لتحقيق النمو الاقتصادي السريع في الوطن العربي, من اللازم أن يدخل هذا الوطن عصر التكنولوجيات المتطورة الجديدة للاتصالات والمعلومات عن طريق استحداث وتطوير التكنولوجيات الالكترونية. ليس من شأن زيادة قوة قطاع الخدمات وزيادة الانفاق الحكومي الاستهلاكي , كما يحدث في عدد من البلدان النامية, أن يحققا النمو السريع. ولن يحقق النمو الاقتصادي الوطيد السريع في هذا الوطن, إلا باكتساب الصناعات الالكترونية المتطورة المتعلقة بالاتصالات والمعلومات وباستحداثها وتطويرها. وبذلك يمكن أن تكون له الميزة في المنافسة في المجالين الاقتصادي والأمني. والاتجاه العالمي الحالي هو استحداث وتطوير تكنولوجيات الكترونية جديدة للاتصالات والمعلومات. في العالم المتقدم النمو حققت الصناعة الالكترونية ــ التي تضم الاتصالات السلكية واللاسلكية والوسائل الدفاعية والصناعة الالكترونية الاستهلاكية والحاسبات الالكترونية والمعدات الصناعية ــ نموا باهر السرعة. فعلى سبيل المثال بلغ نمو قطاع الحاسبات الالكترونية حوالي عشرين في المئة سنويا في سنوات الثمانين. وان ناتج الصناعة التحويلية في العالم قد زاد مئة مرة في القرنين الماضيين, وكانت القوة الدافعة لذلك نشوء موجة بعد موجة من التكنولوجيات الجديدة التي أدت إلى نشوء صناعات جديدة. وفي الوقت الحاضر فإن التكنولوجيات الالكترونية الأكثر تطورا هي التكنولوجيات الأسرع نموا. تستهلك التكنولوجيات الالكترونية قسما كبيرا من الأموال المخصصة للبحث والتطوير في العالم وتستخدم أرفع المهارات وتدفع للعاملين فيها الرواتب الأعلى في المتوسط وتسوق منتجات ذات قيمة عالية وتدفق هذه التكنولوجيات الثروة على الاقتصاد الوطني وتشكل مصدرا كبيرا للعمالة. وبناء على ذلك يمكن تحريك وتنمية الاقتصاد الوطني العربي عن طريق اكتساب العرب للتكنولوجيات الالكترونية الجديدة وتطويرها ونشرها في الوطن العربي واعتيادهم على استحداثها المستمر. وبالنظر إلى الأهمية الحاسمة لان يكتسب العرب هذه التكنولوجيات ولأن يستحدثوها ويطورها يجب أن تكون هذه الأهداف أهدافا ذات أولوية في سلم الأهداف القومي العربي. والتجارة محرك هام للنمو. وتشكل تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات الالكترونية أشد قطاعات النمو سرعة في التجارة وتشكل نسبة كبرى ومتزايدة الارتفاع في الصادرات الصناعية في العالم. وتقول تنبؤات بأن صناعة الاتصالات والمعلومات ستبلغ ثلاثة تريليونات من الدولارات بنهاية العقد الحالي. وحتى تزداد سرعة نسبة التجارة العربية في التجارة العالمية, مما من شأنه أن يؤدي بسرعة إلى تعزيز الاقتصاد والنمو الاقتصادي في الوطن العربي, من اللازم أن يكتسب العرب تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات الالكترونية المتطورة وأن يطوروها وأن يوجدوا تكنولوجيات أشد تطورا في هذا المجال. ويشهد العالم الذي نعيش فيه المنافسة الشديدة في شتى المجالات. وفي هذه المنافسة يتفوق المتفوقون على من دونهم. وتستعمل تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات الالكترونية في أغراض التعلم والتعليم واكتساب المعرفة والمهارات التكنولوجية وتبادل المعلومات. ولهذه التكنولوجيات أثر ايجابي كبير في هذه المجالات. وهناك اتجاه صوب اقامة واستعمال محطات وشبكات الاتصالات والمعلومات الالكترونية العامة والخاصة لاستقاء المعلومات والقيام بالنشاطات التجارية في المكتب وفي المنزل حتى لدى الأسر ذات الدخل المالي الأقل. وشبكات الاتصالات والمعلومات أداة تعليمية. فعن طريق اقامة هذه الشبكات والمحطات يمكن للعرب أن يرفعوا المستوى المعرفي في شتى المجالات, مما من شأنه أن يولد الزخم التكنولوجي للعرب الذي يضمن الاستمرارية وأن يعزز مركزهم الاقتصادي وأن يسهم في تعزيز قدرتهم على المنافسة في عالمنا الذي يتطلب النجاح فيه حسن الأداء وحسن التنظيم وتوفر المعرفة وامتلاك ناصية تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات الجديدة والمتطورة. والدول العربية تعاني من مشاكل اقتصادية حادة فهي تعاني من العجز المالي والعجز التجاري ومن الديون الثقيلة الوطأة, ويتلقى عدد كبير من الدول العربية المساعدة المالية الأجنبية التي يكون توفيرها مشروطا أحيانا غير قليلة بشروط سياسية. ويمكن لهذه الدول أن تتخلص من هذه الصعوبات أو أن تخفف من حدتها على الأقل إذا طورت واستعملت تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات هذه. إن تحقيق استحداث وتطوير تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات الالكترونية في الوطن العربي من شأنه أن يتطلب توفر روح الابتكار وأن يتطلب الاستفادة من شتى مجالات المعرفة وانفاق مبالغ مالية كبيرة على بحوث التطوير وأن يتطلب توفر مناخ الحرية الفكرية. وانطلاقا من ذلك يمكن القول ان رجل الاقتصاد الياباني فومو كوداما كان محقا حينما وصف شركة التصنيع بأنها مكان للتفكير أكثر من كونها مكانا لصنع الأشياء. إن الكثيرين من الأشخاص الذين لديهم حظ أكبر من المواهب الفكرية الابداعية في اليابان يشتغلون في شبكات الابتكار. وشبكة الابتكار شبكة معقدة من الاخصائيين والأساتذة الجامعيين ومن الدعم المتبادل بين الصناعات والتكنولوجيات. وتدمج تلك الشبكات في التجربة الحديثة لإدارة المشاريع التي تسوق أشد التكنولوجيات حداثة في أسواق العالم. إن تكنولوجيات المستقبل ستكون امتدادا لتكنولوجيات اليوم. وشبكة الابتكار هذه, دماغ الأمة, هي التي تسهم في خلق المستقبل. وإذا أراد العرب انشاء هذه الشبكات ــ ويجب عليهم أن ينشؤوها إذا أرادوا تحقيق التنمية ــ وجبت التوعية بأهميتها الاستراتيجية والقومية والاقتصادية ووجب توفير الدعم الحكومي بشتى أنواعه, ومنها اتاحة الحرية الفكرية, ووجب تجنيد خبرة الأدمغة والمهارات العربية الأكثر تطورا. وحتى يدخل الوطن العربي عصر التكنولوجيات الالكترونية المتطورة للاتصالات والمعلومات من الضروري أن يؤسس مزيدا من الجامعات التكنولوجية ومراكز البحوث التكنولوجية والفضائية وأن تقام بنية أساسية لانتاج الكمبيوترات وبرامج الكمبيوتر وآلات الاستنساخ المتطورة وأجهزة الفاكس وأجهزة الطباعة بالليزر وأجهزة التلفزيون والأقراص الضوئية والتوابع الاصطناعية وغيرها من الأجهزة الالكترونية المتطورة والمتزايدة في مجال الاتصالات والمعلومات. وفي اقامة هذه الصناعة الالكترونية قد تكون البداية صعبة. ولكن الصعوبة, ان وجدت, تذلل بالإرادة الواعية القوية. لم تحقق بلدان غربية ذلك فحسب ولكن بلدان غير غربية أيضا مثل كوريا وماليزيا وتايلاند وتايوان واليابان وأجزاء من الصين واندونيسيا. وتوجد دلائل على دخول الهند وبلدان من أمريكا اللاتينية أيضا في هذا المجال. ويمكن للدول العربية تحقيق هذا الغرض عن طريق مضافرة الجهود العربية على المستويين الحكومي وغير الحكومي, ويمكن أن تشمل هذه الجهود اقامة شركات عربية ابتكارية. الشركات الوطنية هي التي يمكن أن تحقق أهدافا وطنية. ومن الواضح ان الوطن العربي بحاجة إلى مزيد من أصحاب الكفاءات والمهارات العالية في شتى العلوم ومزيد من رأس المال الاستثماري ومزيد من التدريب التكنولوجي والصناعي والتدريب على اكتساب المهارات في تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات الجديدة وإلى اجراء البحوث والقيام بأنشطة التطوير والاستحداث في مجال هذه التكنولوجيات. وحتى تكون هذه الأنشطة كافة مكتملة يجب أن توجهها إدارة نشيطة لديها الجرأة والرؤية والحافز. والوطن العربي بحاجة إلى زعماء سياسيين يفهمون الحقيقة التي تواجهها الأمة العربية ويمكنهم أن يستنفروا الأمة وكأنها في حالة من الاستنفار العام. على الزعماء السياسيين أن يوجدوا البيئة المواتية لاقامة تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات ولتطويرها بغية خدمة أغراض مختلفة منها زيادة الصادرات وتقليل الواردات العربية وتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي والصناعي العربي وزيادة حجم التبادل التجاري العربي. وفي هذا المسعى على الحكومات العربية أن تشارك الشركات الصناعية والتجارية العربية في اكتساب التكنولوجيات في مجال الاتصالات والمعلومات. ولتحقيق هذه الأغراض كلها يجب تغيير جوانب كثيرة من الثقافة العربية, بما في ذلك قسم من مواقفها وعاداتها وتقاليدها وطرائق أدائها. ويجب أن تنشئ الأمة العربية جوانب ثقافية تشجع خيرة أصحاب المواهب على اكتساب معرفة التكنولوجيا الجديدة وعلى تطبيقها. كلمات المستقبل السحرية ينبغي أن تكون أخذ زمام المبادرة واكتساب التكنولوجيا وتطبيقها والابداع التكنولوجي والانطلاق الفكري وطرح الأوهام والقدرة على المنافسة في مجال التكنولوجيا والابداع والابتكار على الصعيد العالمي والامتياز الإداري والشعور الكامل بالثقة بالنفس والحس والاعتزاز بالانتماء إلى الشعب العربي وإلى الوطن العربي والاعتقاد بتكامله الاقتصادي والثقافي والتحلي بالشعور بحمل رسالة قومية وحضارية إنسانية. إن المشوار أمامنا طويل ولكن يجب أن نقطعه وأن نبدأ بقطعه, وكلما تأخرنا في الشروع في قطع الطريق زاد الضعف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي الذي يصيبنا لأن لتخلفنا عن ركب التقدم في مجالات التكنولوجيا الحديثة آثارا ضارة بمركزنا السياسي والاقتصادي والاستراتيجي على كوكب للتفوق التكنولوجي فيه أثر ذو شأن. * أستاذ الدراسات الشرقية ــ كلية سيكس كاونتي ــ الولايات المتحدة الأمريكية