في شهر أكتوبر من عام 1990 نشرت مقالا بأكبر المجلات الفرنسية(لونوفل ابسرفاتور)بعنوان : نصيحة عربية للعراق, وكما لايخفى على القارئ فإن الظرف كان حينئذ متفجراً ومنذرا بالأخطار, فالجيوش العراقية كانت لا تزال جاثمة على المجتمع الكويتي وكانت دولة الكويت الشقيقة ملغاة من الخريطة ومن الوجود والاخوة الكويتيون يجوبون المنافي وقد قابلنا العديد منهم في باريس ومنهم الأستاذ أحمد السعدون رئيس مجلس الأمة, وقلت في ذلك المقال ان خطأ الرئيس صدام حسين يمكن أن يصلح باعادة النظر واعمال العقل وتغليب مصلحة الأمة وان القوى الأجنبية التي بدأت تتواجد لتحرير الكويت انما سبب تواجدها هو هذا الخطأ العراقي الكبير الذي لم يكن ممكنا معالجته الا بتلك الطريقة رغم أخطارها, وآثارها المتوقعة. ما الذي جرى في رأس الرئيس صدام حسين حتى يتمسك بالباطل ويقدم على أخطر عملية عسكرية وسياسية واستراتيجية, ليس ما نعيشه جميعا اليوم إلا الثمرة اللعينة المرة لليلة السوداء الواقعة بين 1 و2 اغسطس 1990! ماذا جرى حتى يستنزف الخليج ويهدد ويطلب الحماية إنقاذا لحياة الناس قبل إنقاذ الأرض والوطن والمال؟ وجرى ما جرى بعد ذلك من فواجع متتالية ومآسٍ متعاقبة, والنظام العراقي باق, يراوح بين الاعتراف بالكويت والشرعية الدولية وبين العودة لمنطق التهديد من حين لآخر, وقد رأى الشعب العراقي أبشع أيام تاريخه الحديث, فدفع الأبرياء العراقيون والأطفال العراقيون ثمن الأزمة الثابتة المستديمة, وبالطبع لابد أن تستنفر الضمائر العربية المسلمة وحتى العالمية لما يعانيه شعبنا العربي المسلم في العراق من نقص في الدواء والغذاء ومن رجوع فعلي للعصر الحجري كما توعد شوارزكوف ودخل الرأي العام العربي دوامة رهيبة من التناقضات: كيف نقبل بأن يضرب العراق ويموت أطفاله؟ كيف نقبل حضور جيوش أمريكا وبريطانيا. ولكن أيضاً ــ وهذه هي المفارقة الصعبة بل المستحيلة ــ كيف نقبل ان يواصل الرئيس صدام حسين تهديد جيرانه بالتلويح بعدم الاعتراف بسيادتهم ودولهم وحقوقهم وأسراهم؟ كيف يمكن أن يصب الرئيس صدام حسين الزيت على النار كلما اعتقدنا بسذاجتنا أننا أطفاناها وأنها أصبحت رمادا؟ ثم كيف ننكر ما أكده الملاحظون والخبراء ــ وآخرهم ميشال جوبير وزير الخارجية الفرنسي وصديق العرب ونصير قضاياهم ــ من أن هناك تحالفا غامضا وغريب الأطوار وعجيب الطبيعة بين مصالح أمريكا ومصالح صدام حسين, فقد أطلق الصديق ميشال جوبير على كل من بيل كلينتون وصدام حسين نعت: العدوين المتكاملين أو الحليفين المتخاصمين, وهذا ما يفسر نجاح كل المكائد والمؤامرات الصليبية ــ الصهيونية التي بدأت مع بداية حكم الرئيس صدام حسين .. منذ إعدام عدد من أعضاء الحكومة العراقية عام 1980 الى اندلاع الحرب العراقية الايرانية المدمرة على مدى سنوات ثمانٍ رهيبة الى غزو الكويت تحت أي غطاء كان الى عاصفة الصحراء والى ثعلب الصحراء .. والى يوم الناس هذا ومأساة الشعب العراقي الشقيق تتفاقم وتتوغل في منطقة غياب الحل وغياب العقل وغياب الوعي. ثم ظهرت لنا فكرة عقد قمة عربية كأنها بصيص أمل باهت في ظلام ليل بهيم وشرعنا نقترح قائمة الحاضرين وجدول الأعمال, أملا في أن يقع تلاحم .. أو تجرى مصالحة بين الحكام والمحكومين العرب, ولكن الأمل تلاشى مع تصريحات السيد الصحاف (يوم الأحد 10 يناير الماضي) مهددا الكويت والسعودية كأن شيئًا لم يكن وكأن مياه دجلة والفرات لم تجر تحت الجسور البغدادية! ومن ناحية المبدأ فإن أقل ما هو مطلوب من الحكومات العربية السعي الى عقد قمة , ولم يعد شرط (الإعداد الجيد) شرطا مقنعا .. لأن الاعداد الجيد هو في يد هذه الحكومات, ثم ان عودة العراق ــ بصدام أو بدون صدام ــ الى الحظيرة العربية يبدو اليوم أفضل الحلول حتى يمسك العرب بخيوط مصيرهم ويجدوا منافذ من هذه الشباك التي يتخبطون فيها منذ 1990 والتي نصبت لهم جميعا لاضعافهم حتى لو بدا لهم اليوم ان العراق وليبيا والسودان هي وحدها المحاصرة ووحدها الملاحقة, ان المصير العربي واحد وهو جزء لا يتجزأ من أمة الإسلام التي كانت موحدة في خلافة الى حد عام 1924. ان الزمن يمر ويجري .. وإن دائرة التاريخ تكتمل بدون العرب, لأنهم ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا على هامش التاريخ, بعد ان كانوا فاعلين مريدين حاضرين, وليست أزمة العراق الا محك القدرة العربية على تجاوز المؤامرات. ولعل البداية الحقيقية الصعبة تكون من وفاق كل سلطة مع شعبها وكل نظام مع معارضيه, حتى نبلغ مرحلة (التطبيع) العربي ــ العربي.