يحذر الآباء صغارهم عادة من اللعب بالكبريت, او بمعنى اصح اللعب بالنار, ويلجأ الآباء الى حيل عديدة لابعاد الصغار عن الامساك بعلب الكبريت في البيت, بعض تلك الحيل حكايات فلكلورية معروفة وامثال شعبية عديدة كلها تؤكد على العمل بالحكمة والابتعاد عن العنف, وتلك الامثال منتشرة ليس في بلادنا فقط , بل تكاد تكون معروفة في العالم كله, لان اللعب بالكبريت اي النار في الصغر يمكن ان يكون لعبا بنار القنابل والصواريخ في الكبر, من هنا ينجح الآباء في تلقين الابناء دروسا مفيدة تعدهم ليكونوا على خبرة في الحياة, ومن بين تلك الخبرات ان (اللعب بالنار) ممقوت والافضل منه تجنب ذلك باللجوء الى الحوار, لان (من يلعب بالنار يكتوي بها) . هذا الامر ينطبق على الامم والدول ايضا, الدول في بداية التاريخ كانت تلعب بالنار كثيرا, لانها لم تكن قد توصلت بعد الى لغة مشتركة للتفاهم, او تعرف ما يمكن ان يؤدي اليه هذا اللعب بتلك المادة المقيته من دمار وكوارث, لذلك مع تقدم الزمن بدأت الامم تحاول تجنب ويلات النيران باللجوء الى الحوار, اما العودة الى النار يكون بديلا عندما تفشل مقارعة الحجة بالحجة, لانه لايجب ان يكون العنف ليس غاية في حد ذاته, بل وسيلة تبرز عند الفشل في التفاهم مع الآخر. لذلك فإن اكثر الامم عنفا هي اصغر الامم حضارة ونظرة سريعة على خارطة النيران المشتعلة في الكرة الارضية تؤكد ذلك, اسرائيل دولة بلا تاريخ على الرغم من ادعائها وراثة (اسرائيل التوارتية) , تنشر النار والرعب في الشرق الاوسط لانها تعرف ان الامم المحيطة بها اكبر منها حضاريا, والمواجهة بالحوار ليس في صالحها, لذلك تبدأ عادة باللعب بالنار, لان تلك النار لو احرقت اللاعبين بها فإنها لن تخسر شيئا, لأنها في الحقيقة لاتملك شيئا على المستوى الحضاري يجعلها تخاف على ضياعه. للأسف ينطبق الامر نفسه على الدولة التي تجلس على عرش العالم الآن (الولايات المتحدة الامريكية) , التي تدعي انها تشكل (امة) لكنها في الحقيقة تفتقد الى المقومات الاساسية التي تعنيها هذه الكلمة, فتلك الدولة الشاسعة ليست الا خليطا لايجمعه سوى المصلحة الخاصة, مؤسساتها الحكومية ليست الا مجموعات من (ممثلي الشركات) التي تستخدمها لتحقيق اغراضها. من خلال تطبيق قاعدة (اللعب بالنار) عند الاطفال يمكننا ان نتبين بسهولة ان الولايات المتحدة دولة (طفلة حضاريا) , لذلك اللعب بالنار ليس غريبا عليها, بل يعتبر من اهم صفاتها, ويتبين ذلك في تعاملها مع الازمات, تبدأ بالعنف دائما ثم تميل الى الحوار عندما تفشل في استخدامها للنار, ولا حاجة بنا للعودة الى التاريخ القريب, من افتعالها ازمة غرق إحدى سفنها العسكرية في هافانا عام 1989, واشعالها الحرب الكوبية لطرد اسبانيا من مستعمراتها في امريكا اللاتينية والفلبين, وذلك طمعا في احتلالها الفراغ الاستعماري الناشىء عن دمار تلك الحرب, من بعدها ضرب (هيروشيما) و(ناجازاكي) بالقنابل النووية, الذي يعتبر اول وآخر استخدام لذلك السلاح المدمر حتى الآن! لتعود الى الحوار حول إنهاء القتال بين الجانبين, الامر نفسه حدث في فيتنام بدأت الولايات المتحدة باللعب بالنار, وعندما احترقت اصابعها بتلك النيران لجأت الى لعبة كسينجر الشهيرة (الجلوس الى مائدة الحوار في باريس) , بحثا عن مخرج, كالطفل العنيد الذي يلعب بالكبريت وعندما تحترق اصابعه لا يعتذر لأبويه عن فعلته, بل يبحث عن اسباب اخرى لما اصابه. تأكيدا على قاعدة ان (اللعب بالنار) من صفات الاطفال دفعت الولايات المتحدة العالم كله الى حرب الخليج الثانية باعتبار ان صدام حسين لا يفهم الا هذه اللغة لكنها عندما وجدت ان سقوطه يهدد مصالحها, افاقت وقررت الابقاء عليه باعتباره يمثل جزءا من لعبتها الطفولية, وفرضت على العالم كله ان يستمر في المشاركة في تلك اللعبة كمتفرج يدفع ثمن الخسائر التي تصيبها من جراء ممارسة هذه اللعبة الخطر (اللعب بالنار) . لذلك عندما يتحدث احد عن انهاء ازمة من الازمات من خلال الحوار تصاب المؤسسات الحكومية الامريكية بالارتكاريا وتجلى هذا مؤخرا عندما اعلن الرئيس الكولومبي الجديد (اندريس باسترانا) عن عزمه اجراء مباحثات مع الثوار الذين يقاتلون في جبال كولومبيا لانهاء صراع دموي طويل يعتبر الأقدم في تاريخ امريكا اللاتينية صراع يشل حركة البلاد منذ ما يقرب من نصف قرن. تم الاعلان من جانب اندريس باسترانا خلال الحملة الانتخابية فاعتبره الامريكيون وقتها نوعا من الدعاية التي يحاول كل مرشح ان يجتذب من خلالها اصوات الناخبين, ولكن فوزه في انتخابات يونيو الماضي كشف عن تصميم حقيقي لتحقيق ما تعهد به الرئيس الجديد خلال الحملة الانتخابية, عندها اصابت (الارتكاريا) الولايات المتحدة الامريكية فحركت على الفور اصابعها الخفية للبحث في مناطق هنا وهناك لالقاء أعواد الكبريت المشتعلة في غابات كولومبيا الكثيفة حتى لا يتوقف حريق الحرب الاهلية, لأن توقف تلك الحرب يعني حرمانها من اللعب من حين لآخر بتلك النار التي صارت هوايتها المحببة التي تتفق وعمرها الحضاري. بدأت مجموعة من (لوبي اللعب بالنار) في الكونجرس الامريكي حركة سريعة تمنع اغلاق تلك المنطقة امام ممارسة هوايتهم المفضلة, وبدؤوا في الهجوم على الرئيس الكولومبي (اليميني) ابن المدارس والجامعات الامريكية (؟!) واتهموه بأنه يريد الحوار مع (ارهابيين) و(مهربي الهيروين) ولم يفكروا للحظة واحدة فيما يمكن ان يعود به السلام الداخلي على شعب كولومبيا, الذي يعيش مشاهد الرعب اليومية منذ نصف قرن. مثل أي رئيس دولة في امريكا اللاتينية, رحل الرئيس (اندريس باسترانا) الى واشنطن لتقديم فروض الطاعة والولاء في البيت الابيض, وخلال ذلك حاول ان يبرر (فعلته الشنيعة) بالبحث عن سلام في بلاده, وانهاء الحرب الاهلية التي تطحنها, وكأنه يرتكب عملا شائنا لا يمكن تبريره. حتى لا تفشل مساعيه في ان يعيش شعب كولومبيا هانئا آمنا, قدم للولايات المتحدة ضمانات تؤكد ان السلام لن يكون على حساب مصالحها في المنطقة, وأعد مائدة في كوستاريكا ليلتقي مندوب حكومي امريكي بمندوب لثوار كولومبيا يؤكد على ضمانات الرئيس اندريس باسترانا, ورغم منطقية الحوار الا انه يبدو ان الولايات المتحدة ترى ان مرحلة الحوار لم تحن بعد, لأنه على حد قول بعض مسؤوليها وتطبيقاً لقاعدة (اللعب بالنار) , ان الولايات المتحدة قادرة على دعم الجيش الكولومبي والمنظمات العسكرية السرية الاخرى المناهضة لالحاق الهزيمة النهائية بالثوار, مذكرا بأن مقتل زعيم مافيا الهيروين في ميديين (مانولو اسكوبار) مات برصاص المخابرات الامريكية. لم يقف الرهان الامريكي على (اللعب بالنار) حائلا امام الرئيس الكولومبي, الذي اخلى ما يقرب من نصف بلاده من الجيش والبوليس واعترف بسيطرة الثوار عليها, واعترف بجيش التحرير الكولومبي كمنظمة سياسية لابد من الحوار معها, وتم أول لقاء تاريخي الاسبوع الماضي, وتم تشكيل مائدة مفاوضات بين الجانبين لتبحث مطالب الثوار, وأيضا ضمانات الحكومة لسلام متوازن يحقق مصالح الجميع. لكن تلك المائدة رغم التفاؤل المحيط بها لا تزال تخيم عليها (ارتكاريا) الولايات المتحدة, وخوفها من سلام يحد من امكانية تدخلها في البلاد, ويفقدها السيطرة على الامور, لذلك عادت لتؤيد على استحياء هذا الحوار, لكنها بحثت في الوقت نفسه عن وسائل لنسفه, فطالبت ان يتعهد الثوار بالتخلص من مزارع الكوكايين التي تقع في المناطق التي يسيطرون عليها, وعندما قبل الثوار هذا الطلب عادت الولايات المتحدة وطالبت بأن التخلص من تلك المزارع يتم من خلال احراقها بالمواد الكيماوية التي تتولى القاءها الطائرات الامريكية, الطلب مستحيل القبول, لأنه يعني نهاية تلك المزارع كأراض زراعية الى الابد, ويحمل معنى تجويع السكان الذين يبحثون عن بديل لأشجار الكوكا يعيشون من خلاله. الطلب الامريكي في حقيقته ليس سوى محاولة لتدمير السلام الكولومبي المنتظر, والحفاظ على تلك المنطقة كملعب يقع في الفناء الخلفي تمارس فيه الولايات المتحدة لعبتها المفضلة: (اللعب بالنار) . كاتب مصري مقيم في اسبانيا