في خضم العدوان الانجلو امريكي الأخير على العراق, وما خلفه من ردود فعل جماهيرية مستنكرة برزت وكأنها متباينة مع أغلب المواقف الرسمية التي اكتفت بالتعبير عن القلق والانشغال, والدعوة إلى حل النزاع بالطرق السلمية, فقد سارعت أغلب البرلمانات العربية إلى محاولة امتصاص هذا الغضب الشعبي من خلال عقد دورات خاصة اجمعت كلها على ادانة العدوان الأمريكي, والتعبير عن التضامن مع الشعب العراقي, وكذلك المطالبة برفع الحظر المفروض على العراق منذ أكثر من ثماني سنوات, دون ان يصل ذلك إلى حد مطالبة الحكومات العربية بخرق الحظر أسوة بما فعل البرلمان الروسي الذي كان قد صوت على ملتمس في هذا الاتجاه, وفي دوامة هذا الوضع, فقد عقد اتحاد البرلمانات العربية دورة طارئة في عمان بحضور ستة عشر وفدا, وتغيب الكويت, وكما كان منتظرا فقد دعا هذا الجهاز الحكومات العربية إلى العمل من أجل رفع الحصار المضروب على العراق, كما طالب بالغاء منطقة الحظر الجوي المفروض على العراق, والذي لا يستند إلى أية شرعية دولية. ان مثل هذه المواقف إذا كانت تساير الشعور العارم الذي اعترى الشارع العربي وتكرس ذلك الشعور بالسخط الذي اجتاح العالم العربي فإنها تطرح سؤالا أساسيا حول مدى درجة تأثيرها في الموقف الرسمي العربي, وهو سؤال يطرح أكثر من ذلك دور البرلمان في التأثير على الموقف الخارجي لدولته بصفة عامة, وإذا استثنينا الكونجرس الأمريكي, وأساسا مجلس الشيوخ الذي يتمتع باختصاصات واسعة في المجال الخارجي بحكم ضرورة موافقته على التعيينات في المناصب العليا كما هو الأمر بالنسبة لكاتب الدولة في الخارجية ومساعديه الأساسيين والسفراء, وكذك المصادقة على المعاهدات, والاعتمادات المخصصة للمجال الخارجي وللدفاع, فإننا نلاحظ انه في أغلب الدول الديمقراطية فإن دور البرلمان يبقى محدودا في هذا الميدان. وذلك لعدة اعتبارات منها: تعقد المجال الخارجي, وتشابكه مع المجال الداخلي, وذلك بحكم تنامي الاعتماد المتبادل, وتعمق ظاهرة العولمة, وهذه الظاهرة باتت تطرح قضايا جديدة تتطلب امكانيات لمتابعتها, وفي الوقت نفسه تفرض السرعة في مجاراتها والرد عليها, وكذلك, عدم توفر أغلب السلط التشريعية على المعطيات الكافية التي تسمح لها بادراك شامل للقضايا المطروحة, فهي لا علاقة لها بمصادر المعلومات, كما هو الأمر بالنسبة لأجهزة المخابرات والسفارات. وهذا الأمر يجعلها في وضعية دونية بالمقارنة مع السلطة التنفيذية. وبحكم هذا الواقع, فإن السياسة الخارجية غالبا ما تشكل مجالا محتكرا من طرف رؤساء الدول, فالرئيس الفرنسي الراحل الجنرال ديجول كان يردد دائما ان السياسة الحقيقية هي السياسة الخارجية, وهي وحدها تستحق الاهتمام, لذلك يمكن القول بصفة عامة ان السياسة الخارجية سواء تعلق الأمر بتحديد توجهاتها الاستراتيجية, أو اقتصر الأمر على تنفيذها, فإنها تنفلت من رقابة الجهاز التشريعي, وفي أحسن الاحتمالات, فإن هذا الأخير لا يمكن إلا ان يسائل السلطة التنفيذية بعد صدور القرارات ولايمكن له ان يقوم برقابة مسبقة لذلك فإن اهتمام البرلمان بالممارسة الخارجية قد يقتصر في كثير من الاحيان على تدعيم التوجهات الرسمية لاسيما ازاء بعض القضايا الحساسة التي تستقطب الاجماع الوطني والمساهمة في العمل الدبلوماسي من خلال مانسميه بالدبلوماسية البرلمانية التي تشكل دعما للدبلوماسية الرسمية وينبع ذلك اما من خلال المشاركة في بعض الوفود الرسمية او من خلال المساهمة في التجمعات المتعلقة بالبرلمانات سواء على مستوى جمهوري او على المستوى العالمي. اذا كان الامر كذلك بالنسبة للوضع في الدول العريقة في الديمقراطية فان الدور البرلماني العربي يتضاءل اكثر بحكم عدة عوامل منها: اولا ان اغلب الدول العربية لا تعرف ممارسة ديمقراطية حقيقية بل البعض منها لايعرف حتى تمثيلية شكلية. وفي انظمة اخرى فإن رفض الاعتراف بالتعددية السياسية يعني الاتيان بمؤسسة تشريعية ليس لها من وظيفة سوى تزكية قرارات الحاكمين. وثانيا: ان انظمة الانتقاء غالبا ما لاتستند على اسس ديمقراطية حقيقية كما هو الامر بالنسبة للانتخابات الحرة والنزيهة فالامر قد لايتعدى مجرد تدعيم بعض المرشحين المنتمين للقوى الحاكمة في البلاد, او قد تطاله اساليب تحرف ارادة الناخب وثالثا فان البرلمانات العربية في مجملها لاتتوفر على اختصاصات كافية تمكنها من القيام بالوظيفتين الاساسيتين للبرلمان وهما وظيفة التشريع اي انتاج القانون ووظيفة مراقبة السلطة التنفيذية من خلال آليات فعالة تضمن احترام ارادة الشعب. كنتيجة لهذا الوضع فإن هذه البرلمانات لاتعكس بوجه سليم طبيعة القوى داخل النظام ولا توجهاتها الاساسية الامر الذي يفضي الى غياب استقلالية كافية لدى هذه المؤسسات التشريعية في مواجهة السلطة التنفيذية التي تملك اختصاصات واسعة ليس فقط في تحديد السياسة الخارجية بل اكثر في تقرير كافة الاختيارات السياسية ومن ثم فان هذه المؤسسة التي تحظى باحترام ومصداقية كبيرة في الدول ذات الاعراف والتقاليد الديمقراطية تفتقد ذلك في العالم العربي. لذلك فإن قرارات الاتحاد البرلماني العربي لم تستقطب اهتماما كبيرا في الاوساط الاعلامية والمعنية بالشأن العربي وقد يعود ذلك الى الادراك السائد بمحدودية فعالياتها في التأثير على متخذ القرار الفعلي لكن هذا التصور لايمنعها من القول انه بقطع النظر عن الادانة للعدوان الامريكي والاكتفاء بالدعوة الى التعجيل بعقد مؤتمر للقمة العربية فإنها لم تقدم مقترحات ملموسة سواء فيما يتعلق بتجاوز المحنة التي يواجهها الشعب العراقي, او فيما يتعلق ببعض الخطوات اللازمة لاعادة ترصيص الصف العربي. وهذه القرارات المكررة تنم في حد ذاتها عن تعقد الوضع العربي, وكذلك لمصاعب هذه المؤسسات التشريعية في التأثير على الممارسة الخارجية العربية, فهذه الاخيرة تظل حبيسة لاعتبارات منها ما لا يرتبط أصلا بالارادة العربية نفسها. وهو ما نتلمسه حاليا, فالدعوة الى تجاوز هذه المحنة ولو من خلال اعادة تشغيل آليات رغم محدوديتها كثيرا ماتصطدم برغبات اخرى لاجهاضها فرغم ما كان يبدو من بصيص امل في امكانية انعقاد قمة عربية فإن هذا الطموح بدأ يتلاشى من جديد بفعل التوتر الذي طفى من جديد على سطح العلاقات بين النظام العراقي وانظمة اخرى بفعل تبادل التهم حول المسؤول عن العدوان الانجلو امريكي الاخير على العراق. ان تفعيل المؤسسات العربية الوسيطة لتضطلع بدور قومي يمر حتما عبر تمتعها بالاختصاصات والوسائل والمصداقية اللازمة التي تسمح لها بالقيام بواجبها الوطني او القطري, ففاقد الشيء لايعطيه والبرلمانات العربية تفتقد للكثير من المقومات, فكيف يمكن لها ان تتمتع بالفعالية والاحترام اللازمين؟ استاذ العلاقات الدولية جامعة محمد الخامس الرباط المغرب