يرمي الكيان الصهيوني من خلال العمليات الاستيطانية المتوالية والتي مضى عليها قرن كامل, تحقيق العديد من الابعاد وبالتالي توفير الكثير من المتطلبات للمستوطنين في الاراضي العربية المتحلة, والتي تتضافر مع غيرها من الجهود لتوفير الامن والامان للمستوطنين واستمرارية التوسع والسيطرة على الاراضي المحتلة, ومصادرة الاراضي العربية بحجج وذرائع اقل مايمكن قوله انها غير منطقية ومقبولة حيث يبررون بعضا من تلك التوسعات الجاري تنفيذها في عدد من المدن والمستعمرات لتنسجم واحتياجات السكان مع ان الكثير من الصحفيين الاجانب والذين قاموا بزيارات ميدانية لبعض المناطق في الاراضي العربية المحتلة, تبين لهم ان الكثير من مساكن المستعمرات خالية من السكان. ان الاستيطان يمثل استراتيجية رئيسية للكيان ركز عليها قادة الكيان الصهيوني ومن قبل زعماء المنظمة الصهيونية فقد ذكر هرتزل في يومياته ان حدود الدولة ستكون حدودا موسعة وستشمل حدود دولتي داود وسليمان وان حدودها ستكون حسب الحاجة وازدياد المهاجرين. واشار وايزمن لذلك بقوله ان اليهود لايستطيعون ان يكونوا سادة مستقبلهم ويشاركوا في التقدم العالمي الا اذا تمكنوا من الهجرة والاستيطان في بلدهم الحر الذي يملكونه بينما يرى جابوتنسيكي ان الاستيطان اليهودي في فلسطين سيشمل الحل العملي لمشاكل اليهود السياسية والزراعية والاقتصادية والثقافية ولم يشذ عن هذا التوجه اى من قادة وزعماء الكيان الصهيوني بكافة انتماءاتهم ومسمياتهم. وهكذا أولت الأحزاب الصهيونية هذا الجانب اهمية كبيرة, وشكل حيزا هاما في الأفكار والمبادىء الحزبية, وليس هناك من خلافات فيما بين تلك الأحزاب والمنظمات والتيارات بصدد هذا الموضوع, بل يمكن القول ان هناك شبه إجماع على التمسك بكافة خطوطه وأهدافه. حدد الكيان الصهيوني عددا من المهام للاستيطان منها: 1- البعد العسكري : هناك ارتباط رئيسي فيما بين الاستراتيجية العسكرية والاستيطان, وتلازم وانسجام لا انفصام فيه, لذا ليس غريبا ان نجد الأهمية التي يوليها قادة الكيان للجانب الأمني, والذي يتم التركيز عليه, واعتباره خطاً أحمر لايجوز الاقتراب منه, وبهذا كانت المستعمرات تحقق للكيان العسكري في هذا المجال عددا من المهام والأهداف منها: انها تعتبر بمثابة سياج أمني, ولتحقيق ذلك خطط لها توفر الاتصال الدائم بكافة الوسائط وأحدث التقنيات. ــ القيام بدور مخافر رصد وإنذار أمامية متقدمة ضد الأخطار المحتملة من أي هجمات معادية. ــ توفير الاكتفاء الذاتي في المستعمرات على المستويين الاقتصادي والعسكري, الأمر الذي يسهم في تأمين امكانية الدفاع ضد الأخطار المحدقة. ــ تهدف المستعمرات المشيدة ضمن المناطق العربية لفرض السيطرة العسكرية والارهاب على القرى العربية المجاورة, ويسهم أولئك المستوطنون, بدور أمني كبير في سياق الاستراتيجية العليا للكيان. إلا ان الأحداث أثبتت عدم جدوى وفاعلية هذه المستوطنات في حال توفر الارادة والتصميم على القتال, ففي حرب أكتوبر عام 1973م لم تستطع تلك المستعمرات الحدودية الصمود طويلا أمام اندفاع وتقدم القوات المسلحة السورية, الأمر الذي اضطر القيادة الصهيونية لوضع خطة لاخلاء تلك المستوطنات, وهو شيء لم تألفه القيادات الصهيونية عبر مسيرة الصراع العربي ـ الصهيوني الطويل, وكان له أثر نفسي كبير على المستوطنين. إلا ان توقف العمليات القتالية ووصول الجسر الجوي الأمريكي أعاد الحياة والحيوية للكيان ومستعمراته, ونفس الشيء ألم بخط بارليف الذي تهاوى تحت أقدام أبطال مصر العربية. ــ أخيرا تعتبر تلك المستعمرات بمثابة نقاط ومراكز تدريب للشباب, إذ تعتمد القيادة الصهيونية في انشائها على الناحال, حيث يقيمون نواة استيطانية يتمركزون فيها, ثم سرعان ما تتحول هذه النقطة إلى مستعمرة يقطنها المهاجرون الجدد, وهكذا. 2 ــ الهدف أو البعد العقائدي: حاولت القيادة الصهيونية ولا تزال ايجاد صلة ورابط بين العمليات الاستيطانية والمنطلقات والأفكار الصهيونية, وهي تنطلق في ذلك من الأمور التالية: ــ الادعاء بالحق التاريخي للصهاينة في أراضي فلسطين عامة, وخاصة في الضفة الغربية وغزة ومدينة القدس, وتقوم بمحاولات جادة لاعادة بعث الماضي المزعوم في العديد من المواقع التاريخية, التي كانت ترتبط بدولة سليمان وداود, ومن ثم اعادة التسميات التوراتية للقرى والمواقع والجبال والأنهار وصولا لعملية إحياء الدولة القديمة. ــ ربط الاستيطان بالدعاوى الدينية المرتبطة بمفهوم ارض اسرائيل, وما الحروب التي يقوم بها الكيان الصهيوني ضد العرب الا وسيلة لتنفيذ الوعد الالهي بالعودة لتلك الارض, ولا تتوقف تلك الدعاوى عند هذا, بل تطالب القيادات الدينية اليمينية المتطرفة بالوصول لكامل الارض المزعومة في اسفار التوراة. وبالتالي التركيز على القدس, ومحاولة تدمير وازالة كل اثر مسيحي واسلامي فيها, وربط الوجود السياسي بالوجود الروحي في القدس وغيرها من المناطق المحتلة. 3ــ الهدف السياسي: يمثل هذا الهدف واحدا من اهم الاهداف التي تعمل من اجل ترسيخها القيادة الصهيونية ومنظماتها واحزابها ويرمي ذلك الى: ــ تعزيز المركز والمكانة السياسية للكيان الصهيوني, وذلك من خلال فرض السيادة علي كامل الاراضي العربية المحتلة. ــ ان النشاط الاستيطاني وزيادة وتيرته يمثل اداة ووسيلة صهيونية لكسب التأييد والانصار داخل الكيان الصهيوني, وبالطرف الآخر استخدامها ورقة ضغط ومساومة على الاقطار العربية تحاول بها ومن خلالها تحقيق العديد من المكاسب والانجازات, فمن خلال المستعمرات في سيناء استفاد الكيان مليارات الدولارات, ومقابل الانسحاب من بعض المناطق المحدودة جدا, حصل الكيان على امر لم يكن يتوقعه, وهو اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بشرعية الكيان العنصري. ــ استغلال المستعمرات لايجاد وفرض سياسة الامر الواقع القائم على المستعمرات والسكان, وان هذا ما سبق ان عبرت عنه جولدا مائير بقولها (الحدود حيث تقف اقدام الجنود) ومن هنا, نجد التنافس الكبير فيما بين الحكومات الصهيونية المتعاقبة, للحيلولة دون تنفيذ اي انسحاب من الاراضي العربية المحتلة وبالتالي صعوبة تسليم تلك المناطق المكتظة بالمستعمرات والسكان للعرب, والتخلي عنها, لان ذلك يمثل كارثة بالنسبة للكيان الصهيوني, وهو ما تقوم به الحكومة اليمينية الحالية, حيث تسعى جاهدة لزيادة رقعة الاستيطان, وانشاء العديد من المستعمرات في ظل ما عرف باتفاقية اوسلو وحتى بعد اتفاقية واي بلانتيشن لم يتغير شيء البتة من الفكر والعمل الصهيوني, فقد رصدت الحكومة فورا 60 مليون دولار لتطوير وتنفيذ الطرق الالتفافية. ــ تتنافس الاحزاب الصهيونية فيما بينها باستغلال الاستيطان, والتوسع, وعدم قبول اي نوع او حالة تؤدي لانسحاب مهما كان نوعه ومقداره من الاراضي المحتلة, وبذلك تحاول الحصول على اكبر نصيب من اصوات الناخبين العنصريين المتعصبين, ولعل مثل هذا الموقف هو الذي اسهم بنجاح التيار اليميني المتطرف في الانتخابات الاخيرة, وتسلم حكومة الليكود مقاليد الامور. 4 ــ الهدف السكاني: ترمي القيادة الصهيونية من وراء زيادة اعداد المستعمرات ونشرها بكثافة في كافة المناطق المحتلة الوصول للعديد من الاهداف والتي من أهمها: ـ زيادة الكثافة السكانية للمستوطنين الصهاينة ضمن المناطق العربية. ــ استغلال الكثافة السكانية والعمرانية في الضغط على المواطنين العرب الصامدين بأرضهم ومدنهم وقراهم, والرافضين للتخلي عنها مهما كان الثمن, وبالتالي, تحويلهم الى كتل منعزلة وأقلية, تحيط بها الكتل العمرانية الممتدة من كل جانب, المهددة صباح مساء. ــ اقامة مجموعة من المستعمرات على خطوط الحدود الوهمية بين الاراضي التي احتلت عام ,1948 وعام ,1967 لاقامة جدران عازلة تحول دون استمرارية اللقاء والتمازج بين المواطنين العرب سكان الارض. ـ السعي الحثيث لطمس معالم الشخصية العربية والوجود العربي الذي كان قائما فوق ارض فلسطين عبر آلاف السنين, من خلال تدمير المدن والقرى العربية, وقد كان عددها عام 1948 ثلاث عشرة مدينة و507 قرى من اجمالي المدن والقرى الفلسطينية البالغ عددها ست وعشرون مدينة و862 قرية عربية, ما لبثت السلطات الصهيونية ان دمرت 418 قرية عربية تدميرا تاما. 5 ــ الهدف النفسي: يعتبر المهاجر الصهيوني الجديد للاراضي العربية, ان الكيان الصهيوني عامة, والمستعمرات بخاصة هما الضمانة الوحيدة لتوفير الامن والامان له ولأسرته, وهو امر تعول عليه القيادة الصهيونية كثيرا, وتسعى لتوفيره قدر المستطاع, امعانا في كسب المزيد من المهاجرين, وفي الوقت نفسه, تحاول هذه القيادات, استغلال هذا الجانب, لزرع بذور الحقد والعنصرية في نفوس الصهاينة, ضد العرب, ومن الاهداف النفسية الاخرى التي يسعى الكيان لتحقيقها عبر تلك السلاسل المتتابعة من المستعمرات. ــ زرع القناعة في نفس الفلسطينيين بصعوبة تجاوز تلك القلاع والحصون المسلحة. ــ فرض الواقع الجديد على المواطنين العرب, ومن ثم ضرورة التعامل معه وقبوله. ــ مراعاة العوامل النفسية بين المستوطنين والأماكن الجديدة, وتقوم القيادة الصهيونية بالعديد من الاجراءات والتدابير لتنمية الشعور والاحساس بالترابط بين كل من المستوطن والمستعمرة من خلال: ــ المشاركة الفعالة للمستوطنين في اختيار أماكن المستعمرات. ــ توفير أكبر قدر ممكن من الانسجام بين السكان, من خلال اختيار المجموعات المتجاورة أو القادمة من منطقة واحدة. ــ اختيار أسماء المستعمرات بشكل يخلق لدى سكانها نوعاً من الشعور بعاطفة قوية تجاهها, وتكون الأسماء ذات ارتباط تاريخي سواء كانت دينية, أو أسماء لبعض القادة. 6 ــ الهدف الاقتصادي: تسعى القيادة الصهيونية للاستفادة من الأراضي العربية المحتلة وفي كافة المجالات, وتحقيق مجموعة من الأهداف على الصعيد الاقتصادي, من أهمها: ــ اقامة المستعمرات في المناطقة الخصبة, واستغلالها بالتالي في اقامة زراعات متنوعة تقدم للكيان الاحتياجات الزراعية المتنوعة. ـ المحاولة الدائمة للسيطرة على مصادر المياه والتحكم بها ولعل من أبرز وأهم تلك المشاريع مشروع تحويل مياه نهر الأردن ونقل مياهه إلى داخل الأراضي المحتلة. ـ قيام المستعمرات بمنافسة المدن والقرى العربية المجاورة في المجال الاقتصادي. ــ الاقلال من الضغط السكاني في المناطق الكثيفة السكان داخل الأراضي العربية, ونقل الفائض لأراض مصادرة جديدة, تكون بمثابة مراكز جذب اقتصادية للمستوطنين الصهاينة. ــ الاستفادة من خيرات وموجودات الاراضي العربية المحتلة, وتوظيفها في المجالات الصناعية او الزراعية وغير ذلك, اضافة للعمالة العربية الرخيصة الثمن, والتي تتحكم بها السلطات الصهيونية في كل آن وحين. وهكذا, يتبدى لنا بوضوح الاهمية التي يوليها الكيان الصهيوني للاستيطان, ومدى تأثير ذلك المشروع على استمرارية وتنامي وصمود هذا الكيان في وجه الامة العربية والاسلامية, والذي لم تستطع كل تلك الاتفاقيات المزعومة للسلام من تخفيف وتيرته, بل على النقيض من ذلك, ازدادت وتيرة العمل الاستيطاني, سواء من حيث انشاء المستعمرات الجديدة, او توسيع القديم, وشق الطرق الالتفافية القائمة على اراض عربية ستتم مصادرتها.. وبعد كل هذا! هل يعقل ان نطلب من اولئك الحاقدين العنصريين المتطرفين تنفيذ الاتفاقيات التي وقعوا عليها, او سيوقعوا عليها؟ وهل يمكن ان نثق بأن قيادات عنصرية متطرفة كهذه تريد السلام؟ او تسعى من اجله؟ * كاتب فلسطيني مقيم في دمشق، عميد ركن متقاعد