطية, وغياب دور المؤسسات وقوى المجتمع لمصلحة الافراد. وهذه الحال هي التي تكمن وراء استشراء قوى الافساد ومظاهر الفساد, وغياب الاسس الجماعية المؤسساتية لصنع القرار, وهي التي تكمن وراء ابقاء الحالة الهلامية للساحة الفلسطينية على وضعها الحالي, وهي السبب في تحويل منظمة التحرير باطاراتها السياسية وبمؤسساتها المختلفة, من كيان سياسي يعبر عن هوية الفلسطينيين ووحدتهم الى مجرد يافطة وديكور في العلاقات العامة, وهي ايضا السبب في تهميش دور الفلسطينيين في تجمعات اللجوء والشتات, بعد ما كان لهم الدور الاساسي في العمل الفلسطيني طوال العقود الماضية., وهذه الاوضاع كلها هي عوامل ضعف تنخر في الوضع الفلسطيني وتساهم في زيادة ضغط العوامل الموضوعية, في صوغ اتجاهات الساحة الفلسطينية. فبرغم التأكيد على ان كثيراً من محددات الوضع الفلسطيني ناجمة عن التقييدات الاقليمية والدولية, كونه وضع تحت السيطرة الا ان ابراز مكانة العامل الذاتي من العامل الموضوعي, في عملية التغيير والتطوير المطلوبة بإلحاح فلسطينيا, هي محاولة لوضع النقاط على الحروف لجهة ابراز القضايا التي تتحمل القيادات والقوى المتنفذة الفلسطينية المسؤولية عنها في اطار هذه المرحلة الانتقالية الصعبة, هذا من جانب, ومن جانب ثان, فإن هذه الحقائق يؤكدها الطابع الفريد والمعقد للعملية الوطنية التحررية الفلسطينية, فهذه العملية لها بعدان مترابطان ومتكاملان ومتداخلان, هما الصراعي, ضد المشروع الصهيوني, وهو البعد المتعلق بمقاومة الاحتلال ومقاومة مختلف تجليات المشروع الصهيوني في المنطقة, باستهدافاته الوطنية والقومية والبنائية وهو البعد المتعلق باعادة بناء الوضع الفلسطيني لتأكيد حضور الشعب الفلسطيني وابراز قضيته وبناء مؤسساته ومرتكزاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية داخل الاراضي المحتلة وخارجها. وعليه, فإن مأزق العملية التفاوضية, وانسداد افق ايجاد حل عادل ومتوازن للقضية الفلسطينية في هذه الظروف, التي بات فيها مستقبل الشعب الفلسطيني, اسير الخلافات والتناقضات الاسرائيلية, بات يتطلب عملية مراجعة نقدية سياسية لاوضاع الساحة الفلسطينية باطاراتها ومؤسساتها وطرائق عملها وشكل علاقاتها الداخلية. فالقيادة الفلسطينية التي رهنت اوضاعها في اطار العملية التفاوضية, ترهن الوضع الفلسطيني مجددا, بنتائج الانتخابات الاسرائيلية, حتى انها بصدد تأجيل خطوة الاعلان عن قيام الدولة الفلسطينية في الرابع من مايو المقبل, بعد انتهاء المرحلة الانتقالية, بانتظار ما ستسفر عنه هذه الانتخابات. وبغض النظر عن صحة قرار التأجيل, فإن هذا القرار يجب ان يخضع لدراسة معمقة, وبالنهاية يجب ان يخضع للاولويات والمصالح الفلسطينية التي تقرر اعلانه بموعده او تأجيله وليس لمتطلبات السياسة الاسرائيلية. هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية, فقد اختزلت القيادة الفلسطينية مشروعها السياسي بمجرد اعلان قيام الدولة الفلسطينية, متناسية مستلزمات هذا الموضوع ومتطلباته السياسية والاقتصادية والقانونية, ومتناسية اهمية اعداد الشعب لمواجهة ردات الفعل الاسرائيلية. وفي هذا الاطار لابد من التأكيد على ان انتهاء المرحلة الانتقالية, لا يعني فقط انتهاء للحكم الذاتي والاعلان بالتالي عن قيام الدولة الفلسطينية, اي ان هذه المناسبة ليست مجرد حركة سياسية شكلية, وانما هي تحول في تاريخ القضية الفلسطينية وفي تاريخ الشعب الفلسطيني, ونظامه السياسي. ومن متطلبات هذه المرحلة اساسا, الاعداد لانتخابات تشريعية ورئاسية جديدة, حيث انه بانتهاء المرحلة الانتقالية, تنتهي فترة ولاية المجلس التشريعي, ورئيس السلطة الوطنية, الحالية, وهذا يعني ضرورة الشروع بالاعداد لانتخابات جديدة, على اساس دستور محدد للدولة الناشئة, بما يدعم المكانة القانونية والسياسية, للدولة الفلسطينية, ويعزز شرعيتها عربيا ودوليا, كما قد يكون ذلك مناسبة للقيادة الفلسطينية لاعادة الاعتبار لاولوية بناء العامل الذاتي, باعتباره ضرورة لتوطيد بناء الدولة الجديدة, ولمواجهة التحديات الاسرائيلية, وفي سبيل استمرار النضال لاستعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية. ومن ناحية ثالثة, فإنه لأمر لافت للانتباه ان القيادة الفلسطينية وهي تسعى للاعلان عن الدولة الفلسطينية, لاتعد لهذا الامر عدته على الساحة العربية, صحيح ان منظمة التحرير الفلسطينية, هي منظمة عضو في جامعة الدول العربية, وان الدولة الفلسطينية ستحل مكان المنظمة حكما, ولكن الاستحقاق المتعلق بوجود المنظمة يختلف عن الاستحقاق المتعقل بوجود دولة لها سلطة اقليمية على ارض وشعب, فالمسألة لها جوانب سياسية وقانونية ونمط علاقات ومستلزمات مختلفة, من الاعتراف بجواز السفر, الى الاعتراف بشخصية دولية اسمها الدولة الفلسطينية (بكل ما لهذه الكلمة من معنى), وبما يتعلق ايضا بأوضاع الشعب الفلسطيني ومكانته بالنسبة لهذه الدولة في كافة أماكن تواجده. وباختصار فإن الاعلان عن الدولة الفلسطينية, بحاجة اساسا الى دعم عربي والى احتضان سياسي واقتصادي وتشريعي عربي, يعزز من وجودها ويقدمها للعالم, ويحميها من ردود الفعل ومحاولات الاحتواء الاسرائيلية. ولعل الجمود الحاصل في عملية التسوية, يدفع القيادة الفلسطينية, لمراجعة اوراقها, وتحديد اولوياتها, ودراسة عناصر قوتها, وصولا الى ايلاء البعد البنائي والبعد العربي اهميتهما اللائقة باعتبارهما من متطلبات العملية النضالية التحررية في الساحة الفلسطينية, خاصة, وان القرار في هذا الاطار بيد الفلسطينين وحدهم في اغلب المجالات. في المحصلة الاخيرة فإن تجاهل الحاجة الى التغيير في القيادة الفلسطينية وفي طريقة اتخاذ القرارات وادارة السلطة ورسم السياسات والاولويات الوطنية لن يضعف البعد البنائي في العمل الفلسطيني فحسب, وانما سيعود بالضرر على قدرة الفلسطينيين على حشد امكاناتهم وطريقة ادارتهم للبعد الصراعي في مواجهتهم للسياسات والتحديات الاسرائيلية. الحاجة الى التغيير ليست قضية مزاجية ولا مجرد مطلب عادي او شخصي انها ضرورة موضوعية ووطنية في آن معا. والتحديات والاستحقاقات النوعية التي تواجهها الساحة الفلسطينية في هذه المرحلة تتطلب كثيرا من امعان التفكير والدراسة وكثيرا من العمل ايضا. بقلم- ماجد كيالي