خلال الشهرين الاخيرين, ازدادت احداث العنف في كل من ايران وروسيا على نحو غير اعتيادي, وبرغم اختلاف الاوضاع في البلدين , الا انه ليس من الصعب الامساك ببعض جوانب الشبه بين سيناريو العنف في كل منهما, ففي ايران, تراكمت احداث العنف, وطالت وفدا سياحيا من رجال اعمال امريكيين في نوفمبر ,1998 واعقب ذلك مقتل: زعيم حزب الشعب المعارض داريوش فروهر وزوجته, والكاتب السياسي مجيد شريف, والكاتب محمد بويندة, والشاعر محمد مختاري, وفي روسيا اغتيلت النائبة جالينا ستاروفويتوفا, عضو البرلمان في 21/11/,1998 واتهم بعض الساسة وزارة الامن بتدبير محاولات لتصفيتهم, ووسط كل ذلك, امتدت يد العنف لتصيب مدراء بنوك, واصحاب شركات, وصحفيين, ومذيعين, ورجال اعمال غربيين. وهذه الاحداث تطرح من جديد قضية العلاقة بين دوائر العنف ودوائر السلطة, والصلة بين العنف والسياسة, فلماذا يتحول الخلاف السياسي بين الفرقاء إلى استخدام للعنف؟ ولماذا يسعى بعض السياسيين إلى تصفية خصومهم جسديا؟ وما هو تأثير ذلك على الجسد السياسي وعلى القيم السائدة في المجتمع؟ ان تداخل الروابط بين العنف وبعض دوائر السلطة هو السمة المميزة للعنف في روسيا, وهو ايضا الذي يعكس حقيقة الجدل الدائر بين المحافظين والمعتدلين في ايران حاليا, حيث يمارس العنف من قبل تنظيمات (روسيا) أو عناصر (ايران) , يتوارى خلفها فريق في السلطة, وتتم ممارسة العنف لحساب اطراف معينة وضد اطراف اخرى, وقد كشفت التحقيقات في كل من روسيا وايران عن ان العنف ينخرط فيه بعض المسؤولين في جهاز السلطة. ففي ايران, اعترفت وزارة الاستخبارات بأن بعض عناصرها شاركوا في ديسمبر ,1998 في اغتيال داريوش فروهر وزوجته, ولاحقا في سلسلة جرائم شملت مثقفين ليبراليين, وامرت (لجنة التحقيق الخاصة) التي شكها الرئيس محمد خاتمي, بتوقيف احد معاوني وزير الاستخبارات وعدد من المسؤولين الامنيين, لكن الاخطر من ذلك, هو ما يشاع حول ان هناك جهات سياسية في النظام تقف وراء مسلسل الاغتيالات, ضمن مخطط يستهدف الاطاحة بالرئيس خاتمي نفسه, ويؤكد ذلك, صدور تصريحات من بعض المرجعيات الدينية تؤكد عدم مشروعية اصدار فتاوى باغتيال الشخصيات من دون ضابط, فضلا عن ما تردد من ان الرئيس خاتمي تعرض لضغوط من اجل عدم الكشف عن مدى تورط الكوادر الامنية الرسمية في تلك الاعمال, واشاعة انباء عن ان قائمة الاغتيالات تضم 180 شخصية من بينهم العديد من المقربين للرئيس خاتمي, مثل وزير الداخلية السابق عبدالله نوري. وملمح اخر للعنف, يتمثل في استخدام القضاء لتحقيق اهداف سياسية, والذي اتضح في قضية غلام حسين كرباستشي, عمدة طهران في ابريل ,1998 الذي اتهم بالفساد المالي والاداري, فالمحافظون, الذين يسيطرون على السلطة القضائية, حكموا عليه بالسجن بتهمة الفساد, في حين ان خاتمي عبر, بشكل أو بآخر, عن وقوفه إلى جانبه, ويشير المحللون إلى ان هذا الصراع بين اجنحة السلطة, الذي كشفت عنه قضية كرباستشي, هو صراع سياسي في المقام الاول, فالعمدة المتهم شارك بفعالية في الانتخابات البرلمانية ,1996 والانتخابات الرئاسية ,1997 لصالح تيار خاتمي, وقد وجد المحافظون فرصتهم في عقابه ومحاكمته, واتضح العنف ايضا في اختيار المرشحين في الانتخابات (مجلس خبراء القيادة) الذي يملك انتخاب (الولي الفقيه) وعزله, فمن بين 396 مرشحا, لم يوافق (مجلس صيانة الدستور) الا على 167 منهم, ليتنافسوا على مقاعد المجلس البالغة ,86 وهذا حرم العديد من المعتدلين من انصار خاتمي من فرصة ترشيح انفسهم, ومن ثم, انتهت الانتخابات في اكتوبر 1998 بفوز التيار المحافظ. ولا يختلف الامر كثيرا في روسيا عنه في ايران, وان كانت مظاهر الفساد السياسي ابرز من العنف السياسي, ففي سبتمبر ,1997 كشف الرئيس يلتسين عن ان تحقيقات تجرى مع 2500 مسؤول حكومي في قضايا فساد, من بينهم كبار مسؤولين وجنرالات بالجيش, وهو ما اكده المدير السابق للمخابرات الروسية, كوفاليوف, في اغسطس ,1998 حين اشار إلى ان لدى المخابرات ملفات ووثائق عن 2000 شخص من رجال الدولة الكبار من الفاسدين والمرتشين, واذا اخذنا في الاعتبار حجم الجريمة المنظمة ومدى تورط مسؤولين سياسيين واقتصاديين فيها, فان الصورة تبدو شديدة القتامة, وطبقا لتصريحات وزير الداخلية, فان عدد الجرائم بلغ اكثر من مليونين و600 الف جريمة, خلال ,1998 من بينها 35018 جريمة قتل واغتيال مدفوعة الاجر. وارتبط بازدياد الجريمة المنظمة تصاعد نفوذها, وتشعب علاقاتها في دوائر المال والسياسة على اعلى المستويات, مما مكنها من ان تكون مشاركة في اي صفقة اقتصادية أو تبادل تجاري, وان تقيم تحالفا بينها وبين قطاع من السلطة يوفر لها الامن في مقابل المشاركة في الارباح التي يتم تحويلها إلى الخارج, وتختلف التقديرات حول مبلغ تلك الاموال ما بين 100 ــ 300 الف مليون دولار امريكي, وتحت هذا الفساد من كبار المسؤولين في مختلف مؤسسات الدولة, فان هناك حلقات ودوائر متعددة من العصابات تمارس الجريمة المنظمة, وتخدم على هذا الفساد الرسمي. ان اهم ما يكشف خطورة المرحلة التي بلغها العنف والفساد السياسي في روسيا, هو معرفة موقع هاتين المسألتين على جدول اولويات الحكومة الروسية, فرئيس الوزراء الاسبق تشيرنوميردين اعتبر, في فبراير ,1997 ان وقف (الزحف الاجرامي) هو المهمة الاولى للدولة, التي تسيطر فيها عصابات المافيا على 50% من الاقتصاد, ومؤخرا, اعلن رئيس الوزراء بريماكوف حربا لا هوادة فيها على الفساد والمافيا, وادان سلوك الملياردير الروسي بوريس بيريزوفسكي الذي يسعى بنشاط إلى توظيف ثرائه من اجل توطيد نفوذه السياسي, واصفا اياه بانه (مهزلة) . والمدقق في اوضاع ايران وروسيا, حاليا, يجد بعض نقاط الشبه في الظروف, واول تلك النقاط هو طبيعة المرحلة (الانتقالية) التي يمر بها البلدان: في حالة ايران, انتقال من (الثورة) إلى (الدولة) من الانغلاق إلى درجة من الانفتاح والاصلاح الاقتصادي, وفي روسيا, انتقال من السلطة المركزية والاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق والخصخصة, ومن الحزب الواحد إلى تعددية حزبية مفرطة, ومن سيطرة الدوما والعقيدة الشيوعية إلى مرحلة افول الايديولوجيا. وككل المراحل الانتقالية, فانها تشهد صراعات: بين الماضي الذي يعاد استرجاع مباهجه, والحاضر المزدحم بالمشاكل, بين المحافظين والاصلاحيين, بين المتشددين والمعتدلين, وفي بلدين لم يعرفا, في تاريخهما الحديث, آليات ادارة الاختلاف بأسلوب ديمقراطي, فان من الطبيعي, ان تقع احداث عنف بين اصحاب الاراء المختلفة, تغذيها نزعات التطرف الناجمة عن اتساع الهوة بين الثراء والفقر, وتعرض قطاعات عديدة للتهميش, وبروز فئات جديدة اثرت على حساب المجموع, بالطبع, شهدت التجربة الروسية انفتاحا غير محسوب وسريع, عرض المجتمع لما يشبه الصدمة بخلاف ايران التي تشهد الجدل بين المحافظين والمعتدلين منذ سنوات الانفتاح, وتمييز الاختصاصات بين اجهزة الدولة, وتقييم مدى الاتفاق والاختلاف مع تعاليم الامام ووضعية الحوزات والمرجعيات الدينية. ونقطة التشابه الثانية, المرتبطة بالعنف في البلدين هي الخلاف حول مسار التطور وبرامج الاصلاح, بالشكل الذي يهدد ما يعتبره البعض قيما اساسية أو مصالح لا يمكن التفريط فيها, في حالة ايران, فان العناصر المتشددة ترى في العناصر المعتدلة, والتي تدعو إلى الانفتاح على الخارج والتفاعل الايجابي معه, خطرا على مبادىء الثورة ونقائها, ومثل هذا الخطر لا يتم التعامل معه من خلال الحوار ولكن بالاستئصال, خاصة وان هذه الافكار المعتدلة تجد رواجا في اوساط الرأي العام عموما وخصوصا بين الشباب, وبالنسبة لروسيا فان (حزب الفساد) , الذي يعد اقوى التنظيمات واكثرها ترابطا ليس مستعدا للتفريط في المكاسب المالية التي حققها انصاره, وبحكم ضخامة المصالح الاقتصادية المرتبطة بذلك, فان اي تهديد لها يتم التعامل معه بالعنف, اضف إلى ذلك, حالة التخبط التي تعاني منها روسيا, والتي اودت بحياة وزارتين في عام 1998. والاصل في السياسة انها تقوم على الحوار والتحالف من ناحية, وعلى الخلاف والتنافس من ناحية اخرى, ولكنها تلتزم في الامرين بالقانون وعدم استخدام العنف, فاستخدام العنف يعني الخروج عن القواعد المستقرة للنظام السياسي في مجتمع ما, ويعني وجود تقلصات وعثرات, عجز النظام السياسي عن التعامل معها من خلال قنواته الشرعية والمؤسسية, فخرجت إلى الشارع في اشكال مختلفة منها العنف, واخطر ما يمكن ان يصيب نظام سياسي ما هو تبني قواه المختلفة كأداة للتعامل فيما بينها, واذا ما حدث ذلك, فانه يصبح مؤشرا لتدهور اداء النظام وتآكل شرعيته واستفحال ازمته, وفي مثل هذه الحالات, فان العنف اما ان يقود إلى تغيير النظام السياسي, وتحقيق الاهداف التي سعى اليها الممارسون له, واما ان يدفع النظام إلى تطوير مؤسساته, والارتفاع بكفاءتها وقدرتها على تنظيم الامور بما يسمح باحتواء العنف وتصفيته تدريجيا.