ما هو عمل المصارف الأساسي؟ في الظاهر فإن هذه تشتغل في حفظ أموال الناس على شكل ودائع تمنحهم مقابلها أرباحا سنوية, كما تقوم بالمقابل بمنحهم قروضا تتقاضى مقابلها أرباحا سنوية أيضا, وغير ذلك من أعمال معروفة, بعضها لا يكلف المصرف شيئا باستثناء الإدارة, ومع ذلك فهي تكسب ذهبا كل عام . غير ان العمل الأهم للمصارف هو مطاردة أموال الناس, أي السعي وراء الزبائن لكي يفتحوا حسابات عندها, وكلما كان الزبون دسما كلما اشتدت مطاردته, حتى وهذا يكلفها أكثر من الزبائن الصغار, لانه يضع أمواله الكثيرة كودائع أولا, ثم لانه يشترط على البنك ويتدلل لكي يحصل على أعلى سعر فائدة ممكن, وإلا فليفتح الله. وهكذا فالمصارف أبخص منا جميعا بحال الجيوب, وهي وحدها من بعد الله سبحانه وتعالى, ومن بعد أصحاب الأموال أنفسهم, تعرف من يملك ومن لا يملك, ومن هو المليونير ومن هو المفلسدير ومن هو (النص كم) , أي الذي بين بين, لا هو من الذين جاوزوا المليون درهم لكي يحظى باللقب وينضم لنادي الأثرياء, ولا هو من الذين على باب الله والراتب والسلفيات فينال لقب المفلسدير, بكل افتخار. غير ان شركة استثمار أجنبية عضوا بمجموعة عالمية هي برودنيشيال سيكيورتيز, أخبرتنا مؤخرا بأن الأموال الخاصة في الامارات تقدر بحوالي 160 مليار دولار يمتلكها 59 ألف شخص, وذلك من ضمن حجم الثروات الخاصة في دول الخليج التي قدرتها دراسة للشركة المذكورة بحوالي 768 مليار دولار, ما يكفي لدوران رأس صحفي مثلي بسرعة الكونكورد, لكي يسقط بعدها مغمى عليه, الله الوكيل. وبما ان الدراسة لم تكشف عن جنسية المالكين, وان كان الأرجح انهم ليسوا كلهم من المواطنين, خاصة في دولة الامارات, والا لكنا في المركز الأول على مستوى العالم من حيث عدد المليونيرية والأثرياء نسبة لعدد هؤلاء مقارنة بعدد السكان الاجمالي, إلا ان ذلك لا يهم المصارف في شيء, فهذه لا تعترف بالجنسيات قدر اعترافها بالمال نفسه, وهذا اليوم جنسية قائمة بذاتها في أربعة أركان الأرض. وعلى حسب الدراسة فإن متوسط نصيب كل ثري عندنا لا يقل عن 2.7 مليون دولار, يرتفع أحيانا إلى عدة مئات من ملايين الدولارات في حال الذين يصح تسميتهم بالأثرياء الحقيقيين, وتنخفض إلى مستوى مليون دولار وأقل في حال الذين يصح تسميتهم بفقراء المليونيرية, الذين يشبهون الغاوين يتبعون الشعراء وفي كل واد يهيمون. والغاوي ينقط بطاقيته على رأي الشحرورة صباح, إلا ان الغاوين من هذا النوع الذين ينقطون بطواقيهم أعز من بيض الأنوق, ولولا قلة منهم تنفق في عمل الخير, فترى الناس حسن أعمالهم ونعمة الله عليهم, لما عرف أحد على الاطلاق أن هناك ثريا في الامارات, باستثناء المصارف وحدها, فهذه كاتمة الأسرار ومصيدة الأثرياء في الوقت نفسه, ومنها اليوم وأكبرها المصارف السويسرية التي قدرت حجم الثروات الخاصة في العالم التي يمتلكها الأفراد بخمسة تريليونات دولار, تجعل أثرى أثريائنا أفقر مليونير من بينهم, أو طباخا عند أفقر مليونير فيهم!